رغم الحضور التاريخي للدراما السورية وتنوع بيئاتها الاجتماعية والثقافية، تبدو الدراما الحلبية اليوم شبه غائبة عن المشهد التلفزيوني، بعد أن قدمت في مراحل سابقة أعمالاً استطاعت أن تعكس خصوصية مدينة حلب وتفاصيل مجتمعها بعيداً عن القوالب التقليدية التي كرّستها أعمال البيئة الشامية الدمشقية.
وفي تصريحات لـ”963+”، يقيّم الناقد الفني أحمد السح مكانة الدراما الحلبية في تاريخ الدراما السورية، مشيراً إلى أنها كانت تقع في مرتبة متأخرة عددياً من حيث عدد الأعمال المنتجة، إلا أنها امتلكت فرادة واضحة ميّزتها عن غيرها، لا سيما من خلال واقعيتها وابتعادها عمّا يُعرف بـ”الفنتازيا الشامية” التي حضرت بقوة في العديد من الأعمال الدمشقية.
ويؤكد السح أن السبب الرئيسي وراء تراجع أو اختفاء المسلسلات الحلبية خلال السنوات الأخيرة لا يرتبط بندرة النصوص أو تحولات السوق، بقدر ما يرتبط بغياب شركات الإنتاج الراغبة في تبنّي هذا النوع من الأعمال.
ويوضح أن السوق المحلي، رغم ما شهده من تحولات، لا يزال قادراً على استيعاب أعمال تنطلق من البيئة الحلبية، إلا أن رأس المال الإنتاجي لم يكن راغباً فعلياً في الاستثمار بهذا اللون الدرامي، ما أدى إلى تراجع حضوره تدريجياً.
وحول تأثير الحرب والظروف الاقتصادية على غياب الحكاية الحلبية عن الشاشة، يرفض السح الربط المباشر بين الأمرين، معتبراً أن الحروب بطبيعتها تعزز الحكايات وتجعلها أكثر حضوراً وقابلية للإقناع.
ويرى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الظروف السياسية أو الاجتماعية، بل في غياب الإنتاج والتبنّي الحقيقي لهذه البيئة بوصفها مادة درامية قادرة على الاستمرار.
أما في ما يتعلق بالحضور الجماهيري والإعلامي، فلا يرى السح أن الإعلام يتحمل مسؤولية غياب الدراما الحلبية، موضحاً أن الإعلام لا يستطيع إنصاف شيء غير موجود أساساً. فمع غياب الإنتاج، تراجعت التغطية تلقائياً، الأمر الذي أبقى هذا النوع من الدراما خارج دائرة الاهتمام الإعلامي والجماهيري.
ويشير الناقد الفني إلى أن الخصوصية التي ميّزت الأعمال الحلبية لم تكن مرتبطة بالمكان فقط، بل بطبيعة الحكاية نفسها، إذ قدمت هذه الأعمال صورة واقعية تنطلق من خصوصية المجتمع الحلبي وحياته اليومية وعلاقاته الاجتماعية.
لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن هذا التميز ظل مرتبطاً بالأعمال القديمة، بينما بقيت الأعمال المعاصرة التي تناولت حياة المدينة اليومية قليلة جداً، ولا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
وفي مواجهة اعتبار إنتاج أعمال من البيئة الحلبية “مغامرة” إنتاجية، يرفض السح هذا الوصف، مؤكداً أن هذه الأعمال قادرة على النجاح، وربما تزداد فرص نجاحها بسبب ندرتها واختلافها.
كما يستبعد أن تكون أزمة النصوص سبباً في الغياب، موضحاً أن الكتّاب لن يتأخروا في تقديم أعمال تنطلق من البيئة الحلبية إذا ما توفرت جهة إنتاج جادة تتبنى هذه المشاريع.
ويخلص السح إلى أن عودة الدراما الحلبية تبقى مرتبطة أولاً وأخيراً بتوفر رأس المال، مؤكداً أن أي نوع درامي يحتاج إلى دعم إنتاجي حقيقي، وأن كسر هذه الحلقة كفيل بإعادة حضور هذا النوع من الأعمال إلى الشاشة السورية.
ورغم محدودية التجارب، يستحضر السح عدداً من الأعمال التي يراها مؤثرة في تقديم صورة مختلفة عن المدينة وناسها، من بينها “سيرة آل الجلالي” و”باب الحديد”، مشيراً إلى أن هذه الأعمال انطلقت من خصوصية المجتمع الحلبي وتفاصيل حياته اليومية، إلى درجة يصعب معها نقل الحكاية إلى بيئة أخرى من دون أن تفقد جوهرها وفرادتها، وهي ميزة يرى أنها كانت أحد أبرز عناصر قوة الدراما الحلبية.










