في أروقة معرض الكتاب بدمشق، مرّ إعلان وزارة الأوقاف عن مسابقة ثقافية بجوائز بالدولار الأميركي كخبرٍ عابر، لم يلتفت إليه كثيرون. غير أن هذه “التفصيلة التقنية” سرعان ما أثارت نقاشاً واسعاً بين الاقتصاديين والمتابعين.
ويرى بعضهم أنه منذ سنوات، بات الدولار حاضراً بقوة في تفاصيل الحياة الاقتصادية السورية، من إيجارات وعقارات وسيارات، بل وحتى خدمات تعليمية وطبية، لكن الجديد هذه المرة ليس استخدام الدولار بحد ذاته، بل صدوره عن مؤسسة حكومية سيادية، يفترض بها أن تكون في طليعة من يدافع عن العملة الوطنية.
ومنهم من يرى أن ما قامت به وزارة الأوقاف ليس مجرد تفصيل إداري، بل مؤشّر على انتقال الدولة من مرحلة الدفاع عن الليرة إلى مرحلة التعايش مع تراجعها.
فهل صار التعامل بالدولار أمراً واقعاً حتى في مؤسسات الدولة؟ وماذا يعني ذلك لعملة البلاد ولسيادتها النقدية في لحظةٍ تعيش فيها الليرة السورية واحدة من أضعف مراحلها؟
حين تُسعِّر مؤسسة حكومية جوائزها بالدولار، ماهي الرسالة؟!
قد يبدو تسعير الجوائز بالدولار قراراً عملياً، يهدف إلى الحفاظ على قيمة الجائزة في ظل انهيار الليرة. فحين تتبدل أسعار الصرف يومياً، يصبح الدولار مرجعاً أكثر استقراراً. لكن خلف هذا المنطق الاقتصادي البحت، تلوح دلالة رمزية أعمق: إنها إقرار ضمني بفقدان الثقة بالعملة الوطنية، حتى من داخل مؤسسات الدولة نفسها.
يقول الخبير الاقتصادي حسن الحاج في تصريحات لـ”٩٦٣+” في الظاهر، المسألة إجراء عملي، فالليرة السورية تفقد قيمتها باستمرار، وأي جائزة محددة بها قد تصبح بلا معنى خلال أيام. لكن في العمق، ما جرى هو “تحوّل رمزي”، باعتراف مؤسسات الدولة نفسها بأن الليرة لم تعد قادرة على أداء وظيفتها كـ”مخزن للثقة” أو “مؤشر للقيمة”، وهما جوهر أي عملة وطنية.
ويضيف: “الثقة ليست بنداً في الموازنة، إنها تراكم معنوي، ينشأ من إحساس الناس بأن مؤسساتهم ما زالت تمسك بخيوط اللعبة النقدية، وحين تفقد الحكومة هذا الإحساس، يصبح التعامل بالدولار ليس خياراً اقتصادياً، بل ملاذاً نفسياً—بحثاً عن يقين مفقود”.
ويتابع الحاج إن استخدام الدولار من قبل مؤسسة ذات طابع ديني وثقافي، لا تجارية، يضاعف المفارقة، فالمفترض أن الأوقاف، رمز الاستمرار والثبات، تعلن جوائزها بلغتها الوطنية، انطلاقاً من ثقةٍ رساليةٍ بمعنى السيادة، لكن الرسالة التي وصلت للمجتمع مختلفة تماماً: “السيادة اليوم لا تُقاس بالشعارات، بل بقوة العملة في جيب المواطن”.
وبالتالي، بحسب الخبير الاقتصادي، “لم تعد المسألة اقتصادية فحسب، بل سياسية أيضاً، فكلما تسعّرت أنشطة الدولة بالدولار، تقلّص حضور الليرة في الوعي العام، وتحوّل الاقتصاد تدريجياً إلى نظام متعدد المرجعيات. عندها يصبح الحفاظ على السيادة النقدية أقرب إلى معركة رمزية ضد منطق السوق، وهي معركة لا تُكسب بالقوانين، بل بإعادة بناء الثقة من جذورها”.
ويختم الحاج بالقول إن إعلان وزارة الأوقاف عن جوائزها بالدولار ليس مجرد قرار إداري عابر، بل هو موقف له أبعاد رمزية واقتصادية، إنه يعكس استسلاماً لواقع مرير بدلاً من محاولة تغييره، ويساهم في تعميق أزمة الثقة بالعملة الوطنية بدلاً من معالجتها.










