تشهد العلاقات الأميركية ـ العراقية تحوّلات جديدة ومتسارعة في سياق التعيين المرتقب للمبعوث الأميركي الخاص للشأن العراقي، في خطوة أثارت اهتمام المراقبين والمتابعين للشأن الإقليمي. فبعد أن كان مارك سافايا يشغل منصب المبعوث الأميركي الخاص للعراق منذ أكتوبر الماضي، أفادت عدة مصادر دولية بأن سافايا لم يعد يشغل هذا المنصب، وذلك في إطار جهود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإعادة ترتيب أولوياتها السياسية في بغداد والمنطقة.
وتتضارب الروايات بشأن تفاصيل الإعفاء، إذ نفى سافايا نفسه صحة أنباء إقالته، مؤكداً أنه يواصل ممارسة مهامه بشكل طبيعي، بينما نقلت وكالات أنباء دولية تأكيدات من مصادر مطلعة بأن الرئيس الأميركي قرر بالفعل إنهاء ولايته في هذا المنصب، وسط تكهنات بأن ذلك يعود إلى تقييمات حول أدائه وإدارته للملف العراقي.
وأفاد تقرير آخر بأن توم باراك، الذي يشغل حالياً منصب السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، الأقرب لتولي ملف العراق بدلاً من سافايا، في خطوة يُنظر إليها على أنها إعادة رسم لاستراتيجية واشنطن في التعامل مع بغداد.
وفي هذا السياق نقلت مصادر عراقية رسمية تأكيداً من وزارة الخارجية العراقية بأن باراك بدأ بالفعل التواصل مع المسؤولين العراقيين بصفته الممثل الأميركي الجديد المعني بالشأن العراقي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتفاعل فيه التوترات السياسية والأمنية داخل العراق مع الديناميات الإقليمية، لا سيما في ظل استمرار النفوذ الإيراني وتنافس القوى المحلية على النفوذ.
وتثير الأنباء الحالية ردود فعل متفاوتة داخل الأوساط العراقية، بين من يرى في التعيين فرصة لإعادة صياغة العلاقات مع واشنطن، وبين من يخشى أن لا يكون التغيير سوى تعديل تكتيكي وليس تحولاً استراتيجياً في السياسة الأميركية تجاه العراق.
كما أن مشاركة باراك في قضايا إقليمية أخرى، مثل ما يجري في سوريا، حيث كان له حضور بارز في المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية قد يعطي مؤشراً عن الدور المتوقع أن يلعبه في بغداد، وهو ما يجعله شخصية محورية في رسم خارطة العلاقات الأميركية–العراقية في المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضاً: حسابات واشنطن وطهران: كيف يُعاد رسم المشهد السياسي العراقي؟
تعديل الأسلوب الجوهر
يقول الدكتور عزيز رحيم، أستاذ العلوم السياسية، لـ”963+”، إن من لا يملك الخبرة السياسية الكافية واللازمة لا يستطيع إدارة ملف معقّد ومتشابك مثل الملف العراقي.
ويضيف أن هذا الخلل كان واضحاً في تعيين المبعوث السابق، معتبراً أن ما حصل كان خطأً تكتيكياً واستراتيجياً من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عندما تم اختيار شخصية لا تمتلك الخبرة السياسية المطلوبة لإدارة ملف بحجم العراق وتعقيداته الإقليمية والداخلية.
ويشير رحيم إلى أن هذا الإخفاق هو ما أدى إلى استبدال المبعوث السابق، موضحاً أن توم باراك سيأتي ليكون بديلاً له، ويرى أنه سيكون أكثر كياسةً وجديةً في التعامل مع الملف العراقي، وأكثر خبرةً ومرونةً مقارنةً بسلفه، الذي أتى، بحسب وصفه، بصيغة “المتحدي”، وحاول أن يؤسس لعلاقات على قاعدة المصالح، لكنه أخفق في ذلك.
لذلك، يعتقد رحيم أن الرسائل الأميركية الجديدة ليست مختلفةً جوهرياً عن الرسائل السابقة، بل هي ذاتها ولكن بأسلوب وأدوات مختلفة.
ويتابع أن تعيين توم باراك لا يحمل رسائل جديدة تجاه العراق، وإنما جاء نتيجةً مباشرةً لإخفاق المبعوث السابق، ويعيد التأكيد على أن الخطأ الأساسي كان في سوء التقدير الأميركي عند اختيار شخصية غير مؤهلة سياسياً.
ويضيف أن باراك سيكون أكثر مرونةً في إدارة العلاقات، وأكثر قدرةً على التعامل مع التعقيدات العراقية مقارنةً بسلفه، مشدداً على أن جوهر السياسة الأميركية لم يتغير، وإنما تغيّرت طريقة الأداء.
وفي ما يتعلق بالنفوذ الإقليمي، يوضح رحيم أن العراق يشهد نفوذاً إقليمياً متعدّد الأشكال، فهناك نفوذ عربي من بعض دول الخليج، ونفوذ تركي، إلا أن النفوذ الأبرز والأكثر تأثيراً يبقى النفوذ الإيراني.
ويعتقد أن الولايات المتحدة غير قادرة على إنهاء النفوذ الإيراني داخل العراق، بل إن النفوذين الأميركي والإيراني يتنافسان داخل الساحة العراقية، وأحياناً يتوصلان إلى تفاهمات ضمنية من دون مواجهة مباشرة، ما يسمح بمرور الأمور ضمن توازنات غير معلنة.
ويرى رحيم أن أياً من الطرفين لا يمتلك تفوقاً مطلقاً؛ فلا النفوذ الأميركي أقوى من الإيراني، ولا النفوذ الإيراني قادر على إقصاء النفوذ الأميركي، معتبراً أن العلاقة بين الطرفين تقوم على معادلة توازن تتغير من فترة إلى أخرى، وفقاً لمصالح كل منهما داخل العراق.
ويلفت إلى أن من مصلحة الولايات المتحدة ألّا يتحول العراق إلى ساحة صراع مفتوح، بل تسعى واشنطن، بحسب رأيه، إلى تحقيق قدر من الاستقرار، مع محاولة استمالة السياسيين العراقيين باتجاهها لضمان مصالحها. ومع ذلك، يشير إلى أن التوازن الإيراني ـ الأميركي لا يزال قائماً، وأن النفوذ داخل العراق تتقاسمه إيران والولايات المتحدة، إلى جانب قوى إقليمية أخرى.
ويعتقد رحيم أن تغيير المبعوث الأميركي سيكون له تأثير داخل العراق، حيث ستتعامل الكتل والقوى السياسية مع المبعوث الجديد على أساس أنه قد يأتي بأفكار مختلفة، مستفيداً من أخطاء سلفه. لكنه يتساءل في الوقت ذاته عمّا إذا كان نهجه سيكون مختلفاً فعلياً، مشيراً إلى أنه سيبقى في النهاية ممثلاً لسياسة ترامب، وإن كان بأسلوب أكثر مرونةً.
ويؤكد أن السياسيين العراقيين لن يرضخوا لسياسات الإملاء والضغط المباشر، موضحاً أنهم قد يراعون المصالح الأميركية في العراق، ولكن من دون انصياع كامل أو قبول بالأوامر والقرارات المفروضة. ويضيف أن أي ضغوط أو تهديدات مباشرة ستقابل برفض، لأن التجربة أثبتت محدودية هذا الأسلوب.
ويرى رحيم أن السياسيين العراقيين لديهم خبرة طويلة في التعامل مع السياسة الأميركية، إلا أن المستجد، بحسب تعبيره؛ هو أسلوب ترامب، الذي يصفه بالاستعلائي والبلطجي، وهو أسلوب يختلف عن نهج الرؤساء الأميركيين السابقين.
ويعتقد أن هذا النهج لن يدفع السياسيين العراقيين إلى الانصياع الكامل، إلا في حالة واحدة، وهي حصول توافق أو اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.
ويعزو ذلك إلى أن أي اتفاق أميركي ـ إيراني سينعكس مرونةً داخل العراق، بينما أي مواجهة بين الطرفين ستنعكس سلباً على الداخل العراقي، وتحوّل الساحة العراقية إلى ساحة صراع إضافية.
اقرأ أيضاً: طهران تلوّح بوكلائها: “حزب الله” رأس حربة معركة عضّ الأصابع
احتواء التوتر بمرونة!
يقول صباح زنكنة، رئيس مركز الخبراء للدراسات الاستراتيجية، لـ”963+”، إن تعيين توم باراك يحمل رسائل مزدوجة، أمنيةً تهدف إلى ضبط إيقاع التوتر، وسياسيةً تسعى إلى إعادة تفعيل النفوذ الأميركي عبر أدوات أكثر مرونةً وانخراط أوسع مع الفاعلين المحليين.
ويضيف زنكنة أن هذا التعيين لا يعكس تحوّلاً جذرياً في السياسة الأميركية، بقدر ما يشير إلى تعديل تكتيكي يراهن على إدارة الأزمات بدل فرض الحلول، وعلى احتواء التداعيات الإقليمية بدل التصعيد المباشر.
ويشير إلى أن واشنطن تميل إلى الجمع بين هدفين رئيسيين: ترتيب التوازنات الداخلية في العراق، واحتواء النفوذ الإقليمي المتصاعد.
ويعتبر أن المقاربة الجديدة تقوم على تفكيك بؤر التوتر سياسياً بدل المواجهة المباشرة، بما يضمن استمرار النفوذ الأميركي دون صدام مفتوح قد يربك المشهد العراقي.
ويرى زنكنة أن الدور الأميركي قد يسهم في تهدئة نسبية إذا التزم بدعم الاستقرار والسيادة وتغليب منطق الدولة والمؤسسات، لكنه يحذر من أن هذا الدور قد يحوّل العراق إلى ساحة صراع بالوكالة إذا استُخدم لفرض توازنات قسرية وإعادة إنتاج الاستقطاب السياسي. ويؤكد أن النتيجة تبقى مرهونةً بحدود التدخل واحترام القرار الوطني العراقي.
ويتابع أن ردود الفعل الداخلية ستتباين بين الحذر والانفتاح المشروط، إذ ستسعى القوى السياسية إلى استثمار الدور الأميركي ضمن حساباتها الداخلية، في حين ستتعامل الفصائل المسلحة معه بوصفه تهديداً محتملاً، ما يفرض معادلة ردع سياسي وأمني دقيقة لتفادي الانفجار.
ويختم زنكنة بالقول إن العراق يمتلك هامشاً سيادياً محدوداً، لكنه قابل للتعزيز عبر وحدة الموقف الوطني وبناء توافق داخلي صلب، معتبراً أن الاستفادة من الدور الأميركي تبقى مشروطةً بإدارة ذكية للعلاقات الإقليمية والدولية، بما يمنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات، ويكرّس منطق الدولة والمؤسسات.










