في بيتٍ متواضع بريف درعا الغربي، جلست الأرملة أم محمد تحدّق في مطبخها شبه الفارغ من اللحم، بينما كان أطفالها يسألونها عن “نصيب العيد” الذي اعتادوا انتظاره كل عام. هذا العام، وبعد يومين فقط من انتهاء عيد الأضحى، لم تصل العائلة سوى كمية لا تتجاوز نصف كيلو من اللحم، في مشهد يلخص حالة آلاف الأسر التي وجدت نفسها خارج موائد العيد.
تقول أم محمد لـ”963+” إن العيد هذا العام مرّ سريعاً وبلا أثر يُذكر على مائدتها، مقارنة بالسنوات السابقة التي كانت تحصل فيها على حصص من الجيران وأهل الخير تكفيها لأسابيع.
قصتها لم تكن استثناءً، بل انعكاساً مباشراً لتراجع كبير في أعداد الأضاحي بمحافظة درعا هذا العام، في ظل ارتفاع حاد بأسعار المواشي وتراجع القدرة الشرائية للسكان.
تراجع حاد في الأضاحي وأسعار قياسية
شهدت محافظة درعا خلال عيد الأضحى هذا العام تراجعاً كبيراً في أعداد الأضاحي مقارنة بالعام الماضي، في ظل الارتفاع الحاد بأسعار الأغنام، ما انعكس بشكل مباشر على الأسر الفقيرة التي تعتمد سنويًا على لحوم الأضاحي كمصدر رئيسي للحوم خلال أيام العيد.
وقال مربو أغنام وتجار مواشٍ في المحافظة لـ”963+” إن عدد الأضاحي المنفذة هذا العام انخفض بنحو 70 بالمئة مقارنة بعيد الأضحى الماضي، نتيجة تضاعف الأسعار خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفع سعر الكيلو الحي من نحو 40 ألف ليرة سورية العام الماضي إلى أكثر من 100 ألف ليرة هذا العام.
وأدى هذا الارتفاع إلى عزوف عدد كبير من الأهالي عن شراء الأضاحي بعدما أصبحت تكلفتها تفوق قدرة معظم الأسر على التحمل، في وقت تعاني فيه المنطقة من تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
تراجع التوزيع وحرمان الأسر الفقيرة
قال سكان محليون إن مشاهد توزيع لحوم الأضاحي التي كانت تشهدها الأحياء والقرى خلال أيام العيد تراجعت بشكل واضح هذا العام، مع انخفاض أعداد الذبائح وقلة الكميات الموزعة على المحتاجين.
وأضافوا أن العديد من الأسر الفقيرة لم تحصل على حصتها المعتادة من لحوم الأضاحي، الأمر الذي حرمها من أحد أهم مظاهر العيد التي كانت تنتظرها كل عام، خاصة في ظل عجزها عن شراء اللحوم من الأسواق بسبب أسعارها المرتفعة.
وأشار أحد تجار المواشي في درعا إلى أن السوق شهدت حركة بيع ضعيفة مقارنة بالأعوام السابقة، موضحاً أن غالبية الزبائن كانوا يتراجعون عن الشراء بعد الاطلاع على الأسعار، في حين اقتصرت عمليات البيع على عدد محدود من المقتدرين أو المغتربين الذين أرسلوا مبالغ مالية لأقاربهم داخل سوريا.
وأكد عاملون في القطاع أن ارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف التربية والنقل والرعاية البيطرية ساهم في زيادة أسعار الأغنام بشكل كبير، ما انعكس على أسعار الأضاحي بصورة مباشرة.
موائد فارغة بعد العيد
وفي المقابل، بدت موائد العديد من العائلات الفقيرة أكثر فراغاً هذا العام، مع تراجع كميات اللحوم الواصلة إليها عبر الأضاحي والتبرعات، في وقت أصبحت فيه اللحوم الحمراء سلعة بعيدة المنال لشريحة واسعة من السكان.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن تراجع الأضاحي في درعا لا يعكس فقط ارتفاع الأسعار، بل يكشف أيضًا حجم الضغوط المعيشية التي دفعت كثيرين إلى التخلي عن شعيرة اعتادوا إحياءها سنويًا.
ومع انتهاء أيام عيد الأضحى قبل يومين، بقي آلاف المحتاجين في المحافظة خارج موائد العيد التي كانت تصلها لحوم الأضاحي في سنوات سابقة، بينما يواصل ارتفاع الأسعار إلقاء ظلاله الثقيلة على مختلف جوانب الحياة المعيشية.
الغلاء يدفع للتخلي عن الأضحية
يقول ناصر، وهو أحد سكان محافظة درعا الذين تمكنوا من أداء شعيرة الأضحية هذا العام، لـ”963+” إن الارتفاع الكبير في الأسعار كان العامل الأبرز وراء تراجع أعداد الأضاحي مقارنة بالأعوام السابقة.
ويضيف: “ضحيت هذا العام بخروفين وبلغت تكلفتهما نحو 14 مليون ليرة سورية، بينما لم تتجاوز قيمتهما خلال عيد الأضحى الماضي بين 5 و6 ملايين ليرة. الفرق بالسعر واضح وكبير جدًا، وهذا السبب الرئيسي وراء عجز كثير من الناس عن شراء الأضاحي”.
ويشير إلى أن العديد من العائلات التي كانت تعتاد التضحية بأكثر من رأس من الأغنام اكتفت هذا العام بخروف واحد، فيما اضطر آخرون إلى التخلي عن الأضحية بشكل كامل.
ويلفت إلى أن أنماط توزيع اللحوم تغيّرت أيضًا هذا العام، موضحًا أن انتشار أنظمة الطاقة الشمسية ساعد بعض الأسر على حفظ اللحوم لفترات أطول، ما قلل من كميات التوزيع مقارنة بالسنوات السابقة.
ويضيف أن أسعار العجول والخراف سجلت ارتفاعات كبيرة، إذ تجاوز سعر بعض العجول 40 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل نحو ثلاثة آلاف دولار تقريبًا.
انهيار المبيعات في أسواق المواشي
يقول زيد القراعزة، وهو لحام وتاجر مواشٍ في ريف درعا، لـ”963+” إن موسم الأضاحي هذا العام شهد تراجعاً كبيراً في المبيعات مقارنة بالسنوات السابقة، نتيجة الارتفاع غير المسبوق في أسعار المواشي والأعلاف.
ويوضح أن ما حققه من مبيعات لا يعكس واقع السوق، مشيراً إلى أن بعض التجار لم يتمكنوا من بيع سوى عدد محدود جداً من المواشي مقارنة بالأعوام الماضية، حيث تراجعت المبيعات من أكثر من 20 عجلاً إلى عجلين فقط في بعض الحالات.
ويضيف أن الإقبال انخفض بشكل واضح، مع اتجاه كثير من الأهالي إلى الاكتفاء بخروف واحد أو العزوف الكامل عن الأضحية.
ويشير إلى أن سعر الخروف تراوح بين سبعة وثمانية ملايين ليرة سورية، بينما وصل سعر كيلو الخروف الحي إلى نحو 100 ألف ليرة، مقارنة بنحو 40 ألفًا العام الماضي.
ويختم بالقول إن هذا الموسم يُعد من أصعب المواسم التي شهدها قطاع تربية وبيع المواشي، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وندرة الأعلاف وتراجع القدرة الشرائية، ما انعكس مباشرة على سوق الأضاحي هذا العام.










