وقّعت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية اتفاقية تعاون مع شركة “فيزا” العالمية لتطوير اقتصاد رقمي حديث في سوريا، تشمل إنشاء إطار تجريبي للتكنولوجيا المالية، تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة من المدفوعات الرقمية، إطلاق مسابقة وطنية للابتكار، وتعزيز الأمن السيبراني وخدمات الحكومة الرقمية. الاتفاقية تهدف إلى بناء منظومة مدفوعات متطورة وتحسين كفاءة الخدمات الرقمية، مستفيدين من خبرة “فيزا” العالمية وربطها بالاستراتيجية الرقمية الوطنية.
ويُنظر إلى الاتفاقية كخطوة استراتيجية نحو التحول الرقمي رغم تحديات البنية التحتية والعقوبات، وسط تساؤلات حول قدرتها على تحقيق اقتصاد رقمي ناضج فعلياً. وتشير مصادر غربية إلى ضغوط أمريكية لمنع الاعتماد على التكنولوجيا الصينية، ما يجعل الشراكة مع “فيزا” فرصة لتعزيز الروابط الاقتصادية المستدامة وتوسيع مسارات النمو والازدهار المشترك.
ماذا تعني الشراكة؟
الدكتورة لين قصار، الخبيرة الاقتصادية والمتخصصة في الشؤون الرقمية، ترى أن قراءة الاتفاقية يجب أن تكون دقيقة وواقعية، وتوضح في حديثها لـ”963+” : الطريق نحو التحول الرقمي ليس مفروشاً بالورود، وهذه الاتفاقية هي خطوة أولى في رحلة طويلة، ويجب أن تتبعها خطوات تشريعية وتنظيمية مهمة، وهذه الخطوة إيجابية بلا شك، لكن يجب عدم المبالغة في توقعاتها، وهي أشبه بوضع حجر الأساس لمنزل لم تُحدد معالمه بعد، فالشراكة تعني أن فيزا ستدعم تطوير البنية التحتية، وتقدم استشارات تقنية، وتساعد في بناء قدرات الكوادر المحلية.
وتضيف: لكن التطبيق الفعلي على أرض الواقع يحتاج إلى وقت وجهد وتشريعات مرنة، فهذه الاتفاقية قد تكون نقطة انطلاق حقيقية نحو تحديث القطاع المصرفي والمالي في سوريا، ووجود شركة بحجم فيزا يعني دخول خبرات وتقنيات متطورة، وفتح قنوات تواصل مع الأسواق العالمية، كما أنها ستدفع البنوك المحلية إلى تطوير خدماتها والمنافسة بشكل أفضل، والمرحلة القادمة يجب أن تشهد إصدار تشريعات جديدة تنظم قطاع المدفوعات الإلكترونية وتكنولوجيا المالية، القوانين الحالية قديمة ولا تواكب التطورات العالمية، نحتاج إلى قانون حديث لحماية البيانات، وقانون لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وتعديل القوانين المصرفية لتسمح بظهور مؤسسات مالية رقمية جديدة، وبدون هذه القوانين، ستبقى الاتفاقية حبراً على ورق.
وتختم قصار بالقول: لا يمكن لأي اقتصاد أن ينمو في هذا العصر دون منظومة مدفوعات إلكترونية قوية وآمنة، والاتفاق مع فيزا تمثل خطوة استراتيجية وتفتح الباب، إلا أن الاتفاق بذاته لا يغيّر الواقع، بل مدى قدرة المؤسسات السورية على تهيئة الأرضية التي تسمح بتطبيقه فعلياً، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن نقطة تحول حقيقية في الاقتصاد الرقمي.
أين تقف سوريا رقمياً اليوم؟
يقول المهندس عدنان الإبراهيم الخبير في التحول الرقمي في تصريحات لـ”963+” قبل تقييم الاتفاقية، لا بد من استحضار الواقع الرقمي السوري بأرقامه الحقيقية، فنسبة المعاملات النقدية تجاوز 90% مع المتوسط العالمي 40%، وانتشار الإنترنت ~35% من السكان والمتوسط الإقليمي 70%+، أما الشمول المالي (حيازة حساب مصرفي) فهو أقل من 25% بينما المتوسط العالمي 76%، ومنصات الدفع الإلكتروني النشطة محلياً أقل من 5 منصات بينما في مصر وحدها تضم 30+، أما حجم التجارة الإلكترونية شبه منعدم رسمياً وفي السوق السعودي 12 مليار دولار، تُظهر بيانات الاتحاد العربي للتجارة الإلكترونية (2025) أن نسبة التعاملات غير النقدية في سورية لا تتجاوز 6% فقط من إجمالي المعاملات التجارية، في حين تبلغ النسبة 72% في الإمارات و68% في الأردن.
كما تُظهر إحصاءات البنك الدولي أن أقل من 8% من البالغين في سورية يمتلكون حسابات مصرفية قابلة للمعاملات عبر الإنترنت، مقابل 67% في مصر و 83% في السعودية، هذه الأرقام لا تُقدَّم لإحباط التفاؤل، بل لتأطيره ونقطة البداية متأخرة جداً، لكن هذا يعني أيضاً أن أمامنا فرصة تجاوز مراحل وصول مباشرة إلى أحدث التقنيات، وتوقيع اتفاقية تعاون مع شركة “فيزا” العالمية للمدفوعات الرقمية، يمكن أن ترسّخ إطاراً مشتركاً للتعاون في مجالات تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز الشمول المالي والابتكار في التكنولوجيا المالية.
بالإضافة إلى إنشاء بيئة تجريبية تنظيمية مخصّصة للاقتصاد الرقمي السوري، ويمكن الاستفادة من خدمات “فيزا” الاستشارية لدعم الخطط الوطنية الأوسع للتحول الرقمي، والأهم هو تمكين المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة من الانخراط في الاقتصاد الرقمي، عبر دعم تبنّي حلول المدفوعات الرقمية، وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية، ورقمنة المعاملات اليومية بما يتوافق مع معايير التشغيل البيني والأمن العالمية.
ويضيف الإبراهيم أن الشركة تعتمد في عملياتها على شبكة “VisaNet” المتطورة التي توفر معالجة آمنة وموثوقة للمدفوعات عبر آلاف المعاملات في الثانية الواحدة، كما تسهم في تطوير حلول التكنولوجيا المالية لتمكين الأفراد والشركات من الانخراط في الاقتصاد العالمي عبر حلول دفع مبتكرة تضمن الأمان والمرونة وسهولة الوصول، مما يدعم التنمية الاقتصادية الشاملة في الأسواق الناشئة والواعدة ويعزز الكفاءة التشغيلية للمؤسسات المالية الكبرى والشركات الصغيرة على حد سواء.
ويلفت إلى أن اتفاقية “فيزا” تأتي ضمن سلسلة تحركات لربط سوريا بالمنظومة التقنية العالمية، إذ شهد شهر شباط الماضي نشاطاً مكثفاً بدأ بتوقيع اتفاقية مشروع “سيلك لينك” مع مجموعة “STC” السعودية، باستثمار قيمته مليار دولار لربط القارات رقمياً عبر الأراضي السورية من خلال مد 4500 كيلومتر من الكابلات وإنشاء 65 مركز بيانات، كما تم توقيع مذكرة تعاون مع شركة “ماستركارد” الدولية، لتطوير منظومة المدفوعات والشمول المالي.
الفرص الحقيقية والتحديات المقابلة
يؤكد الإبراهيم على أربعة محاور أساسية يجب التركيز عليها لما فيها من فرصة حقيقية، والمحور الأول هو البنية التحتية للمدفوعات إذ أن هناك فرصة لتطوير شبكة نقاط البيع (POS)، وبوابات الدفع الإلكتروني، وأنظمة المقاصة، بما يُتيح تداولاً رقمياً يُقلل الاعتماد على الكاش، إلا أن هناك مشكلة حيث تحتاج سوريا إلى ما يقدّر بـ “150,000-200,000 نقطة بيع” موزعة على المحافظات لتغطية الحد الأدنى من الاحتياج التجاري، فضلاً عن استقرار التيار الكهربائي والاتصالات الذي لا يزال متقطعاً في مناطق واسعة، فالتاجر مستعد لنقطة بيع، لكن كيف يعمل تنقطع الكهرباء 12 ساعة يومياً؟ فالزبون يدفع كاش لأنه الأضمن.
أما المحور الثاني فهو الشمول المالي، وهناك فرصة في ضم ملايين السوريين المُقصَين من المنظومة المصرفية – لأسباب جغرافية أو اجتماعية أو اقتصادية – إلى الدورة المالية الرسمية، مما يُقلل التهرب الضريبي ويُعزز قاعدة البيانات الاقتصادية، ولكن في الوقت نفسه الشمول المالي لا يبدأ بتطبيق، بل “بثقة” وبعد سنوات من سياسات تقييد الودائع وضبابية القرارات المصرفية، أصبح كثير من السوريين يُفضلون إخفاء أموالهم نقداً، فالمواطن الذي وضع مدخراته بالمصرف ولم يقدر على سحبها عند الحاجة ، كيف يمكن أن يضع أمواله مرة ثانية؟ ووفق تقديرات خبراء اقتصاديين، يُحتفظ بما يتراوح بين “3-5 مليارات دولار” خارج المنظومة المصرفية السورية في السوق غير الرسمية، إضافة إلى أن نسبة كبيرة من السوريين لا تتعامل مع البنوك أصلاً، إما لضعف الثقة أو لعدم وجود فروع مصرفية في مناطقهم، والتحول الرقمي قد يزيد الفجوة بين من يمتلكون القدرة على استخدام التكنولوجيا ومن لا يمتلكونها.
وفي المحور الثالث هناك فرصة لقطاع التكنولوجيا المالية وهو الأكثر إثارة للاهتمام، حيث يُعدّ قطاع الـ FinTech عالمياً الأسرع نمواً في القطاع المالي، إذ وصل حجم استثماراته العالمية إلى أكثر من “150 مليار دولار” وسوريا تملك مادتها الخام “كفاءات تقنية” هاجرت وتمتلك خبرات في الخارج، و”سوقاً بكراً” لم تُستثمر إمكاناته، ولو استقرت بيئة الأعمال ووُجدت تشريعات واضحة، هناك مئات من رجال الأعمال السوريين في الخليج مستعدون للعودة برأس مالهم وتجربتهم، إلا أن التحدي أن الـ FinTech يحتاج ثلاثة عناصر لا تقبل التفاوض وهي: تشريعات واضحة، بنية رقمية موثوقة، وانفتاح على الشبكة المالية الدولية، والثلاثة معاً ما زالوا في طور البناء.
ويختم الإبراهيم في المحور الرابع وهو بيئة الاستثمار الرقمي حيث يرى الفرصة في توقيع مع Visa يُعادل في دلالته الرمزية والعملية إشارة للمستثمرين بأن سوريا “دخلت الخريطة” كوجهة استثمارية محتملة في الاقتصاد الرقمي، ولكن التحدي هو أن الاستثمار الأجنبي يتطلب قبل أي شيء “القدرة على إخراج الأرباح بحرية” وما دامت قيود الصرف الأجنبي وتقييد التحويلات المالية قائمةً، يظل الاستثمار الأجنبي حبيس الإعلانات والنوايا، فهل ستنجح سوريا في استثمار هذه الفرصة لتحقيق قفزة نوعية في الاقتصاد الرقمي، أم ستبقى الاتفاقية مجرد حبر على ورق في انتظار ظروف أكثر ملاءمة؟
صوت رواد الأعمال: بين التفاؤل والحذر
وخلال حديث لـ”963+” مع عدد من رواد الأعمال في قطاع التكنولوجيا السوري، فكانت الصورة متباينة:
المهندس علي القيم، رئيس إحدى شركات التكنولوجيا المالية الناشئة في دمشق، يرى في هذه الخطوة “نافذة أمل” لرواد الأعمال، ويقول لـ”963+”: “كنا نعاني من غياب منظومة مدفوعات رقمية متكاملة تسمح لنا بتوسيع أعمالنا. اليوم، هناك أمل في أن نتمكن قريباً من إطلاق منتجات مالية مبتكرة، وتقديم حلول دفع متطورة، والتوسع في التجارة الإلكترونية، فقطاع التكنولوجيا المالية عالمياً يشهد نمواً متسارعاً، وأي تطور في هذا المجال محلياً سيفتح آفاقاً جديدة أمام الشركات الناشئة، وقد يجذب استثمارات إقليمية في المستقبل”.
خالد النجار، مؤسس شركة ناشئة في مجال حلول الدفع بدمشق يقول: هذه الخطوة تُبدّل الخطاب، قبلها كنا نشرح للمستثمر لماذا سوريا، الآن نشرح كيف نبني، الفارق كبير نفسياً وعملياً، وجود شريك عالمي بحجم فيزا سيعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب في السوق السورية، وقد نشهد خلال الفترة القادمة دخول صناديق استثمار إقليمية مهتمة بقطاع التكنولوجيا المالية، وهذا سيخلق فرص عمل ويحفز الابتكار، ولكن هذا يحتاج إلى تسهيل إجراءات تأسيس الشركات، وتوفير بيئة تشريعية مستقرة، وتقديم حوافض للشركات الناشئة في هذا المجال”.
بينما تقول لينا السعيد، مطورة تطبيقات مالية: “قد نكون بحاجة أولاً إلى بناء نظام مدفوعات محلي قوي، وتعزيز الثقة بالخدمات الرقمية، ثم التفكير في الشراكات الدولية، فالشراكة مع فيزا اليوم قد تكون سابقة لأوانها إذا لم تكن البنية التحتية والبيئة التشريعية جاهزة لاستيعابها والمشكلة الحقيقية ليست التوقيع، بل ما بعده، نحتاج sandbox تنظيمي يسمح للشركات الناشئة بالتجريب قبل التراخيص الكاملة، كما فعلت الأردن ومصر”.
ويشير عبدالرحمن حداد، صاحب متجر إلكتروني إلى أنه “أبيع عبر الإنترنت، لكن الدفع يتم بالتحويل المصرفي اليدوي أو الكاش عند التسليم، فيزا ستغير حياتي لو تجسّدت على أرض الواقع، لكن أنتظر وأرى”.
المواطن بين الواقع والطموح
في جولة ميدانية على عدد من المواطنين في دمشق، تباينت الآراء حول هذه الخطوة. ويقول جمال الحسين، صاحب محل تجاري في سوق الحميدية، لـ”963+”: “بالنسبة لنا، الموضوع ما زال نظرياً، نحن نتعامل بالكاش منذ سنوات، ومازلنا لا نستطيع استخدام البطاقات البنكية في معظم المحال. نتمنى أن تترجم هذه الاتفاقية إلى واقع نلمسه في حياتنا اليومية”.
أما رنا الموصللي، وهي موظفة في الثلاثينيات من عمرها، فترى في الخطوة تطوراً إيجابياً: “أنا أتسوق أونلاين من متاجر محلية، وأعاني دائماً من مشكلة الدفع، غالباً ما أضطر لتحويل المبلغ بشكل يدوي أو الدفع عند الاستلام، لو أصبح لدينا نظام دفع إلكتروني آمن وسلس، سيشجعني ذلك على التسوق أكثر ويدعم المتاجر المحلية”.
ويقول سمير علوش موظف مصرفي: لا يمكن الحديث عن مدفوعات رقمية بدون شبكات إنترنت سريعة ومستقرة، يجب أن تتزامن هذه الاتفاقية مع خطة وطنية لتطوير قطاع الاتصالات وتوسيع التغطية وزيادة السرعات.
تجارب إقليمية – ماذا نتعلم من الجيران؟
لا يمكن قراءة الاتفاقية السورية-Visa بمعزل عن تجارب المنطقة، هكذا يرى خبير التقانة والمعلومات الدكتور منذر حيدر في تصريحات لـ”٩٦٣+” فقد أطلقت مصر مبكراً “المجلس القومي للمدفوعات” في 2017، وفرضت رقمنة كاملة للمستحقات الحكومية، ونتيجة لذلك ارتفعت نسبة المدفوعات الإلكترونية إلى 56% عام 2025 مقارنة بـ 3% قبلها، وأطلاق استراتيجية وطنية للمدفوعات الرقمية عام 2019، والتجربة المصرية تظهر أهمية الدور الحكومي في فرض بيئة إلزامية للمواكبة، إلى جانب دعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية عبر حوافز ضريبية وتشريعات مرنة، أما الأردن فقد أطلق البنك المركزي مبادرة “JoMoPay” للمدفوعات عبر الهاتف المحمول، ما سمح بزيادة مستخدمي المحافظ الإلكترونية إلى 3.8 ملايين مستخدم خلال خمس سنوات، رغم صغر السوق.
ويضيف: هذه التجربة تعزز فكرة أن البنية القانونية والتوجه المركزي يمكن أن يسبق النضج التكنولوجي، ويهيّئ السوق تدريجياً للتحول، كما أسست “FinTech sandbox” عام 2020 مما سمح لأكثر من 40 شركة ناشئة بالتجريب، وجذب استثمارات بأكثر من 300 مليون دولار في خمس سنوات، وفي العراق الذي بدأ من نقطة مشابهة لسوريا، وأطلق عام 2021 منظومة دفع وطنية، ووصل اليوم إلى 15 مليون محفظة رقمية نشطة، وعلى النقيض، ما زالت سورية تفتقر إلى تشريعات حديثة في مجالات المعاملات الإلكترونية، حماية البيانات، والتوقيع الرقمي.
كما أن غياب الثقة بين المواطن والمصرف، بحسب حيدر، يشكل حاجزاً صلباً أمام أي مشروع رقمي، والدرس المشترك من هذه التجارب، أن النجاح لم يأتِ من التوقيع مع الشركات الكبرى، بل من الإرادة السياسية في إصلاح الإطار التشريعي والرقابي، فالتوقيع نقطة انطلاق والإصلاح هو المحرك، ونجاح الاتفاقية مشروط بتحولات موازية على ثلاثة مستويات: فعلى المستوى التشريعي، إصدار قانون حديث للمعاملات الإلكترونية، وإطار تنظيمي للـ FinTech يُحدد الصلاحيات والمسؤوليات، وقوانين حماية بيانات المستخدم تُوافق المعايير الدولية، وعلى المستوى المصرفي، يجب رفع تدريجي لقيود السحب لاستعادة ثقة المودع، وتحديث أنظمة المقاصة البنكية (Core Banking Systems)، والسماح للبنوك بالانفتاح على شبكات الدفع الدولية، أما على المستوى التقني، فهناك ضرورة لاستقرار شبكة الاتصالات وزيادة سرعة الإنترنت، وبنية تحتية للأمن السيبراني، وتعميم التوقيع الرقمي والهوية الرقمية.
ويوضح حيدر أن ما يميز هذه التجارب هو وجود إرادة سياسية قوية للتحول الرقمي، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتشريعات مرنة تشجع الابتكار وتجذب الاستثمارات، وسوريا بحاجة إلى تبني نموذج مماثل، لكن وفق إمكانياتها وظروفها.
ويختم حيدر بأن مذكرة التعاون مع Visa ليست سحراً يُحوّل الاقتصاد السوري بين ليلة وضحاها، لكنها ليست مجرد حبر على ورق أيضاً، إنها “رهان مزدوج”، رهان Visa على أن سوريا تسير فعلاً نحو الانفتاح الاقتصادي، ورهان سوريا على أن شركة بحجم Visa ستُسهم في تسريع هذا الانفتاح، وما يُحدد نتيجة هذا الرهان ليس التوقيع، بل ما يأتي بعده: هل ستُصاحبه إصلاحات مصرفية حقيقية؟ هل ستُعدّل السياسات النقدية؟ هل ستُسنّ تشريعات رقمية عصرية؟ الجواب لن تُعطيه Visa، بل سيُعطيه صاحب المحل الذي سيقبل أول دفعة إلكترونية بثقة، والمودع الذي سيسحب أمواله دون قيود، والمستثمر الذي سيُحوّل أرباحه بحرية، وحتى ذلك الحين، الاتفاقية بوابة، لكن البوابة لا تعني شيئاً إن ظلّ الطريق وراءها غير مُعبَّد.










