في تصريح لافت، حدّد وزير الاقتصاد السوري الدكتور نضال شعار هوية الاقتصاد السوري بأنها تقوم على “الاقتصاد الحر الموجّه”، في توصيف يُفترض أن يوازن بين آليات السوق ودور الدولة، لكنه يفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد، وحدود تدخل الدولة، ودور السوق في مرحلة تُعد من الأصعب في تاريخ البلاد الاقتصادي، ويفتح في الوقت نفسه تساؤلات عميقة حول مدى واقعية هذا النموذج في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
فهل يمثّل “الاقتصاد الحر الموجّه” خياراً مناسباً لسوريا اليوم؟ أم أن التوصيف يحمل من العمومية أكثر مما يحمل من السياسات الواضحة؟
ويرى خبراء أن النموذج القائم أقرب إلى اقتصاد مختلط غير متوازن، لا هو حر بالكامل، ولا موجّه بعدالة، ففي بلد أرهقته الحرب، لا تُقاس جدوى النموذج الاقتصادي باسمه، بل بمن يدفع ثمنه ومن يجني ثماره.
ما هو الاقتصاد الحر الموجّه؟
يقول الباحث الاقتصادي محمد علوان في تصريحات لـ”963+” إن الاقتصاد الحر الموجّه يُعرَّف كنموذج وسطي يجمع بين: حرية المبادرة والقطاع الخاص والمنافسة وتحديد الأسعار وفق العرض والطلب، وتدخل الدولة لضبط السوق، حماية المستهلك، ومنع الاحتكار، ويُفترض في هذا النموذج أن تكون الدولة منظِّماً وحكماً، لا تاجراً ولا متفرجاً، أي لا تكون الدولة فيه مالكاً ومشغّلاً، ولا يكون السوق متروكاً بلا ضوابط، وقد طُبّق هذا النموذج بنسب مختلفة في دول مثل ألمانيا (اقتصاد السوق الاجتماعي) وكوريا الجنوبية خلال مراحل الإقلاع الاقتصادي.
ويشير العلوان إلى أن الاقتصاد السوري شهد خلال العقود الأخيرة تحولات حادة، من اقتصاد موجّه تقوده الدولة إلى انفتاح جزئي وغير مكتمل، ثم إلى اقتصاد حرب أضعف الإنتاج ووسّع اقتصاد الظل، وفي هذا السياق، يأتي توصيف “الاقتصاد الحر الموجّه” كإعلان عن هوية اقتصادية، لكن من دون خارطة طريق واضحة، فالمشكلة لا تكمن في التسمية بقدر ما تكمن في البيئة المؤسسية، ولا يمكن الحديث عن اقتصاد سوق، موجّه أو غير موجّه، في ظل غياب المنافسة الحقيقية وهيمنة الاحتكارات وضعف الشفافية، فالسوق الحر يحتاج دولة قوية، لا دولة ضعيفة.
ويضيف العلوان أن أي نموذج اقتصادي دون إصلاح مؤسساتي عميق سيبقى إطاراً نظرياً بلا نتائج ملموسة، حيث أن الاقتصاد السوري يعاني من تشوّه بنيوي يجعل تطبيق الاقتصاد الحر الموجّه بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أن ما يجري عملياً هو تحرير للأسعار من دون تحرير للاقتصاد، ورفع للدعم من دون بناء شبكات حماية اجتماعية، وهذا الخلل يؤدي إلى تحميل كلفة الإصلاح للفئات الأضعف، في حين تبقى فرص الاستفادة محصورة بفئات محدودة قادرة على التكيّف.
من جانبه، يعتبر د. حسان مراد في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن الاقتصاد الحر الموجّه قد يكون خياراً منطقياً لدول خارجة من أزمات، لكنه يحذّر من تطبيقه بشكل انتقائي، فالاقتصاد الحر الموجّه يتطلب وضوحاً في السياسات واستقراراً تشريعياً، والتغيير المستمر في القرارات يقتل أي فرصة لاستثمار حقيقي.
ويشير إلى أن غياب الثقة بين الدولة والقطاع الخاص يشكل عائقاً رئيسياً أمام نجاح أي نموذج اقتصادي، موضحاً أن أي اقتصاد لا يضع تحسين مستوى المعيشة في صلب سياساته، سيفقد شرعيته الاجتماعية، مهما كانت تسميته، فالاقتصاد الحر الموجّه يجب أن يُقاس بنتائجه على دخل الأسرة السورية، لا بعدد القوانين الصادرة.
ويرى مراد أنه على المستوى الرسمي، تتحدث الحكومة عن تشجيع الاستثمار ومرونة اقتصادية ودور تنظيمي للدولة، لكن على أرض الواقع يعاني صغار المنتجين من أعباء كبيرة، وتآكل القدرة الشرائية وتبقى المنافسة غير متكافئة وهذا يدفعنا لوصف النموذج القائم بأنه اقتصاد مختلط غير متوازن، لا يحقق عدالة السوق ولا حماية الدولة.
هل الاقتصاد الحر الموجّه هو الأنسب اليوم؟
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عدنان السراج في تصريحات لـ”963+” أن النموذج قد يكون مناسباً نظرياً، فالاقتصاد السوري اليوم لا يحتمل العودة إلى نموذج اشتراكي تقليدي، ولا يملك مقومات اقتصاد السوق الحر الكامل، وبما أن الاقتصاد الحر الموجّه يتيح تحريك عجلة الاستثمار الخاص في ظل محدودية الموارد العامة، ويخفف العبء عن خزينة الدولة، ويمنح الحكومة هامش تدخل عند الأزمات، فيعتبر هذا النموذج ليس خياراً أيديولوجياً، بل حلّاً انتقالياً تفرضه ظروف ما بعد الحرب.
لكنه، بحسب السراج، يتطلب مؤسسات رقابية قوية وسياسات اجتماعية واضحة وأولوية للإنتاج لا الجباية وتفكيك الاحتكارات، وفي غياب هذه الشروط، يتحول من حلّ مرحلي إلى عبء إضافي على المجتمع، وأن توصيف الاقتصاد السوري بأنه “اقتصاد حر موجّه” لا يكفي بحد ذاته لتغيير الواقع الاقتصادي، فالتجربة السورية، تؤكد أن الأسماء لا تصنع السياسات، وأن أي نموذج اقتصادي لا يُقاس بنصوصه، بل بقدرته على تحسين حياة الناس.
ويختم السراج بالقول إن توصيف الاقتصاد السوري بأنه “اقتصاد حر موجّه” قد يبدو منسجماً مع الأدبيات الاقتصادية الحديثة، لكنه يبقى بلا مضمون حقيقي ما لم يُترجم إلى سياسات واضحة، ومؤسسات قادرة، وعدالة اجتماعية ملموسة.










