في ظل التصعيد المتواصل للأحداث في سوريا، يتصدر خطاب الكراهية والتحريض واجهة المشهد العام بوصفه أحد أخطر التحديات التي تهدد النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي، في بلد أنهكته سنوات طويلة من الحرب والعنف والانقسام.
فمع اتساع رقعة التوترات العسكرية والأمنية، برزت موجة غير مسبوقة من التحريض اللفظي والعنف الرمزي والجسدي، تغذيها منصات إعلامية ووسائل تواصل اجتماعي، وتُقدَّم في كثير من الأحيان على أنها جزء من صراع سياسي أو عسكري “مشروع”.
هذا الخطاب، الذي يستهدف مكونات اجتماعية كاملة على أسس عرقية أو دينية أو مذهبية، لم يعد مجرد تعبير عن انفعالات عابرة، بل تحوّل إلى أداة منظمة تُستخدم لتبرير العنف، وتكريس الانقسام، وتعميق الشروخ داخل المجتمع السوري.
وبين غياب التشريعات الرادعة، وتراجع الدور الأخلاقي للإعلام، وصمت المؤسسات الرسمية، يجد السوريون أنفسهم أمام خطر مضاعف، لا يهدد حياتهم فقط، بل يضرب فكرة العيش المشترك من جذورها.
تهديد مجتمعي
يقول طارق عجيب، الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية، في حديثه لـ”963+”، إن خطاب الكراهية والتحريض لم يبدأ مؤخراً، ولم ينطلق مع ما جرى أو ما يجري حالياً في شمال شرقي سوريا، بل هو خطاب قديم يعود إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام المخلوع د.
ويضيف عجيب أن تلك المرحلة شهدت حملات واسعة من الكراهية والتحريض، رافقتها اعتداءات وتجاوزات طالت الكرامات الإنسانية، إضافة إلى التطاول على الرموز الوطنية والدينية والاجتماعية، معتبراً أن هذا الإرث الخطير لم يُعالج بشكل جدي، بل استمر وتراكم.
ويرى أن أهمية المرحلة الحالية تكمن في ضرورة ضبط هذا الخطاب، ولا سيما بعد أن تجلى خلال الأيام الماضية عبر ممارسات ميدانية خطيرة، تمثلت في التعدي اللفظي على مكونات كاملة، سواء على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي، مشيراً إلى أن الأمر لم يقتصر على الإساءة الكلامية، بل تطور إلى اعتداءات جسدية مهينة وعنيفة.
ويؤكد أن هذه الاعتداءات وصلت في بعض الحالات إلى القتل والتمثيل بالجثث والتنكيل بالضحايا، معتبراً أن جميع هذه الأفعال تُصنف بوضوح ضمن خطاب الكراهية والتحريض، لأن الجريمة، سواء كانت جسدية أو أخلاقية أو لفظية، عندما تُرتكب بصيغة وحشية ومبالغ فيها، وتقوم على الإهانة والتعدي على الرموز الدينية أو العائلية أو العرقية أو المذهبية، فإنها تمثل تصعيداً مقصوداً.
ويعتقد عجيب أن هذا التصعيد ليس عفوياً، بل تقف خلفه جهات ومنصات وأطراف متعددة تسعى بشكل ممنهج إلى توسيع الشروخ وتعميق الانقسامات بين أبناء الشعب السوري، سواء على أسس عرقية أو دينية أو مذهبية أو مناطقية أو عشائرية.
ويوضح أن الهدف ليس تسمية هذه الجهات، لأن وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام باتت متخمة بهذا النوع من الخطاب، لكنه يحذر من أن هذا التحريض المنظم يشكل أحد أخطر التهديدات التي تواجه سوريا، لأنه قد يدفع المجتمع إلى مستويات من التفرقة والتقسيم تجعل من الصعب مستقبلاً إعادة ترميم فكرة الشعب الواحد.
ويشير عجيب إلى أن خطاب الكراهية، عندما يؤسس للفتن والشروخ داخل المجتمع، يؤدي بشكل طبيعي إلى ردود فعل عنيفة، إذ إن أي مكون أو جهة تتعرض للإهانة أو لجرائم تصل إلى حد المجازر، من المتوقع أن تلجأ إلى العنف أو حمل السلاح تحت شعار الدفاع عن النفس، أو حماية الحقوق الدينية والمذهبية والإثنية، أو الدفاع عن الرموز الاجتماعية والدينية.
ويحذر من أن هذه الدوامة من الفعل ورد الفعل تشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، إذ تؤدي إلى مزيد من العنف والدم والكراهية، وتدفع المجتمع نحو الاصطدام المستمر، ما يفاقم حالة الانقسام ويقوض أي فرصة للاستقرار.
ويشدد على ضرورة أن يسعى الجميع إلى احتواء هذه الموجة من التحريض والكراهية، والعمل على تحويلها إلى خطاب وطني عقلاني ومنطقي، يسهم في صناعة السلم الأهلي، بدلاً من الانزلاق نحو مزيد من التصعيد والجرائم والأخطاء.
الإعلام شريكاً
ينتقد عجيب بشدة دور وسائل الإعلام، معتبراً أن جزءاً كبيراً منها لا يتحمل مسؤوليته الوطنية أو الأخلاقية، بل يشارك بشكل مباشر فيما يجري.
ويضيف أن هذه المؤسسات تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية، وربما جنائية، لأنها تسمح ببث خطاب الكراهية والعنف والتحريض عبر شاشاتها، سواء من خلال الضيوف أو البرامج أو المواد الوثائقية، معتبراً أن ذلك يساهم في التحريض على الجرائم والمجازر.
ويرى أن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات والصفحات الشخصية تسهم بدورها في تسويق الشارع بشكل تحريضي وغير عقلاني، مؤكداً أن الإعلام، بكل أشكاله الرسمية وغير الرسمية، المنظمة والعشوائية، أصبح منخرطاً في حالة الخراب القائمة.
ويستثني عجيب قلة قليلة من وسائل الإعلام التي ما زالت تحاول الالتزام بالأخلاق المهنية، والموثوقية المعلوماتية، والحياد، وتقديم الحقيقة غير المجتزأة، مشيراً إلى أن هذه النماذج باتت نادرة.
ويعتبر أن الفضاء الإعلامي، الافتراضي والواقعي، تحول من أداة تهدئة وبناء إلى أداة بيد قوى تسعى إلى إشعال الصراعات، موضحاً أن جهات كبرى أدركت أهمية الإعلام كأحد أخطر أسلحة التخريب، ونجحت عبره في تحقيق أهداف عديدة.
وحول سبل مواجهة خطاب الكراهية، يوضح عجيب أن الحلول واضحة، وتبدأ بوقف بث هذا الخطاب، ومنع الترويج له، وعدم إتاحة المنصات لمن يسعون إلى نشره، إضافة إلى سن قوانين ناظمة تضع تعريفات واضحة لما يُسمح ببثه وما يجب منعه.
لكنّه يستدرك قائلاً إن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإرادة الحقيقية، بل إن هناك من يتعمد استخدام الإعلام كأداة لتحقيق مشاريع مصلحية واستعمارية، تقوم على تدمير المجتمعات وإشعال الصراعات.
وينتقد عجيب دور رجال الدين، معتبراً أن الغالبية العظمى منهم اصطفوا إلى جانب السلطة أو الطائفة أو الحزب، ولم يؤدوا دوراً إنسانياً جامعاً، بل كانوا، في كثير من الأحيان، شركاء فيما يجري، مؤكداً أنه لا يهاجم الدين بحد ذاته، بل الأشخاص الذين يتصدرون المشهد الديني.
ويرى أن المجتمع المدني قد يكون أكثر قدرة على لعب دور إيجابي، نظراً لخطابه القائم على الحرية وحقوق الإنسان، لكنه يشير إلى أن فائض القوة والدعم الهائل الذي تمتلكه الأطراف الساعية إلى الخراب يجعل مهمة المواجهة صعبة وطويلة.
ويختم عجيب بالتأكيد على أن مواجهة خطاب التحريض ليست مسؤولية الأفراد أو المنصات الصغيرة، بل هي قرار دولي بيد القوى الكبرى، معرباً عن قناعته بأن الحق والمنطق قد يتأخران، لكنهما في النهاية سيفرضان نفسيهما.
سلاح فتّاك
يقول صلاح علمداري، عضو اللجنة السياسية لحزب الوحدة الديموقراطي الكردي في سوريا، والمقيم في ألمانيا، في حديثه لـ”963+”، إن البشر، أينما كانوا، محكومون بالتعايش، ولا يمكنهم الهروب من هذه الحقيقة، ولا سيما في عالم تحوّل، بفعل الهجرة ووسائل التواصل، إلى قرية كونية صغيرة.
ويضيف أن الإنسانية اليوم باتت تشكل مجتمعاً واحداً واسعاً، ما يجعل العيش المشترك قدراً لا خياراً، مؤكداً أن السوريين، بمختلف انتماءاتهم، محكومون بالتعايش فيما بينهم مهما بلغت حدة الصراعات.
ويرى علمداري أن ما شهدته سوريا خلال السنوات الأربع عشرة الماضية كان في جوهره كراهية مكبوتة، أو حالة من الاحتقان غير المعلن، انفجرت بشكل واسع بعد انهيار النظام السابق، موضحاً أن هذا الانفجار لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة تراكم طويل.
ويعتبر أن النظام السابق لم يعمل يوماً على نشر ثقافة التعايش أو السلم الأهلي أو العيش المشترك، بل على العكس، كان، عبر إعلامه وسلوكه وممارساته، يرسخ العنف والطائفية بشكل مضمر، ما أدى إلى تخزين هذا الكره داخل المجتمع، قبل أن ينفجر لاحقاً بصورة أكثر عنفاً.
ويعتقد علمداري أن المرحلة التي تلت ذلك، ولا سيما خلال العام الماضي، شهدت تفجراً واسعاً لخطاب الكراهية، في ظل غياب سياسات واضحة لمعالجته، معرباً عن أسفه لأن الحكومة في دمشق لم تأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار.
ويشير إلى أن الحكومة الجديدة لم تصدر حتى الآن قرارات أو قوانين تجرّم خطاب الكراهية أو تمنعه، رغم خطورته، معتبراً أن هذا الخطاب لا يقل فتكاً عن الحرب التي شهدتها البلاد، لأنه يعمّق الجراح ويقسّم المجتمع ويفتح شروخاً يصعب ترميمها.
ويؤكد علمداري أن سوريا بلد متنوع عرقياً ودينياً وطائفياً، وأن هذا التنوع كان من المفترض أن يكون عامل غنى، لا سبباً للصراع والانقسام.
ويستعرض علمداري جملة من الوقائع التي برز فيها خطاب الكراهية بشكل واضح، مشيراً إلى ما جرى خلال الحملات العسكرية على مناطق الساحل السوري، حيث رافق العمليات كمّ كبير من العنف والتحريض والكراهية.
ويضيف أن أحداث السويداء شكّلت مثالاً آخر على خطورة هذا الخطاب، موضحاً أن ما قيل وبُثّ على المنصات الإعلامية أسهم في إنتاج سلوكيات عنيفة ومهينة بحق المدنيين.
كما يشير إلى ما جرى في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، حيث رافقت الهجمات موجات تحريض واضحة، تلتها بأيام هجمات لا تزال مستمرة على مناطق الجزيرة السورية، ولا سيما الرقة ودير الزور والحسكة، ما أدى إلى إعادة إحياء مشاعر الكراهية لدى شرائح واسعة من الناس.
ويؤكد أن هذه الوقائع أفرزت سلوكيات غير إنسانية في كثير من المناطق، معتبراً أن الإعلام الرسمي، أو الجهات المسؤولة عن الإعلام في الدولة، لم يقف في وجه هذا الخطاب، بل تعامل معه على أنه جزء من حرب، وقام بتبرير ما يُقال ويُنشر على المنصات المختلفة.
ويشير علمداري إلى أن العديد من القنوات الفضائية شاركت في هذا المشهد التحريضي، معتبراً أن بعض هذه الوسائل كانت منحازة بشكل واضح، إلى جانب قنوات أخرى.
ويضيف أن الأمر لم يقتصر على الإعلام التقليدي، بل امتد إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث لعب مؤثرون، من تيك توك ويوتيوب وغيرهما، دوراً خطيراً في نشر خطاب الكراهية، لافتاً إلى أن بعض هؤلاء بات يمتلك جمهوراً يفوق جمهور قنوات تلفزيونية كاملة.
ويؤكد أن قسماً كبيراً من هؤلاء المؤثرين ساهم بشكل مباشر في التحريض على العنف، وبالتالي في تغذية الجرائم والانتهاكات، مشدداً في الوقت نفسه على أنه لا يبرّئ الطرف الآخر، إذ توجد أيضاً بؤر متطرفة وخطابات كراهية صادرة عن جهات مختلفة.
كيف نواجه؟!
يستفسر علمداري عن سبب عدم قيام الحكومة، التي تمتلك أدوات المنع والقمع، باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المحرضين، متسائلاً: لماذا لم يتم تجريم الدعوات إلى الكراهية بشكل واضح في سوريا حتى الآن؟
ويعتقد أن ما شهدته البلاد خلال السنوات الأربع عشرة الماضية لم يقتصر على تدمير البنية التحتية من حجر وشجر وبناء، بل طال الإنسان نفسه، وهو الأخطر، لأن الخراب أصاب البنية النفسية والأخلاقية للمواطن.
ويؤكد أن سوريا بحاجة إلى مرحلة طويلة لإزالة تراكمات الماضي، معتبراً أن إعادة بناء الإنسان يجب أن تسبق إعادة بناء البنى التحتية، لأن بناء مجتمع متماسك يبدأ من ترميم القيم الإنسانية.
ويختم علمداري بالتشديد على أن السوريين محكومون بالعيش المشترك، وأن العنف والحروب لن تقود إلى حلول، مؤكداً أن الحوار والتفاهم والتعايش هي الخيارات الوحيدة القادرة على إنقاذ المجتمع السوري وضمان مستقبله.










