في زمن السرعة والتمرير المتواصل، لم تعد الكلمة وحدها قادرة على الإمساك بانتباه المتلقي، فيما تقدّمت الصورة لموقع الصدارة بوصفها أداة التواصل الأقوى والأسرع تأثيراً، لم يكن هذا التحوّل وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات ثقافية وتكنولوجية غيّرت طريقة تلقّي الإنسان للمعلومة، وجعلت من الصورة لغة عالمية تتجاوز الحروف واللغات.
ويرى الصحفي المصوّر نادر دبو في حديثه لـ”963+” أن الصورة تمتلك قدرة فورية على إيصال الفكرة وشدّ الانتباه، فهي تختصر الوقت وتمنح المتلقي فهماً سريعاً للمحتوى دون الحاجة إلى قراءة مطوّلة. إلا أن هذه القوة، برأيه، لا تكفي دائماً لفهم الصورة فهماً كاملاً، إذ يتعامل كثير من الناس مع الصورة بوصفها مشهداً بصرياً فقط، من دون التعمّق في معناها أو سياقها.
ويشير إلى أن الصورة قد تحمل دلالة معيّنة، فيما يذهب النص المكتوب في اتجاه مختلف تماماً، ما يجعل القراءة ضرورة لا غنى عنها لاستكمال الحقيقة، لأن الصورة، في النهاية، تبقى ناقصة من دون النص الذي يفسّرها ويضعها في إطارها الصحيح.
ومع هيمنة المحتوى البصري، بات التفكير البصري يطغى على القراءة، كما يوضح دبو، إذ أصبح الإنسان محاطاً بالصور ومقاطع الفيديو في كل مكان، ما أدى إلى تراجع الصبر على قراءة النصوص الطويلة. وغالباً ما يكتفي المتلقي بقراءة كلمتين أو ثلاث من النص، ثم يُكمل فهمه اعتماداً على الصورة، وقد يخرج باستنتاج خاطئ، لكنه يظن أنه فهم المحتوى كاملاً، من دون العودة إلى التفاصيل أو التحقق من المعنى الحقيقي.
هذا التحوّل عزّزته المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التي منحت الصورة والفيديو أولوية واضحة في الانتشار والتفاعل. فبحسب دبو، فإن الخبر الذي يُنشر من دون صورة غالباً ما يحظى بتفاعل ضعيف، بينما يحقق الخبر ذاته، بالنص نفسه، انتشاراً أوسع ومشاهدات أكبر بمجرد إرفاقه بصورة.
ومع هذا الواقع، أصبحت الصورة هي العنصر المسيطر على المنصات الرقمية، فيما تراجع تأثير النص المكتوب، لا لضعفه، بل لتغيّر سلوك المتلقي.
ويعزو دبو هذه الهيمنة إلى ما تمنحه الصورة من إحساس بالمصداقية والدليل البصري، إذ تبدو وكأنها حقيقة مؤكدة حتى في الحالات التي تكون فيها الصورة تعبيرية وليست من قلب الحدث. فمجرد وجود صورة مرافقة للخبر يجعل المتلقي أكثر ميلاً للتصديق، فيما لا يميّز كثيرون بين الصورة التوثيقية والصورة التعبيرية. ويضرب مثالاً على ذلك بالصور التي تُنشر لاشتباكات يظهر فيها أشخاص ملثّمون، حيث يتعامل معها الجمهور على أنها من موقع الحدث، رغم احتمال كونها تعبيرية فقط.
من جهة أخرى، ساهم الانتشار الواسع للهواتف الذكية وسهولة التصوير في جعل الصورة أكثر حضوراً من أي وقت مضى، إلا أن هذا الانتشار، كما يرى دبو، أفرغ الصورة أحياناً من معناها. فالجميع بات يصوّر، وكل شخص يقدّم الحدث من زاويته الخاصة، ما يجعل الصورة الواحدة قادرة على نقل مشاهد متناقضة للحدث نفسه. فقد يبدو الحدث عادياً في صورة، وصراعياً في صورة أخرى، ما يؤكد أن الصورة لا تحمل دائماً العمق نفسه، ولا تقدّم وصفاً موحّداً للواقع.
وفي هذا السياق، يوضح دبو أن الصورة أصبحت اختصاراً للواقع، لكنها في الوقت نفسه تحوّلت عند كثيرين إلى بديل عنه. فالمتلقي يرى الصورة، ويبدأ في التحليل وإبداء الرأي، وغالباً ما يكون حكمه ناقصاً أو خاطئاً لأنه بُني على لقطة مجتزأة من دون الرجوع إلى التفاصيل الكاملة. ورغم ذلك، تبقى الصورة الصادرة عن مصدر موثوق أقرب إلى الحقيقة، مع الإقرار بأنها لحظة مقتطعة من سياق أوسع.
بدوره، يؤكد الصحفي المصوّر محمد دامور لـ”963+” أن الصورة الصحفية ليست بالضرورة حاملة لرسالة إنسانية، إذ تتمثل وظيفتها الأساسية في نقل مشهد ضمن سياسة الوسيلة الإعلامية. فهناك صور إنسانية، وأخرى خبرية، وثالثة ترويجية، ولكل نوع سياقه ووظيفته.
ويشير إلى أن البعد الإنساني يفرض نفسه في الأحداث الاستثنائية، كما حدث خلال الزلزال، حين اضطر إلى تصوير مدينة حلب بصورة حزينة لدفع الجمهور إلى التعاطف مع الحدث الإنساني الكبير، لافتاً إلى أن مدناً أخرى تضررت بالقدر نفسه، لكنها لم تحظَ بالاهتمام ذاته لأن صورها لم تصل.
ويرى دامور أن الصورة الصحفية تتحدث عن حدث ما، سواء كان مباراة رياضية، أو معرضاً، أو نشاطاً في المجالين البدني أو العسكري، وهي مطالبة قبل كل شيء بجذب انتباه المتلقي. فإذا غاب عنصر الجذب، فقدت الصورة صفتها الصحفية، لأن الصورة تُعد أحد أهم عوامل لفت الانتباه البصري داخل العمل الإعلامي.
وعن تأثير الصورة، يوضح دامور أن هناك صوراً ذات تأثير مؤقّت وأخرى ذات تأثير دائم، ويتحدد ذلك وفق قيمة الحدث نفسه. فالأحداث الإنسانية الكبرى، كالحروب والكوارث، تصنع صوراً خالدة تتجاوز الزمن، بغضّ النظر عمّن التقطها، سواء كان مصوّراً محترفاً أو صحفي مواطن أو حتى شخصاً يلتقط الصورة للمرة الأولى بهاتفه المحمول. فالحدث الاستثنائي وحده كفيل بمنح الصورة خلودها، كما هو الحال مع صور حفلات أم كلثوم في أربعينيات القرن الماضي، التي بقيت حاضرة لأنها وثّقت حدثاً خالداً، لا لأنها التُقطت بتقنيات متقدمة.
ويؤكد دامور أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تُضعف الصورة الصحفية، بل زادت من أهميتها ومنحتها انتشاراً أوسع، وأسهمت في اكتشاف مصوّرين مبدعين حول العالم، ومنحت الهواة منابر لم تكن متاحة لهم سابقاً. ومع ذلك، يحذّر من الاكتفاء بالصورة وحدها، إذ إن مصداقيتها العالية قد تدفع المتلقي إلى عدم البحث عن السياق أو التفاصيل، رغم أن الصورة، مهما بلغت قوتها، تبقى محتاجة إلى النص الذي يكمل معناها.
في المحصلة، تبدو الصورة اليوم أقوى من الكلمة، لا لأنها ألغتها، بل لأنها غيّرت موقعها. فالصورة باتت المدخل الأول للفهم، فيما بقيت الكلمة ضرورة لا غنى عنها لتفسير المشهد وكشف أبعاده. وبين هيمنة الصورة وعمق النص، تتشكّل ثقافة إعلامية جديدة، يكون فيها الوعي البصري مسؤولية لا تقل أهمية عن مهارة الكتابة.










