أثار إعلان حاكم مصرف سورية المركزي عن احتياطي ضخم من الذهب يقدر بـ26 طناً جدلاً واسعاً حول قدرته على دعم الليرة في ظل تقلب أسعار الصرف، خاصة مع تسجيل أسعار الذهب العالمية مستويات قياسية، بينما تشير بيانات سابقة إلى أن احتياطي البلاد من الذهب كان 25.8 طناً في 2011. وفي الوقت الذي يُعاد فيه ربط قيمة الليرة بالمعدن الأصفر، يرى خبراء الاقتصاد أن قوة العملة لا تُحدد بقيمة الاحتياطي الذهبي، بل بقدرتها على شراء السلع والخدمات وتعزيز الثقة المؤسسية والاقتصاد الفعلي، ما يضع تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان “الغطاء الذهبي” وحده كافياً لحماية الليرة أم أن الاقتصاد يحتاج إلى أدوات أكثر عمقاً لدعم العملة.
ماذا يعني الاحتياطي الذهبي أصلاً؟
الذهب عامل دعم طويل الأجل، لكنه ليس أداة يومية لضبط سعر الصرف، والبنوك المركزية تحتفظ بجزء من أصولها على شكل ذهب كضمانة استراتيجية طويلة الأجل. تاريخياً، كان نظام الغطاء الذهبي يربط قيمة العملة مباشرة بالذهب، لكن هذا النظام انتهى فعليًا منذ سبعينيات القرن الماضي بعد قرار الرئيس الأميركي نيكسون بفك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971، ما أنهى عمليًا اتفاقية Bretton Woods Agreement.
اليوم، كما يقول الخبير الاقتصادي الدكتور عدنان السراج في تصريحات لـ”963+” لا تعتمد أي دولة كبرى نظام الغطاء الكامل للكتلة النقدية بالذهب، حتى الاقتصادات الصاعدة تحتفظ بالذهب كجزء من احتياطياتها، لكن سعر الصرف يتحدد وفق معادلات أوسع بكثير، وعندما يرتفع سعر الذهب عالمياً، كما يحدث عادة في أوقات التوترات الجيوسياسية أو التضخم العالمي، ترتفع القيمة الدفترية للاحتياطي الذهبي المقوّم بالعملات المحلية، بمعنى آخر: إذا كان لدى البنك المركزي كمية ثابتة من الذهب، فإن قيمتها ترتفع تلقائياً عند احتسابها بالليرة في حال صعود السعر العالمي، لكن هنا المفارقة، فارتفاع قيمة الاحتياطي على الورق لا يعني بالضرورة تحسناً في القدرة الفعلية على التدخل في السوق، والسبب بسيط وهو أن الذهب أصل غير سائل مقارنة بالعملات الأجنبية، وتسييله يحتاج إلى قنوات مالية وعلاقات مصرفية دولية، وأي عملية بيع واسعة قد ترسل إشارات سلبية للأسواق.
يشير السراج إلى أن ارتفاع قيمة الذهب لا يغير سلوك السوق ما لم يُترجم إلى سيولة فعلية، خاصة في ظل طلب مرتفع على الدولار، حيث يعتمد سعر الصرف على الاحتياطي من العملات الأجنبية، وثقة المستثمرين في السياسات النقدية والاستقرار الاقتصادي، بالإضافة إلى ميزان المدفوعات وعجز الصادرات مقابل الاستيراد. وفي الوقت نفسه، زيادة الكتلة النقدية دون نمو الإنتاج تؤدي للتضخم وضغط على الليرة، ما يوضح أن سعر الصرف يتحدد بتدفقات العملات الأجنبية والعرض والطلب الفعليين أكثر من قيمة الأصول المخزنة.
ويختم السراج بالقول: إن الحديث عن تغطية الكتلة النقدية بالكامل بالذهب قد يبدو مطمئناً نظرياً، لكنه في الواقع الحديث أقرب إلى خطاب معنوي منه إلى سياسة نقدية عملية، وفي الاقتصاد السوري تحديداً، استقرار الليرة يتطلب تعزيز الاحتياطي القابل للاستخدام من العملات الأجنبية وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وتنشيط الصادرات والإنتاج وضبط الكتلة النقدية وسياسة نقدية شفافة وقابلة للتنبؤ، فالذهب عنصر قوة، نعم ولكن في نهاية المطاف، قيمة العملة ليست فقط ما تملكه الدولة من أصول، بل ما يثق به الناس والأسواق حول قدرتها على إدارة اقتصادها، وارتفاع احتياطي الذهب قد يحسن صورة الميزانية ولكنه لا يوقف نزيف سعر الصرف ما لم تُعالَج الجذور الحقيقية للأزمة النقدية، وهي دعوة لحوار وطني جاد حول مستقبل العملة الوطنية.
لغة الأرقام.. الذهب في الخزنة مجرد رقم في ميزانية، لا قيمة له!!
في ظل الجدل المتصاعد حول قوة الليرة السورية وقدرتها الشرائية، يطرح سؤال محوري: هل يشكل احتياطي الذهب البالغ 26 طناً في المصرف المركزي تغطية حقيقية للكتلة النقدية المتداولة البالغة 42 تريليون ليرة؟
الحسابات الرياضية البسيطة كما يقول الخبير الاقتصادي هلال منصور في تصريحات لـ”963+” تقول “نعم”، لكن المنطق الاقتصادي يصرخ “لا”، فالحسابات الورقية: تغطية 100% على الورق فقط.
وبحسابات بسيطة: احتياطي الذهب 26 طناً = 26,000 كيلوغرام = 835,755 أونصة تقريباً، وسعر الأونصة الحالي يتجاوز 5,000 دولار أمريكي فالقيمة الإجمالية للاحتياطي: نحو 4.18 مليار دولار، وبسعر صرف 10,000 ليرة للدولار (كمتوسط) إذاً قيمة الاحتياطي بالليرة السورية حوالي 41.8 تريليون ليرة وبالتالي رياضياً، التغطية تقارب 100% ولكن هذا حيث تنتهي الحقيقة الرياضية، وتبدأ الحقيقة الاقتصادية، فهناك أسباب تكشف وهم التغطية، فالذهب المجمّد ليس ذهباً متداولاً، والتغطية الحقيقية تتطلب قابلية التحويل الفوري، والذهب المحتجز في خزائن المركزي لا يختلف اقتصادياً عن الذهب المدفون تحت الأرض – كلاهما غير متاح للسوق، والواقع أن 26 طناً من الذهب لا تضيف غراماً واحداً إلى العرض الفعلي في السوق، ولا تؤثر على القوة الشرائية اليومية للمواطن، وبنفس المنطق الذي يعتبر احتياطي المركزي تغطية، يمكن اعتبار ذهب الأسر السورية (المقدر بعشرات الأطنان) وكذلك العقارات المملوكة للمواطنين والسيارات والأصول الأخرى كلها “تغطية” للعملة! وهذا المنطق يقودنا إلى عبثية اقتصادية، فالتغطية تعني السيولة والقابلية للتحويل الفوري، لا مجرد وجود أصول ذات قيمة، والتغطية تبدأ عند نقطة البيع، والقاعدة الاقتصادية الصارمة: “الذهب يصبح تغطية فعلية عندما يُعرض للبيع في السوق فقط”.
ويرى منصور يرى بعض الخبراء أن احتياطي المصرف المركزي من الذهب البالغ 26 طناً، سواء المخزّن في الخزائن أو الموجود في منازل المواطنين، لا يمثل تغطية فعلية لليرة، بينما الذهب المعروض للبيع في واجهات الصاغة فقط يشكل تغطية حقيقية. وفي الاقتصاد السوري الحالي، دمرت سياسات دعم الاستيراد الإنتاج المحلي والتغطية السلعية، ما يجعل معظم ما يشتريه المواطن مستورداً بالعملة الصعبة، وبالتالي تبقى الليرة ضعيفة حتى لو بلغ الاحتياطي 100 طناً، أو الكتلة النقدية 42 تريليون ليرة. ويشير الواقع إلى أن القوة الحقيقية للعملة تأتي من الإنتاج المحلي وثقة المستثمرين واستقرار المؤسسات، بينما الذهب في الخزينة مجرد رقم إذا لم يُترجم إلى سياسات تحمي المواطنين، لا سيما مع تجميد الودائع المصرفية وعجز المصارف عن إعادة الأموال، ما يوضح أن المشكلة ليست في كمية الذهب بل في غياب استراتيجية اقتصادية شاملة تجمع بين الإنتاج والتصدير والثقة المؤسسية.
لماذا فشل الذهب في لجم التضخم بالسوق المحلية؟
تكمن الإجابة في ثلاثة عوامل يفتقدها الواقع السوري حالياً، بحسب الباحثة الاقتصادية مريم الحسيني في تصريحات لـ”963+” أولها غياب السيولة الأجنبية (العملة الصعبة)، فالذهب “ضمانة نفسية” لا “حل تقني” وهو مخزن قيمة طويل الأمد، لكن استقرار الليرة اليومي يحتاج إلى “دولارات” تتدفق في الشرايين التجارية لتغطية المستوردات، والذهب لا يشتري القمح والنفط من الأسواق الدولية بسهولة وسرعة العملات الصعبة، ثم “عجز الميزان التجاري” فطالما أن سوريا تستورد أكثر مما تصدر، سيظل الطلب على العملة الأجنبية مرتفعاً، مما يضغط على الليرة بغض النظر عن كمية الذهب في القبو، وأخيراً “أزمة الثقة والسياسة النقدية” فالمستثمر والتاجر السوري لا ينظر إلى حجم الذهب بقدر ما ينظر إلى قدرة البنك المركزي على التدخل، واستقرار القوانين، وتوافر بيئة إنتاجية آمنة، فالذهب يمثل “خط الدفاع الأخير” للدول، لكنه ليس أداة تدخل يومية، وارتفاع احتياطي الذهب قد يحسن صورة الميزانية ولكنه لا يوقف نزيف سعر الصرف ما لم تُعالَج الجذور الحقيقية للأزمة النقدية.
وهي كما تقول الحسيني إن الحديث عن تغطية الكتلة النقدية بالذهب في ظل غياب الإنتاج الحقيقي يشبه من يملك عقاراً ثميناً لكنه لا يملك ثمن طعامه اليومي، فالذهب السوري هو رصيد استراتيجي للأجيال، لكن انتشال الليرة من عثرتها يتطلب تحفيز العملية الإنتاجية لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وجذب تحويلات المغتربين عبر قنوات رسمية مرنة، وبناء احتياطي من العملات الأجنبية السائلة والقابلة للتداول الفوري، وإعادة النظر الجذرية في سياسة تجميد الودائع، وإعلان خطة طوارئ لإطلاق الإنتاج المحلي وتحقيق التغطية السلعية، مع شفافية كاملة في نشر أرقام الاحتياطيات والسيولة، واستراتيجية ثقة تعيد اعتبار المصرف المركزي كحامي للعملة وليس حارساً على ودائع المواطنين، إضافة إلى إصلاح هيكلي يربط قوة الليرة بالإنتاج لا بالمعادن المكدسة.
وتختم الحسيني بالقول: سيبقى بريق الذهب خافتاً في عيون السوريين طالما أن “فجوة الثقة” الاقتصادية لم تُردم بعد بقرارات نقدية تلامس واقع الإنتاج والأسواق.










