دمشق
قال وزير المالية السوري محمد يسر برنية، اليوم الأربعاء، إن بلاده تعمل على تهيئة الظروف لإطلاق أدوات دين محلية، في خطوة للتمهيد لدخول سوق السندات خلال النصف الثاني من عام 2026.
وأضاف الوزير، أن الخطة الحكومية تأتي ضمن جهود أوسع لإعادة بناء القطاع المالي والخروج التدريجي من الاقتصاد النقدي، وفق ما أفادت به قناة “سي إن إن”.
وأوضح برنية، أن التوجه الحالي يتركّز على إصدار أدوات دين في السوق المحلية وبالليرة السورية بهدف اختبار مدى تقبّل السوق لهذه الأدوات وقياس جاذبيتها للمستثمرين المحليين قبل التفكير بأي توسع إضافي، مؤكداً أن هذه الخطوة تأتي ضمن مسار تدريجي يهدف إلى خلق أدوات لتسعير الأصول المالية داخل السوق السورية وتعزيز البنية الأساسية للقطاع المالي.
وأشار وزير المالية إلى أن العودة إلى أسواق الدين الدولية ليست مطروحة في المرحلة الحالية، وأن أي توجه من هذا النوع يبقى مشروطاً بتحقيق مستويات مناسبة من الجدارة الائتمانية والتصنيف السيادي، مؤكداً أن الأولوية اليوم هي استعادة الثقة بالاقتصاد السوري والنظام المالي داخلياً ومع المجتمع الدولي عبر خطوات محسوبة وتراكمية.
وأضاف، أن هذا التوجه يأتي في وقت تسعى فيه دمشق إلى تطوير الإطار المالي والمصرفي بعد سنوات من الاعتماد الواسع على الاقتصاد النقدي، الذي حد من قدرة الدولة على إدارة السياسة المالية وقيد دور المصارف في تمويل النشاط الاقتصادي.
ورأى برنية، أن إصدار أدوات دين محلية يشكّل محطة في مسار إعادة بناء القطاع المالي، ليس فقط كأداة تمويل، بل كوسيلة لتنظيم السوق وتحسين الشفافية وإعادة وصل المصارف بدورها الطبيعي في الاقتصاد، مضيفاً أن الحكومة تفضّل التدرج في هذه الخطوات تفادياً لأي صدمات قد تؤثر في الاستقرار المالي.
واعتبر، أن موازنة عام 2026 تمثل موازنة “إعادة العافية” للاقتصاد السوري، موضحاً أن الدولة جاءت إلى هذه المرحلة من وضع “غير طبيعي”، حيث ارتفعت موارد الدولة من أقل من 4 مليارات دولار في 2023 إلى نحو 6 مليارات دولار اليوم، بعدما كانت قبل الأزمة تنفق نحو 12 مليار دولار سنوياً.
اقرأ أيضاً: الاقتصاد الحر الموجّه في سوريا: توصيف واقعي أم شعار فضفاض؟
وأكد أن هذا التحسّن لا يعني أن الدولة استعادت كامل قدرتها، بل بدأت تستعيد دورها الطبيعي تدريجياً من خلال تحسين الجباية وليس عبر فرض أعباء جديدة، بما يسمح لاحقاً بالاستثمار في الطرق والبنى التحتية والكهرباء ورفع الأجور.
وأشار وزير المالية إلى أن إعادة تمكين القطاع العام يتيح للدولة الإنفاق على الرواتب والمستشفيات والضمان الصحي، إضافة إلى استثمارات تُقدّر بنحو 700 مليون دولار في قطاعات مختلفة، وعلى رأسها الطرق والبنية التحتية، معتبراً أن عودة الدولة إلى حجمها الطبيعي شرط أساسي لأي تعافٍ اقتصادي، ومشدداً على أن الاقتصاد لا يمكن أن يعمل دون مؤسسات عامة قادرة على أداء وظائفها الأساسية.
وأقر برنية بأن التضخم يمثل تحدياً حقيقياً في سوريا على مستويين: ارتفاع الأسعار ووتيرة الارتفاع السنوية التي تقترب من 15% في اقتصاد هش، موضحاً أن جزءاً من التضخم مستورد نتيجة اعتماد سوريا على الاستيراد بنسبة نحو 95% من استهلاكها، ما يجعلها تتأثر مباشرة بالأسعار العالمية وتقلبات العملات، بينما هناك عوامل داخلية مثل سلوكيات التسعير غير المبررة والاحتكارات وضعف المنافسة، مؤكداً أن معالجة التضخم لا يمكن أن تتم من دون إصلاحات هيكلية أبرزها زيادة الإنتاج، إذ “لا شيء يوقف التضخم إذا لم نرفع العرض”.
وبخصوص ضبط الأسواق وحماية المستهلك، أشار برنية إلى تفعيل قانون المنافسة وحماية المستهلك، كاشفاً أن الجهات المعنية نفذت نحو 2000 زيارة تفتيشية على السوبرماركت والمطاحن والأفران ومحال الغذاء خلال العام الماضي، وأسفرت عن تنظيم نحو 6000 محضر ضبط.
وقال وزير المالية، إن الحكومة تحاول قدر الإمكان ضبط السوق، مع الإقرار بأن جزءاً من التضخم خارج عن السيطرة بسبب العوامل العالمية، فيما الجزء الآخر يخضع لمحاولات المعالجة عبر الرقابة والإصلاحات التشريعية.
وفيما يخص الاقتصاد النقدي والقطاع المصرفي، قال برنية إن نسبة كبيرة من الناتج المحلي ما زالت خارج النظام المصرفي، معتبراً أن معالجة هذا الواقع تبدأ بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وربط ذلك مباشرة بقانون الفجوة المالية الذي يرى فيه أداة أساسية لإعادة الثقة وتقليص الاعتماد على الكاش.
ولفت إلى أن القانون يهدف إلى إعادة الودائع ولا سيما الصغيرة منها، وإعادة هيكلة المصارف، وتعزيز المحاسبة، مشيراً إلى أن المودعين الكبار سيحصلون على وضوح بشأن مصير أموالهم من خلال أدوات مالية مدعومة بأصول في إطار مسار طويل الأمد.
وأكد برنية أن الحكومة منفتحة على أي تعديلات أو اقتراحات، وأن الأهم هو كسر حالة الجمود ووضع حل واضح على الطاولة بدل الاستمرار في إدارة الأزمة، معبّراً عن تفاؤله بأن قانون الفجوة المالية سيترك أثره الإيجابي ليس فقط على القطاع المصرفي، بل على النمو والاستثمار والانتقال من الاقتصاد النقدي إلى اقتصاد أكثر انتظاماً.










