لعبت الموانئ في اللاذقية وطرطوس على الساحل السوري دوراً حيوياً في الاستيراد والتصدير قبل عام 2011، وبعد انطلاق الحراك الشعبي في البلاد فرضت عقوبات دولية على سوريا ما حد من النشاط التجاري، ما أثر بشكل كبير على المرافئ والتجارة البحرية. لتأتي مرحلة ما بعد سقوط النظام المخلوع وتفتح فصلاً جديداً فيما يتعلق بإعادة تشغيل المرافئ والعلاقات البحرية الدولية والاستثمارات المرتبطة بها.
وفي نيسان / أبريل الماضي، وصلت أول شحنة خارجية إلى ميناء اللاذقية بعد سقوط نظام الأسد تحمل مادة القمح، ما يعد مؤشراً على استئناف النشاط التجاري وعمليات الاستيراد والتصدير إلى جانب وصول العديد من الشحنات التي تحمل بضائع مختلفة خلال الأشهر الماضية، تزامن ذلك مع إلغاء عقد إدارة ميناء طرطوس مع شركة روسية كانت تديره لصالح الحكومة السورية الجديدة، وهو ما يعتبر تحولاً جوهرياً في إدارة المرفأ. لكن في الوقت نفسه ما زال هناك حاجة إلى تأهيل البنية التحتية والمعدات، ورفع القيود والرسوم الجمركية لجذب النشاط التجاري الذي مازال محدوداً مع بقاء جزء من العقوبات الأميركية على وجه الخصوص.
ويعتبر ميناء اللاذقية أكبر مرافئ سوريا وأكثرها تضرراً من العقوبات والعزلة الاقتصادية حيث جرى مؤخراً بحسب الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في الحكومة السورية الانتقالية تحديث أنظمة المناولة والحاويات وربط الميناء بشبكة السكك الحديدية نحو حلب وحمص. كما تم إطلاق خطة لإعادة هيكلة ميناء طرطوس الذي كان تحت إدارة شركة روسية منذ عام 2019، من خلال إعادة تأهيل الرافعات والأرصفة القديمة وإنشاء محطة جديدة لاستقبال البضائع. أما فيما يتعلق بميناء بانياس الذي يعاني من تقادم البنية التحتية حيث بدأت فيه عملية تحديث خزانات النفط ومرافق التكرير بحسب تصريحات مسؤولين حكوميين.
اقرأ أيضاً: سوريا.. العلاقات الاقتصادية الدولية بين التحول والتعقيد- 963+
تأهيل منقوص
ويقول المهندس ساهر سليمان وهو موظف في هيئة المنافذ البرية والبحرية لـ “963+”، إن إعادة تأهيل المرافئ السورية لم تتم بالشكل المطلوب إلى الآن على الرغم من حدوث أعمال تأهيل وصيانة وإعادة بناء البنية التحتية في مرافئ اللاذقية وطرطوس وبانياس خلال الأشهر الماضية عقب سقوط النظام خاصة أن هذه المرافئ تشكل الركيزة الأساسية في عملية إعادة بناء الاقتصاد الوطني.
ويضيف: “المرافئ الرئيسية في سوريا متهالكة للغاية وعمليات الصيانة والتأهيل تحتاج إلى تكاليف مالية كبيرة جداً تأتي عبر تمويل دولي وليس محلي كما نحن بحاجة إلى الاستقرار السياسي والأمني الدائم والحوكمة الشفافة التي تضمن إدارة فعالة لهذه الموانئ كل ذلك قد يحول هذه المراكز البحرية إلى نقاط محورية للتجارة في شرق المتوسط وتساهم بشكل مباشر في إنعاش الاقتصاد السوري بعد سنوات من العزلة والانهيار”.
ويتحدث سليمان عن أهم الصعوبات والعوائق في إعادة عمل المرافئ بالشكل المطلوب وهي “تدهور البنية التحتية بسبب الإهمال والعقوبات ونقص الكوادر الفنية والإدارية المؤهلة بعد النزوح والهجرة في السنوات الماضية والتمويل المحدود رغم وعود المانحين، إلى جانب الألغام والعوائق البحرية التي خلّفتها سنوات الحرب في بعض الممرات المائية والأهم من كل ما سبق القوانين القديمة التي تعيق دخول الاستثمارات الأجنبية بسرعة”.
وتمتلك سوريا ساحلاً بطول نحو 180 كيلومتراً على البحر المتوسط، ما يجعلها منفذاً طبيعياً للتجارة بين آسيا وأوروبا. كما تمتاز المرافئ السورية بأنها بوابة تجارية إقليمية تربط العراق ولبنان والأردن في البحر، وموقعها الذي يتوسط عدة دول يجعلها محطة هامة في طرق النقل البحري بين قناة السويس والبحر الأسود.
ويؤكد محمود قدسي وهو موظف في مرفأ اللاذقية لـ “963+”، أن الشحنات التجارية التي وصلت إلى مرفأ اللاذقية كانت ليست بالمستوى المطلوب خلال الأشهر الماضية وغلب عليها كميات كبيرة من القمح ودفعات من السيارات المستوردة.
ويتوقع قدسي بأن تتصاعد عمليات الاستيراد والتصدير في الفترة المقبلة والتي يجب أن تترافق مع أعمال إعادة تأهيل المرفأ الذي عانى في السنوات الماضية عقب عام 2011 من الإهمال وانعدام الصيانة.
اقرأ أيضاً: سوريا والمعادلة الذهبية.. لا استقرار لا استثمار لا نمو اقتصادي! – 963+
وبحسب وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، سجل ميناء اللاذقية منذ مطلع العام الجاري وإلى الشهر الماضي ما يزيد على 290 سفينة وصولاً، وتجاوزت كمية البضائع المتعامَلة 1.5 مليون طن. وفي تموز/ يوليو الماضي بلغ عدد المكالمات (calls) لسفن محمّلة بالموانئ السورية بما فيها ميناء طرطوس وميناء بانياس إلى 92 سفينة تقبّلتها بيانات “”AIS، مقابل 21 سفينة في تموز / يوليو من العام الفائت بزيادة قدرها حوالي 338 بالمائة.
ويشير قدسي إلى أن استمرار بعض العقوبات الغربية ظهر جلياً في عمل المرفأ والذي يحتاج لإنشاء هيئة مستقلة بإشراف كوادر مؤهلة لديها الخبرات الكافية مع اعتماد آليات رقابة ومساءلة وتدريب عاملين جدد وإعادة تأهيل الحاليين، ويترافق ذلك أيضاً مع جعل كافة المرافئ السورية خالية من النفوذ العسكري وتسليمها لإدارة مدنية مستقلة تضمن سلامة الشحن والتبادل التجاري.
من الاستيراد والتصدير إلى العسكرة
ويقول الخبير الاقتصادي يوسف الآغا، إن الموانئ السورية تأثرت كثيراً خلال السنوات الماضية بسبب الحرب والعقوبات وتحولت من مكان لتقوية الاقتصاد الوطني وإنعاشه عبر تصاعد عمليات الاستيراد والتصدير إلى قواعد عسكرية نشطت فيها العمليات التجارية الخاصة وعمليات النقل لمعدات عسكرية وغيرها.
وفي هذا الوقت بحسب الآغا من الضروري الحصول على استثمارات ضخمة في هذا القطاع لإعادة تشغيله بالكامل وأن تكون هذه الاستثمارات أو العقود ليست كما حدث في السابق وأتحدث هنا عن العقد الروسي في إدارة ميناء طرطوس الذي تم إلغاؤه بسبب عدم استيفائه لأبسط الشروط والقائمة على أن يكون هناك طرفين للعقد أو الاتفاق يضاف إلى ذلك توقيع عقود تراعي الشروط والمواصفات الدولية في إدارة الموانئ وتوسعها قدر الإمكان الأمر الذي يمكن تحقيقه بالاستفادة من الموقع الاستراتيجي لسوريا.
ويشدد الخبير الاقتصادي على أهمية إزالة وإنهاء المخاطر السياسية والأمنية التي تعصف بسوريا في الوقت الحالي خاصة أن هذه المخاطر تؤثر بشكل كبير على الأمان البحري أو ثقة المستثمرين الدوليين يترافق ذلك مع السعي نحو إعادة بناء العلاقات الدولية ورفع العقوبات لجذب السفن التجارية والخدمات البحرية.










