منذ سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، دخلت سوريا مرحلة سياسية وقانونية معقّدة عنوانها الأبرز البحث عن العدالة دون تهديد الاستقرار الهش. فقد وجدت الحكومة الانتقالية نفسها أمام إرث ثقيل من الانتهاكات والصراعات، في وقتٍ تتصاعد فيه مطالب الضحايا بالمحاسبة، مقابل ضغوط داخلية وخارجية تدفع نحو المصالحة ومنع الانزلاق إلى موجات انتقام جديدة. وبين إصدار تشريعات انتقالية، وتأسيس هيئات للعدالة وكشف الحقيقة، وإجراءات أثارت جدلاً واسعاً مثل قرارات العفو وما عُرف بـ”التسويات الأمنية” مع شخصيات ارتبطت أسماؤها بأبشع صور القمع والانتهاكات، برز سؤال جوهري يواجه المرحلة الراهنة: ما مدى جدية السلطة الجديدة في الالتزام بمبادئ العدالة الانتقالية؟ وهل تسير البلاد نحو عدالة انتقالية حقيقية أم نحو تسوية سياسية تؤجل المحاسبة؟
وخلال الفترة الأخيرة عمدت الحكومة السورية إلى إجراء تسويات مع شخصيات عُرفت بأنها من أبرز الداعمين اقتصاديا للنظام السابق بقيادة بشار الأسد، إضافة إلى إطلاق سراح بعض قادة المليشيات بعد أشهر من توقيفهم، من دون محاكمات واضحة، رغم اتهامهم بدعم آلة الحرب حتى الأيام الأخيرة التي سبقت فرار الأسد إلى روسيا.
وأثارت هذه الخطوات موجة غضب شعبي متصاعدة، إذ اعتبرها كثير من السوريين مؤشراً على تراخٍ في ملاحقة المتورطين بجرائم حرب ارتُكبت خلال سنوات النزاع، ما عزّز شعوراً لدى شريحة واسعة بأن بعض المسؤولين عن الانتهاكات ما زالوا يفلتون من المساءلة القانونية، في وقت تتزايد فيه الدعوات لإرساء مسار عدالة حقيقية يعيد الثقة بالمرحلة السياسية الجديدة.
اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية في سوريا.. ضغوط الضحايا وتعثر المسار – 963+
بين النص الدستوري وهيمنة السلطة التنفيذية
يرى المحامي والباحث القانوني في دمشق أيمن أبو هاشم أن تقييم مدى استقلالية القضاء خلال المرحلة الانتقالية في سوريا يقتضي بداية فهم حجم المشكلات البنيوية التي تراكمت داخل المؤسسات القضائية خلال عقود الحكم الاستبدادي، إذ ورثت الدولة الجديدة جهازاً قضائياً يعاني ضعفاً واضحاً في استقلاليته نتيجة هيمنة السلطة التنفيذية عليه، الأمر الذي جعل الإصلاح القضائي أحد أبرز التحديات المطروحة أمام الحكومة الانتقالية.
ويشير أبو هاشم لـ”963+” أن المادة (43) من الإعلان الدستوري نصّت صراحة على استقلال القضاء وعدم خضوع القضاة لأي سلطة سوى القانون، إلا أن المادة (47) المتعلقة بتشكيل المحكمة الدستورية العليا منحت رئيس السلطة التنفيذية صلاحية كاملة في تشكيلها، وهو ما يثير إشكاليات قانونية تتعلق بمبدأ الفصل بين السلطات. ويؤكد أن الضمانة الأجدى لاستقلال المحكمة كانت تقتضي تشكيلها بالمثالثة بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، بما يحقق حيادها واستقلالها الفعلي.
غياب المحكمة الدستورية العليا.. فراغ رقابي يهدد توازن السلطات
ويلفت إلى أن عدم تشكيل المحكمة الدستورية العليا حتى الآن خلق فراغاً رقابياً قضائياً في مرحلة حساسة، خصوصاً مع عدم اكتمال تشكيل مجلس الشعب، ما يضعف آليات الرقابة الدستورية المطلوبة خلال المرحلة الانتقالية.
وفي تقييمه لأداء وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى وعمل المحاكم، يوضح أبو هاشم أن الجهود المبذولة لإعادة هيكلة المؤسسات القضائية وعودة بعض القضاة المنشقين وعزل عدد من القضاة المتهمين بالفساد تمثل خطوات إيجابية، إضافة إلى استمرار عمل المحاكم رغم الضغوط الكبيرة. غير أنه يشير في المقابل إلى أن بعض التعيينات القضائية لم تراعِ قانون السلطة القضائية ولا المعايير الدولية المتعلقة بالكفاءة والخبرة، فضلاً عن تداخل مهام بعض اللجان الإدارية المشكلة من قبل المحافظين مع اختصاصات القضاء، خاصة في قضايا المنازعات العقارية وغصب الأملاك.
ويرى أن محاولات وزارة العدل اللاحقة لمعالجة هذا التداخل عبر تشكيل لجان قضائية وإحالة الدعاوى إلى المحاكم المختصة تبقى خطوات تصحيحية غير كافية.
وبحسب أبو هاشم، لا يمكن القول إن مسار استقلال القضاء يسير باتجاه واضح حتى الآن، إذ لا تزال السلطة التنفيذية تمسك بزمام المؤسسات القضائية بصورة ملحوظة، ما يستدعي إصلاحات بنيوية عميقة خلال المرحلة الانتقالية لضمان استقلال القضاء فعلياً.
أما فيما يتعلق بالمحاكمات التي جرت عقب الأحداث التي شهدها الساحل السوري ومناطق أخرى، فيرى أنها جاءت مدفوعة أساساً بمخاوف أمنية من انفلات الأوضاع أكثر من كونها جزءاً من مسار متكامل للعدالة الانتقالية، رغم ما حملته من رسالة رمزية حول جدية الدولة في محاسبة المتورطين. إلا أن تأثيرها، بحسب رأيه، بقي محدوداً نتيجة التأخر في إطلاق مسارات العدالة الانتقالية وتشكيل محاكم مختصة تراعي خصوصية الواقع السوري وتلتزم في الوقت نفسه بالمعايير الدولية للمحاكمات العادلة.
اقرأ أيضاً: العدالة الجزائية في سوريا: بين تقادم النصوص وضرورة الإصلاح الشامل – 963+
السياسة تتقدم على القانون
يحذر أبو هاشم من مخاطر الإفراج عن مسؤولين سابقين دون محاكمات، وكذلك من إبرام تسويات مع شخصيات متهمة بانتهاكات جسيمة خلال سنوات الثورة، معتبراً أن الاعتبارات السياسية ما تزال تطغى على الاعتبارات القانونية في هذا الملف، وهو ما انعكس في حالة تذمر شعبي متزايدة، خاصة داخل أوساط مجتمع الثورة.
ويختم بالقول إن تفعيل عمل هيئة العدالة الانتقالية وتنظيم تعاونها مع الوزارات المعنية، ولا سيما وزارة العدل، يمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الحكومة بتطبيق عدالة انتقالية شفافة وشاملة، قادرة على طمأنة المجتمع وإنصاف الضحايا، مؤكداً أن تحقيق السلم الأهلي والاستقرار الوطني في سوريا يبقى مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بتحقيق العدالة وسيادة القانون.
سباق العدالة في ظل إرث ثقيل
يقول الناشط السوري محمد العايد لـ”963+” إن البلاد تقف اليوم أمام سباق مع الزمن في ظل إرث ثقيل تركه النظام السابق، موضحاً أن إصدار مذكرات التوقيف بحق رموزه يُعد خطوة تاريخية، كما أن العفو العام يعيد الأمل لمئات آلاف المواطنين، إلا أن المشكلة تكمن في أن المحاكمات ما تزال تُجرى ضمن القوانين القديمة ذاتها، إذ لم يُستبدل الإطار القانوني بعد.
ويرى أن إصلاح دولة وقضاء شكّلا لعقود أداة قمع يحتاج إلى وقت طويل، خاصة مع استمرار التهديدات الأمنية من تنظيم داعش والميليشيات، ما يجعل بعض الخطوات تبدو أقرب إلى حالة ارتباك منها إلى مسار منظم.
ويضيف العايد أن التسويات مع بعض المتورطين تؤلم السوريين وتجرح مشاعر الضحايا، فمشهد خروج شخصيات متهمة بإصدار أوامر القتل عبر تسويات يبقى صعب القبول أخلاقياً، لكنه يوضح أن الواقع يفرض أحياناً خيارات قاسية، إذ إن بناء دولة جديدة وسط حرب مفتوحة قد يدفع نحو مصالحات لا تعني إسقاط الحقوق، بل تأجيل المحاسبة أو استخدام نفوذ هؤلاء لتفكيك ما تبقى من بنية النظام السابق. ويؤكد أن الفارق اليوم يتمثل في وجود إعلان عن محاكمات قائمة، حتى وإن تأخرت.
ويتابع العايد بالقول إن العدالة الكاملة يصعب تحقيقها في ظروف غير طبيعية، فالمواطن يطالب بقصاص سريع بينما تمر البلاد بمرحلة إعادة بناء الجيش ومؤسسات الدولة والانتقال من حكم القمع إلى سيادة القانون، إلى جانب تحديات أمنية تستنزف الجهد الأكبر.
لذلك يعتبر أن ما يجري هو شكل من “العدالة الانتقالية في زمن الحرب”، حيث تُؤجَّل بعض الملفات وتُعجَّل أخرى، مشدداً على أن سوريا ليست دولة مستقرة يمكن قياس أدائها بمعايير مثالية، وأن الحزن على دماء الضحايا سيبقى حاضراً، لكن طريق المحاسبة أطول وأكثر تعقيداً مما يتخيله كثيرون.
اقرأ أيضاً: الإفراج والمساءلة: اختبار العدالة في سوريا – 963+
بين العفو والمساءلة
من جانبه، يقول المحامي أنس دللو، المحامي السوري والمدير التنفيذي لمنظمة عائلات للحقيقة والعدالة، إن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تواجه استحقاقات قانونية معقدة مع دخول “مرسوم العفو رقم 39” حيز التنفيذ، في ظل محاولة بناء نموذج قضائي يوازن بين متطلبات الاستقرار المجتمعي وضرورة المحاسبة الجنائية.
ويوضح أن التحدي المركزي يتمثل في تحقيق توازن دقيق بين ملاحقة الجرائم الكبرى وبين الآثار القانونية المترتبة على مرسوم العفو، بما يضمن عدم تحوّل العفو إلى أداة للإفلات من العقاب.
ويشير دللو إلى أن على الهيئة اعتماد مقاربة قانونية صارمة تقوم على مبدأ التفسير الضيق لنطاق العفو، بحيث تُراعى مقتضيات السلم الأهلي دون الإخلال بالالتزامات الدولية، ولا سيما تلك الناشئة عن نظام روما الأساسي والاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الإخفاء القسري. وبيّن أن تفعيل الاستثناءات الواردة في المادة 8/أ من مرسوم العفو، والتي تستبعد الانتهاكات الجسيمة كالمجازر والإخفاء القسري الممنهج، يشكّل ضمانة أساسية لمنع شمول هذه الجرائم بأي إعفاء قانوني، مع ضرورة الربط بمرسوم تجريم التعذيب رقم 16 لعام 2022 لضمان بقائها خارج إطار التسويات السياسية.
ويضيف لـ”963+” أن منع إفلات كبار المسؤولين من المساءلة يقتضي اعتماد مبدأ “المسؤولية القيادية”، الذي يكتفي بإثبات الولاية الإدارية والسيطرة الفعلية والعلم بالانتهاكات، دون اشتراط دليل مباشر على التنفيذ، وهو ما يسد الثغرات القانونية الناتجة عن غياب قانون متخصص لجرائم الحرب قبل فبراير/شباط 2026.
ويشدد على أهمية منح الضحايا وعائلاتهم دوراً محورياً، من خلال اشتراط إسقاط الحق الشخصي في الجنايات المخففة، بما يمنع استخدام العفو لتبييض سجلات القيادات العليا، ويعزز في الوقت ذاته التزام المحاكم بمعايير العدالة القضائية عبر الرقابة المستقلة وشفافية الإجراءات.
ويؤكد دللو أن ضمان توافق التحقيقات والمحاكمات مع معايير العدالة السليمة، رغم غياب نص وطني صريح لجرائم الحرب سابقاً، يستوجب تكييف الأفعال باعتبارها جرائم مجرّمة أصلاً بموجب القانون الدولي العرفي والاتفاقيات النافذة وقت ارتكابها، بما ينسجم مع نظام روما الأساسي ويحترم مبدأ عدم رجعية القوانين الجزائية.
كما يشدد على ضرورة تكريس ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما يشمل قرينة البراءة وحق الدفاع واستقلال القضاء وعلنية الجلسات واستبعاد الأدلة المنتزعة تحت التعذيب وحق الطعن.
ويرى أن استكمال المنظومة القانونية يتطلب الإسراع في إقرار قانون العدالة الانتقالية بوصفه الإطار التشريعي الناظم، بحيث يحدد تعريف الجرائم الدولية والجسيمة واختصاص الدوائر القضائية وضمانات التقاضي، إضافة إلى إصدار قانون أصول محاكمات خاص بالعدالة الانتقالية وتعديل قانون البينات بما يواكب التطور القانوني والتقني في إثبات الجرائم.
ويشدد دللو على أن تحصين عمل الهيئة في مواجهة الضغوط السياسية أو الشعبية يقتضي اعتماد معايير قانونية موضوعية ومعلنة لاختيار القضايا، تستند إلى جسامة الجريمة وطابعها الممنهج ومستوى المسؤولية القيادية، لا إلى الاعتبارات الظرفية.
ويوضح أن أهالي الضحايا يجب أن يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب مصلحة أصيلين في مسار العدالة، عبر تمكينهم من التمثيل القانوني والمشاركة بصفة الادعاء الشخصي ضمن حدود القانون، دون المساس باستقلال القضاة أو التأثير على العقوبات، مشدداً على أهمية الفصل المؤسسي بين التحقيق والمحاكمة، وضمان عدم قابلية القضاة للعزل التعسفي، وتأمين ميزانية مستقلة للمحاكم، بما يحافظ على حياد القضاء ويمنع تسييس المحاكمات.










