تشهد الحدود العراقية السورية حالة من التحشيد العسكري العراقي في ضوء التطورات الأخيرة التي حصلت في سوريا، ويؤكد مسؤولون عراقيون على أن الحدود مؤمنة بالكامل من خلال الإجراءات والتحصينات وأبراج المراقبة ومنظومة الكاميرات الحرارية المتطورة.
وتتواجد تحشيدات كثيفة للقطعات العسكرية على الحدود، فيما تتخذ القوات العراقية إجراءات تشمل موانع مثالية متمثلة بالسواتر والجدار الكونكريتي، إضافة إلى كاميرات المراقبة الإلكترونية المنتشرة على طول الشريط الحدودي، فضلاً عن وجود خط ثانٍ من قطعات الجيش والحشد الشعبي.
وتأتي التحشيدات العراقية في ضوء متغيرات عسكرية في سوريا، حيث شهدت دخول القوات الحكومية إلى منطقة شمال وشرقي سوريا بعد انسحاب قوات سوريا الديموقراطية (قسد) منها، فيما تكثف القوات الأميركية من ترحيلها لعناصر تنظيم “داعش” من سجون الحسكة إلى العراق.
تهديد قائم
تقول الباحثة في الشأن السياسي العراقي علياء عباس خلف لـ”963+”، إن التحشيدات العسكرية الأخيرة يجب قراءتها في سياق استراتيجي أوسع. وتضيف: “وفق المعطيات والمتغيرات الجيوسياسية التي تحيط بالمنطقة إقليمياً ودولياً، وتداعيات المتغيرات الحساسة والحرجة، من المفترض أن تكون هذه التحشيدات العسكرية جزءاً من استراتيجية أمنية طويلة الأمد”.
وتتابع: “كل هذه الأحداث، ارتداداتها ليست بالسهلة ولا تقتصر على المدى القصير، بل من المتوقع أن تمتد تأثيراتها لمدى ليس بالقصير، للأسف”. وتردف موضحة: “وكل هذه التحركات لا ترتبط فقط بما يحدث في سوريا فحسب، وإنما بالمنطقة العربية ككل”.
وتلفت الباحثة الانتباه إلى ملف بالغ الحساسية، مشيرةً إلى أنه “لا يجب أن نغفل أن هناك ملف داعش الحساس والشائك بنفس الوقت بالنسبة للعراق وسوريا على حد سواء، من تداعيات نقل سجناء داعش وعوائلهم التي كانت تسكن مخيم الهول، إذ لم يتم محاكمة كل المطلوبين الإرهابيين وعوائلهم، وطي هذا الملف نهائياً بصورة عادلة وسريعة إلى الأبد”.
وتزيد موضحةً بُعداً آخر للمخاطر: “الولايات المتحدة تستخدم ورقة داعش كأداة للضغط على العراق وتهديد لأمنه القومي والأمن الداخلي، بما يخدم مصالحها أو يعطي حججاً مبررة لسياسات مستقبلية ممكن أن تستخدمها لخلق فوضى بأي لحظة، لتكريس مخطط جديد بالمنطقة يخدم مصالحها بالدرجة الأولى ومصالح إسرائيل على حساب أمن واستقرار العراق”.
وتؤكد عباس خلف، أنه رغم الإجراءات الأمنية المشددة، والتحشيدات العسكرية والسياج الأمني الذي كلف العراق أكثر من 25 مليون دولار، والكاميرات الحرارية، والدوريات الراجلة، “إلا أنه تمكن بعض العناصر من داعش من محاولة التسلل عبر الحدود، ولكن تم التعامل مع الموقف”.
وانتقلت إلى التحذير من العواقب الاقتصادية، قائلة: “بالنتيجة، كل هذه التوترات على الحدود، بالتأكيد سيكون لها الأثر البالغ على حركة التجارة والوضع الاقتصادي الهش بالنسبة للبلدين”.
وتضيف شارحة الوضع السوري: “نحن ندرك تماماً أن الشعب السوري بالكاد يلتقط أنفاسه بعد معاناة اقتصادية ليست بالسهلة، ونزول الليرة السورية إلى مستويات قياسية، وتداعيات سقوط النظام، والانتهاكات الطائفية التي تلت السقوط، والتي من شأنها أن تترك ندوباً تمتد آثارها لسنوات في نفسية المواطن السوري”.
وتستطرد: “العراق ليس أحسن حالاً، فقد تم فرض ضرائب جديدة تصل ما بين 30% إلى 60%، وملف رواتب الموظفين على حافة الانهيار، وملف الخدمات ليس بأحسن حال، وآلاف الخريجين لم يتم تعيينهم بسبب العجز بالميزانية، وتم إلغاء مخصصات الشهادات الجامعية بالنسبة للموظفين، والاضراب قائم منذ يومين”.
استباقاً لمخاوف أمنية
من جانبه، يتناول الباحث في الشؤون السياسية العراقية الدكتور جاسم الغرابي في حديث لـ”963+” الأسباب الاستباقية للتحشيدات العراقية. ويقول: “التحشيدات العراقية على الحدود السورية، أول ما تغير النظام السوري، كانت موجودة؛ لأنه على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، الإرهاب أغلبه كان يأتي من سوريا، حتى في زمن المخلوع بشار الأسد”.
ويشرح الغرابي دواعي الحذر الحالية: “التحشيدات الجديدة ووجود قوات عسكرية بعد الحرب الأهلية الموجودة حالياً في سوريا، يعني العراق يجب أن يأخذ حذره”.
ويوضح بعض السيناريوهات المحتملة: “قد يكون هناك نزوح للعوائل المدنية، الشعب السوري الصديق، يعبر الحدود العراقية خوفاً من المعارك الطاحنة التي تجري اليوم بين قسد وبين الجيش السوري”.
ويحذر من خطر مختلط: “فبالتالي، يجب أن يكون العراق على أهبة الاستعداد والحذر، فقد يدخل بعض الإرهابيين مع المدنيين الذين يهربون من القتال في هذا المكان”.
ويلفت النظر إلى الخلفية السياسية الأوسع: “هناك لعبة سياسية، وهناك مشروع دولي الآن يجري في سوريا، مطامع واضحة: تركية، قطرية، سعودية، مصرية، أميركية، روسية. فالعراق يجب أن يحذر. العراق ليس بمعزل عن هذا الموضوع”.
وينهي حديثه بتأكيد على ضرورة الاستعداد القصوى: “القوات العراقية عليها أن تتوقع أسوأ السيناريوهات التي تحدث في هذه المنطقة، من خلال دعم الحشد الوطني العراقي في هذه المحافظات بالإشارة إلى المحافظات الحدودية”.










