هجومٌ آثار الكثير من التساؤلات حول الغاية والهدف والتوقيت. وهنا الحديث يتجه نحو التفجير الذي وقع قبل أيام قليلة بالقرب من القصر العدلي في العاصمة السورية دمشق وأسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى.
حيث تكتسب المحاكم والجهات القضائية في سوريا حساسية خاصة، كونها شكلت خلال عقود طويلة مضت جزءاً من المشهد السياسي والأمني، وارتبطت في نظر كثير من السوريين بمرحلة من الصراع بين السلطة والمعارضين لها، ما جعل إصلاحها وإعادة بناء الثقة بها أحد أصعب تحديات المرحلة الانتقالية.
ولا تكون المؤسسات العملية أو القضائية في الدول الخارجة من الحروب والصراعات، ليست مجرد مبانٍ إدارية تُمارس فيها الإجراءات القانونية، بل تتحول إلى رمز لعودة الدولة واستعادة مفهوم النظام بعد سنوات من الفوضى والانقسام.
بالتالي، فإن أي محاولة استهداف للمؤسسات القضائية لا يُقرأ عادة باعتباره اعتداءً على مبنى أو موظفين فقط، بل محاولة للتأثير في مسار الدولة نفسها.
فالقضاء هو المكان الذي تُفتح فيه ملفات الماضي، وتُحاسب فيه الجهات المتهمة بالانتهاكات والجرائم، وتُرسم من خلاله ملامح العدالة الانتقالية التي يطالب بها الضحايا.
وفي هذا السياق، يقول الباحث والمحلل السياسي ميلاد الأطرش، إن الدول الخارجة من النزاعات، ولا سيما في وضع سوريا بعد انتصار الثورة، لا تُعدّ المحاكم والقصور العدلية فيها مجرد مبانٍ حكومية، بل تمثل رمزاً لعودة الدولة وسيادة القانون. لذلك فإن استهدافها لا يكون، في الغالب، عملاً عشوائياً، بل يحمل رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حجم الخسائر المادية.
ويضيف لـ”963+”، “كلما بدأت الدولة بإعادة بناء مؤسساتها الأمنية والقضائية، وتحريك ملفات الملاحقة القضائية بحق مرتكبي الجرائم المنظمة والإرهاب والفساد، تتحول المؤسسات العدلية إلى هدف مباشر لمن يسعى إلى إبقاء حالة الفوضى قائمة”.
ويؤكد الأطرش بأن استهداف القضاء يحقق عدة أهداف في آنٍ واحد منها تعطيل سير العدالة وتأخير محاكمة المتورطين بالجرائم ونشر الخوف بين القضاة والمحامين والعاملين في القطاع القضائي، بالإضافة إلى إضعاف ثقة المواطنين بقدرة الدولة على حمايتهم، وإرسال رسالة مفادها أن السلاح ما يزال أقوى من القانون، مع العمل على خلق حالة من الإرباك السياسي والإعلامي في لحظات حساسة.
ولهذا السبب، تُظهر تجارب العديد من الدول أن المؤسسات القضائية غالباً ما تصبح هدفاً عندما تبدأ الدولة باستعادة سيطرتها على الأرض أو إعادة تفعيل مؤسساتها. كما أن استهداف البنية المدنية، بما فيها مؤسسات الدولة، كان نمطاً موثقاً خلال سنوات النزاع السوري، وإن اختلفت الجهات المنسوبة إليها بحسب الحوادث والسياقات، وفق الأطرش.
ويشير إلى أنه من النادر ما يكون توقيت استهداف مؤسسة عدلية عشوائياً، بل يتزامن غالباً مع أحد السيناريوهات التالية:
- إطلاق حملات أمنية ضد شبكات الجريمة والخطف.
- بدء محاكمات أو ملاحقات لشخصيات متهمة بجرائم جسيمة.
- إعادة افتتاح أو تفعيل المؤسسات القضائية بعد فترة توقف.
- محاولات الدولة فرض سيطرتها في مناطق شهدت اضطرابات.
- لحظات انتقال سياسي أو أمني تكون فيها الدولة في مرحلة إعادة بناء.
ويرى بأن الهدف هنا ليس المبنى بحد ذاته، وإنما التأثير في مسار الدولة وإبطاء استعادة مؤسساتها لدورها. ولا يمكن تحديد المسؤولية إلا بعد إجراء تحقيق رسمي مدعوم بالأدلة. لكن من الناحية التحليلية، فإن الجهات التي تلجأ إلى استهداف المؤسسات العدلية غالباً ما تكون منظمات إرهابية، أو جماعات مسلحة خارجة عن سلطة الدولة، أو شبكات إجرامية ترى في القضاء تهديداً مباشراً لاستمرار نشاطها.
ويذكر الباحث والمحلل السياسي بأنه في حالة الصراعات المعقدة، قد يختلف المنفذ عن المستفيد. فالمستفيد سياسيًا قد يكون أي طرف يرى أن إضعاف مؤسسات الدولة يخدم أهدافه، سواء عبر إظهارها بمظهر العاجز عن حماية مواطنيها، أو تعطيل مسار العدالة، أو إطالة أمد الفوضى بما يسمح باستمرار نفوذه السياسي أو العسكري أو الاقتصادي.كما تستفيد شبكات الجريمة المنظمة من إرباك القضاء، لأن ضعف المؤسسات العدلية يخلق بيئة أكثر ملاءمة لعمليات الخطف والابتزاز والتهريب والفساد.
ويختتم حديثه بالقول إن استهداف المؤسسات العدلية هو هجوم على فكرة الدولة نفسها. فحين تُستهدف المحكمة، يكون الهدف الحقيقي هو العدالة، وحين يُراد إسكات القضاء، يصبح المجتمع بأكمله مهددًا بفقدان الثقة بالقانون. ولهذا، فإن نجاح أي دولة في حماية مؤسساتها القضائية لا يُقاس فقط بمنع الاعتداءات، بل بقدرتها على ضمان استمرار عمل القضاء، وكشف المسؤولين عن أي هجوم عبر تحقيقات شفافة ومستقلة، لأن العدالة هي الركيزة الأساسية لاستعادة الاستقرار وترسيخ سيادة القانون.
بدوره، يرى الكاتب والباحث عبد الرحمن ربوع، أن المؤسسات العدلية في سوريا كانت، طوال عقود جزءاً من الصراع بين النظام والمعارضة، إذ استخدم النظام المخلوع القضاء في كثير من الأحيان كأداة للضغط على معارضيه، من خلال أحكام وقرارات وصفت بأنها مسيسة وجائرة، طالت ناشطين سياسيين وانتهت في حالات عديدة بأحكام قاسية، وصلت إلى الإعدام أو السجن لسنوات طويلة.
ويؤكد ربوع أنه مع انطلاق مسار العدالة الانتقالية التي يطالب بها ضحايا النظام السابق، أصبحت المؤسسات القضائية في قلب مرحلة حساسة، إذ تستهدف هذه المرحلة محاسبة المتورطين في الانتهاكات والجرائم، وهو ما قد يدفع بعض المتضررين من هذا المسار إلى محاولة عرقلته أو تعطيله.
أما تحديد الفاعل المباشر وراء استهداف المؤسسات العدلية، فهو مسؤولية التحقيقات الرسمية القائمة، ولا يمكن الجزم بهوية أي جهة قبل ظهور الأدلة. غير أن هذه العمليات كشفت عن تحديات أمنية، من بينها ضعف الخبرة لدى بعض عناصر الأجهزة الأمنية، والتراخي الناتج عن تغير الإجراءات الأمنية ورفع عدد من الحواجز في العاصمة، بحسب ربوع.
ومن الناحية التحليلية، يقول إن جهات متعددة من الممكن أن تستفيد من هذه الاستهدافات منها فلول النظام السابق، أو أطراف أخرى تعارض المرحلة الانتقالية وتسعى إلى إرباكها. كما قد تستغل شبكات الجريمة المنظمة حالة الاضطراب لإضعاف القضاء وتعزيز أنشطتها غير القانونية.










