تشهد الأوضاع في مخيم الهول في شمال شرق سوريا تحولات سياسية وأمنية وإنسانية مهمة خلال الأسابيع الماضية، في سياق تغيّرات أوسع على الأرض بعد انسحاب قوات سوريا الديموقراطية (قسد) من إدارة المخيم وتسلم القوات الحكومية الانتقالية السيطرة على بعض مناطقه، وهو ما أثار موجة من القلق داخل المخيم وخارجه ويشير إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً في هذا الملف المتشعّب.
ففي ظل هذا التغيير، أفادت تقارير بإقبال بعض العائلات المرتبطة بتنظيم “داعش” على الهروب أو محاولة الفرار من المخيم، ما يعكس حالة الفوضى الأمنية الحادثة بعد التبدّل في الإدارة وخلخلة السيطرة السابقة لقسد، الأمر الذي دفع السلطات السورية إلى إعلان استعدادها لاستعادة الأمن وضبط الأوضاع هناك.
وفي الوقت نفسه، تتواصل عمليات إعادة التوطين والعودة الطوعية للعوائل العراقية والسورية من المخيم إلى مناطقها الأصلية، سيما في العراق حيث بدأت بغداد تفكيك المخيم جزئياً وإعادة نحو 19,000 مواطن عراقي إلى مجتمعاتهم المحلية بعد عمليات فحص وتأهيل، وذلك في إطار جهود تهدف لمنع استغلال المخيم كمنصة لنشر التطرف أو تجديد نشاط الخلايا المتشددة.
غير أن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية حذّرت مؤخراً من تدهور الأوضاع الإنسانية داخل المخيم واستمرار هشاشة الظروف الأمنية والإنسانية، مع تزايد المخاوف بشأن تأثير ذلك على النساء والأطفال الذين يشكلون الغالبية العظمى من القاطنين فيه، خاصة في ضوء غياب حلول دائمة وشاملة لمعالجة ملف العائلات المرتبطة بالتنظيمات المتشددة.
وتبرز هذه التطورات في وقت يستمر فيه المجتمع الدولي في الانشغال بقضايا أمنية وسياسية أوسع في المنطقة، مما يزيد من تعقيد الجهود المشتركة لإيجاد حلول إنسانية وأمنية مستدامة لقضية المخيم. وبالتالي، يبقى ملف مخيم الهول من أكثر الملفات حساسية على الساحة السورية والإقليمية، حيث يتقاطع الاتفاق بين الجهات المحلية والدولية حول كيفية التعامل مع آلاف المدنيين المرتبطين بعائلات متشددة، ويضع الضغوط على الدول المعنية لتحمّل مسؤولياتها بخصوص مواطنيها.
قنبلة مؤجلة.. الحل بالتفكيك
يقول حسن أبو هنية، الخبير في الجماعات الإسلامية بمعهد السياسة والمجتمع، المقيم في الأردن، لـ “963+”: إنه “بخصوص مخيم الهول، الأعداد الآن أصبحت أقل. فحين أُنشئ المخيم بعد خسارة آخر جيب للتنظيم في الباغوز في آذار/مارس 2019، كان عدد النازحين فيه قد تجاوز 65 ألفاً. لكن العدد الحالي للموجودين فيه يقل الآن إلى نحو أربعة وعشرين ألفاً، ومعظمهم، كما هو معروف، من النساء والأطفال، وهم يشكلون النسبة الأكبر. وينتمي هؤلاء إلى عائلات عراقية وسورية”.
ويضيف أبو هنية: “هناك، باعتقادي، مشكلة كبيرة في هذا المخيم، خاصة عندما كان تحت إدارة قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، إذ كان يفتقر إلى الخدمات الأساسية، سواء الصحية أو التعليمية، كما كان هناك غياب لأي برامج حقيقية لإعادة التوجيه والتأهيل. وبالتالي، كان الوضع خطيراً جداً”.
ويلفت الخبير إلى أنه “بعد استلام الإدارة السورية الجديدة للمخيم، لم تعد هناك قضايا أمنية بالشكل السابق. ففي النهاية، يجب أن نعرف أننا نتحدث عن عوائل التنظيم الدولي أو أبنائهم، والذين لا توجد ضدهم قضايا جنائية بالضرورة، وبالتالي يجب العمل على إعادة إدماجهم في المجتمع، وهذا هو الحل”.
ويوضح قائلاً: “يجب أن تستلم الدول عوائل وأطفال مواطنيها من العرب والأجانب. وخلال الفترة الماضية، قامت كثير من الدول بذلك، وهو ما تسبب في تناقص العدد إلى حوالي أربعة وعشرين ألفاً. لكن بقية الدول كانت متلكئة. ويجب أن يستلم العراق مواطنيه، والسوريون يجب إدماجهم محلياً، وبقية الموجودين يجب التعامل معهم بطريقة إنسانية”.
ويتابع: “أول شيء يجب توفيره هو الظروف الإنسانية اللائقة من صحة وتعليم. فما يحدث هناك غير معقول. وقد انتقدت منظمات حقوقية هذا الوضع ووصفته بالعار، لأنه كان كارثة حقيقية. فلو دخل الإنسان غير المتطرف إلى الهول، فسيصبح متطرفاً”.
ويعتبر أبو هنية أن “أفضل حل هو إما تفكيك هذا المخيم تماماً، أو توفير الخدمات الأساسية فيه، والأفضل من ذلك هو السير في عملية إعادة إدماج تدريجية. فمن غير الممكن أن يبقى على هذا الحال إلى الأبد”.
ويشير إلى أن “قضية المقاتلين أصبحت محدودة، إذ نعرف أن قرابة 8500 مقاتل، سيذهب منهم 7 آلاف إلى العراق، وبالتالي لم تعد هذه القضية تشكل المشكلة الأكبر. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في العوائل. وباعتقادي، يجب العمل على إعادة تأهيلهم والبحث عن حلول دائمة. فالمجتمع الدولي غير مكترث على الإطلاق. نحن نتحدث منذ سنوات، منذ ست سنوات، وهو غير مكترث بكل النداءات، سواء باستلام مواطنيه أو حتى بعملية الدعم التي كانت تتم بالحد الأدنى”.
ويشير إلى أنه “يجب التخلص من هذا العار، حقيقةً، عبر إعادة إدماج هؤلاء الناس. فهم أطفال ونساء، ولا يمكن التعامل مع القضية خارج هذا الإطار الإنساني. يجب التعامل معهم وفق كل المبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان، وقواعد وقوانين اللجوء وغيرها. وبالتالي، لا بد من التخلص من هذا العبء وإدماج هؤلاء في المجتمع، فمن غير الممكن أن يبقى الوضع على هذا الحال”.
ضبابية تُنذر بتداعيات خطيرة
يقول أحمد سلطان، الباحث في الأمن الإقليمي والإرهاب، المقيم في القاهرة، لـ “963+”: إنه “بالنسبة لمخيم الهول، لاحظنا خلال الفترة الماضية، ومع العمليات التي أطلقتها القوات الحكومية ضد قوات سوريا الديموقراطية والإدارة الذاتية، وجود اتجاه داخل الحكومة السورية الحالية لإدارة المخيم، بالتنسيق طبعاً مع الجانب الأميركي”.
ويضيف سلطان: “هذا الأمر لا يمكن، طبعاً، أن يكون انتقالاً سلساً في معظم الأوقات، فضلاً عن أن الإدارة الحالية ليست لديها الخبرة الكافية في إدارة مخيم بهذا الحجم والتعقيد. وبالتالي، هناك تعقيدات تتطلب المزيد من الجهد في إدارة المخيم، لكن الانعكاسات، إن لم يتم التعامل معها بحكمة، قد تكون سلبية للغاية”.
ويوضح: “عشرات الآلاف من النساء والأطفال سيُبقى على وجودهم، في الغالب، لكن سيتم نقل العناصر التي يُحتمل أن تكون خطرة أو المصنفة كخطر إلى مراكز احتجاز أخرى أو حتى إلى العراق. ونحن نلاحظ عمليات النقل هذه بالفعل. لكن، في اللحظة الراهنة، ليست هناك خطة حقيقية لتفكيك المخيم أو إغلاقه، والخطط الحالية هي خطط وقتية”.
ويلفت الباحث إلى أن “المجتمع الدولي منشغل، وهذا الانشغال بعيد عن ملفات مكافحة الإرهاب. ويبقى مخيم الهول عقبة كبيرة في ظل رفض كثير من الدول التي لديها مقاتلون في السجون، وأفراد، سواء نساء أو أطفال، داخل المخيم، استعادتهم. فهذه مشكلة حقيقية”.
ويشير سلطان إلى أنه “بفعل التطورات الأخيرة، تبرز الأزمة من جديد، وهي أزمة كان المجتمع الدولي يتعامل معها بالتأجيل المتتالي منذ هزيمة تنظيم داعش في مارس 2019، والآن أصبحنا أمام الواقع المرير. لا بد لهذه الدول أن تستعيد مواطنيها، ولا بد من وجود مبادرات جادة لنزع التطرف وإعادة التأهيل والدمج، وهذا هو الدور الحقيقي للمجتمع الدولي الآن”.
ويتساءل: “هل يشكل استمراره خطراً؟ ويجيب نعم؛ مخيم الهول قنبلة موقوتة، والخطأ في التعامل معه سيؤدي إلى انفجار. إنه يشكل خطراً أمنياً على سوريا والعراق والمنطقة والعالم بالكامل”.
ويختتم قائلاً: “باعتبار أن جاذبية تنظيم داعش قد خفت، وأن التنظيم الآن في حالة ضعف، فليس هناك اهتمام كبير به. غير أن هذا لا يعني أن التنظيم انتهى، فالتعامل الخاطئ مع ملف مثل مخيم الهول سيؤدي إلى بروز أزمات جديدة، وهو ما لا يتمناه أحد”.










