تواجه الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا مرحلة حاسمة في دمج مؤسساتها المدنية والعسكرية مع الدولة السورية وفق اتفاق مارس 2025، وسط تباين في رؤى الأطراف حول آلية الدمج. الإدارة تسعى للحفاظ على هيكلها المحلي وحقوق موظفيها مع توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية والسلم الأهلي، بينما تمثل الحكومة المركزية الدمج كوسيلة لإدخال كل المؤسسات ضمن الإدارة المركزية وضمان وحدة الدولة. ويظهر أن نجاح العملية مرتبط أولاً بالاتفاق على دستور شامل يحدد العلاقة بين السلطات المركزية والمحلية، مع إبقاء الموارد السيادية ملكية عامة والخدمات المحلية تحت إدارة الإدارة الذاتية، في وقت يراهن فيه الطرفان على الوقت والظرف الإقليمي والدولي لتحقيق مكاسب ضمن سقف التوافق الوطني.
ومنذ تأسيسها في عام 2014 كمقاطعات منفصلة ووصولها إلى كيان سياسي موحد عام 2018، أنشأت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا مؤسسات مدنية شملت جميع القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والمالية وغيرها، واضعة نموذجاً لحكم محلي متكامل إلى حد كبير، يضم عشرات آلاف الموظفين، يعتبر اليوم في مقدمة ملف الدمج الذي يجري العمل عليه في الدولة السورية بموجب اتفاق العاشر من آذار/ مارس الماضي، الموقع بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والحكومة السورية الانتقالية.
اقرأ أيضاً: ياسر السليمان لـ “963+”: كلمة “اللامركزية” تُثير حساسية البعض والأيام المقبلة “حاسمة” – 963+
اتفاق العاشر من آذار
وفي العاشر من مارس 2025، وقع القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) الجنرال مظلوم عبدي، مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، يتألف من 8 بنود تتضمن دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق البلاد بالدولة السورية، بما في ذلك مطار القامشلي والمعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، وأجرى الجانبان جولات متعددة من المحادثات بشأن تطبيق الاتفاق.
المؤسسات المدنية وعملية الدمج
ومطلع عام 2025، أعلنت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، أن عدد موظفيها بلغ أكثر من 200 ألف موظف في جميع القطاعات بما في ذلك التعليم والصحة والقطاعات العامة، تبلغ كلفتهم حوالي 50 مليون دولار شهرياً، أي ما يعادل متوسط راتب يقارب 220 دولاراً، وتذهب معظم النفقات إلى الرواتب والدعم خاصةً المشتقات النفطية والخبر والأدية، بحسب ما أفادت “هيئة المالية” في الإدارة الذاتية.
ويقول وفد الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا للتفاوض مع الحكومة السورية الانتقالية بشأن تطبيق اتفاق العاشر من آذار، إن المباحثات حول دمج المؤسسات المدنية تسير جنباً إلى جنب مع محادثات دمج القوات العسكرية، وتوجد لجان مختصة في كل مجال، وفي المقابل تصرح الحكومة أنها تولي اهتماماً لدمج المؤسسات المدنية بالشمال الشرقي في الدولة، لكن وسط ذلك يبقى التساؤل السائد هو كيفية دمجها وصولاً إلى توحيد المؤسسات، إلى جانب المحافظة على نوع من الخصوصية المحلية، وكيفية إيجاد مقاربة معينة في هذا المجال؟.
ويوم الثلاثاء الماضي، قال الناطق باسم وفد الإدارة الذاتية للتفاوض مع دمشق ياسر سليمان لموقع “963+”، إن “هناك خطوات قادمة في مسار المفاوضات مع الحكومة، من شأنها تقديم حلول للعقبات التي تعترض تطبيق اتفاق العاشر من آذار/ مارس الموقع معها”، مضيفاً أن تطلعهم كسوريين ينصب على تجاوز مرحلة الحرب والانتقال إلى تسوية ترضى جميع الأطراف.
وأوضح أن الإدارة الذاتية تسعى للبدء بمرحلة تترافق مع صدور العملة الجديدة، وأن تكون قائمة على السلم الأهلي وتوحيد الكلمة، وصولاً إلى بناء جيش موحد لكل سوريا، مشيراً إلى أن جولة جديدة من المفاوضات مع الحكومة ستُعقد خلال الأيام العشر الأوائل من كانون الثاني/ يناير المقبل.
اقرأ أيضاً: الإدارة الذاتية لـ”963+”: خطوات قادمة لحل عقبات اتفاق 10 آذار – 963+
اختلاف على شكل الدمج
يقول رئيس “الهيئة السياسية في محافظة إدلب أحمد بكرو، إن “الحكومة السورية تنظر إلى الدمج على أنه حل لكل ما هو قائم مقابل الدخول ضمن منظومة الإدارة المركزية السورية بدعوى الحفاظ على وحدة الأرض والشعب وقوة مؤسسات الدولة، لقطع الطريق على أي طرح فدرالي بالإضافة لموضوع مراعاة قطع الطريق على وسائل ضغط يمكن أن تستغل مستقبلاً ضد الدولة سواءً سياسياً أو إدارياً أو عسكرياً”.
ويشير بكرو خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أنه “في المقابل ترى الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، موضوع الدمج أن يكون فقط الاعتراف المتبادل وتقاسم الموارد والنفوذ مع الحفاظ على كامل الهيكلية الإدارية والسياسية والعسكرية، وتكون الشراكة الحقيقية فقط في محاربة الإرهاب كقاسم مشترك بشكل يرضي المجتمع الدولي، لتبقى هيي الحاكمة في مناطقها”.
ويعتبر باحث دراسات السلام وحل النزاعات، زارا صالح، المقيم في بريطانيا، أن “هناك خلل لدى الحكومة الانتقالية عندما تقفز فوق بنود اتفاق العاشر من آذار، حيث أن فقرة الدمج هي الفقرة الرابعة في تسلسل البنود ويسبقها ضمان مشاركة كافة مكونات الشعب السوري بالعملية السياسية، أي التشاركية بالحكم، كما أن الفقرة الثانية تنص على ضمان الحقوق الدستورية للشعب الكردي، أي إقرار ذلك بالدستور أي تحديد شكل الحكم، وعندها ستتم عملية الدمج”، مشيراً خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “توحيد المؤسسات ممكن عندما يتم الاتفاق على دستور يتوافق جميع السوريين، وستكون عندها العملية بشكل أتوماتيكي، بحيث يتم تحديد علاقة الإدارات المحلية بالسلطة المركزية”.
ما هو المركزي وغير المركزي؟
ويؤكد، أن “الثروات الباطنية مثل النفط إلى جانب المعابر والمياه وغيرها هي ملكية لكامل الشعب، بينما بقية الخدمات والإدارات هي من اختصاص الإدارات الذاتية مثل التعليم والصحة وغيرها”، موضحاً أن “التعليم في مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا يتم باللغات العربية والكردية والسريانية، كما أن الموظفين في هذه المناطق لديهم عقد اجتماعي خاص بهم، ولديهم مؤسسات وهيئات تشرف عليهم حيث تكون العلاقة غير مباشرة مع المركز”.
وكان المتحدث باسم وفد الإدارة الذاتية للتفاوض مع دمشق ياسر سليمان أن هناك تقدم ملموس في المفاوضات مع الحكومة السورية الانتقالية فيما يتعلق بالملفات العسكرية والأمنية، وأن الإدارة الذاتية ترفض أي شكل من أشكال التقسيم للبلاد، مشدداً على ضرورة إعادة تفعيل مؤسسات الدولة السيادية مثل السجلين العقاري والمدني والجامعات في شمال شرق سوريا وفتح المعابر الحدودية مع تركيا والعراق، وأن التعديلات المخطط لها لمؤسسات الإدارة تهدف إلى مواءمتها مع مؤسسات الدولة وضمان حقوق جميع العاملين دون إقصاء.
اقرأ أيضاً: اتفاق 10 آذار.. الدمج شراكة لا استحواذ – 963+
ويرى بكرو، أن “دمشق تبدي مرونة في كثير من القضايا وخاصة قيول قوات سوريا الديمقراطية في ثلاث فرق عسكرية وإعادة النظر في بعض مواد الإعلان الدستوري لمراعاة خصوصية للأكراد جغرافياً وثقافياً واجتماعياً بالإضافة لقبول تعيينات موسعة في جسم إدارة الدولة وكذلك القبول بنوع من اللامركزية الإدارية لتسير شؤون المؤسسات وخاصة التعليمية ومراعاة وضع الموظفين من أبناء المتاطق المحلية بعيداً عن الطابع القومي السياسي وإنما بواقع إداري جغرافي محلي ضمن الدولة الواحدة ذات القوانين والصبغة الوطنية”.
ويلفت، إلى أن “الحكومة والإدارة الذاتية يراهنان على عامل الوقت والظرف الدولي والإقليمي لكي تفرض كل منهما على الأخرى، المكاسب الأكبر، ودمشق تحاول دائماً تبريد الملفات لتخفيف الضغط والعبء عليها خاصةً أنها حكومة وليدة وأمامها التزامات محلية وإقليمية ودولية، ولا تزال إمكانياتها محدودة تحاول أن تلبي متطلبات شعبها بفصل من الجفاف والقحط”.
ويشدد صالح، على أن “مؤسسات الأحوال الشخصية والمحاكم هي لا تخص الأمور السيادية المتعلقة بالمركز بل تتعلق بقانون الإدارات الذاتية بحيث تكون هناك محاكم خاصة تتبع للهذه الإدارات”.
والأسبوع الماضي، قال المركز الإعلامي لـ”قسد” في منشور على “فيسبوك“، إنه “كان من المقرر أن يقوم القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية الجنرال مظلوم عبدي، بزيارة إلى دمشق إلا أن الزيارة تأجلت لأسباب تقنية”، وأضاف أن الزيارة كان من المقرر أن تتم برفقة وفد التفاوض لشمال وشرق سوريا مع الحكومة الانتقالية، وأنه سيتم تحديد موعد جديد للزيارة في وقت لاحق يتم الاتفاق عليه بين الأطراف المعنية، مشيراً إلى أنه لم يطرأ أي تغيير على مسار التواصل أو الأهداف المطروحة.
وجاء ذلك، بعد أن أكد القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية، أن اتفاق 10 آذار/ مارس الموقع مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع لم يحدد أي إطار زمني لإنهائه أو للعودة إلى الحلول العسكرية، موضحاً أن وقف إطلاق النار لم يُربط بنهاية العام، وأن الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق ستستمر خلال المرحلة المقبلة، بدعم من أطراف محلية وإقليمية ودولية حريصة على تنفيذ بنود الاتفاق بشكل كامل وضمان استقراره، ومؤكداً في الوقت نفسه أن الحوار مع دمشق لم يتوقف، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، رغم الخروقات التي تحدث أحياناً، مؤكداً وجود سعي مستمر من الجانبين لإحراز تقدم في هذا المسار.










