كشفت الأرقام الأخيرة الصادرة عن مجلس المصدرين الأتراك لعام 2025 عن مفارقة اقتصادية في الميزان التجاري، فقد بلغت قيمة الصادرات التركية إلى سوريا 2.57 مليار دولار، محققةً نمواً هائلاً بنسبة 69.6%، وتعزو مصادر تركية هذا الارتفاع إلى تحسّن البيئة السياسية والتجارية بعد سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، وإعادة دمج سوريا تدريجياً في شبكات التجارة الإقليمية.
ويرى خبراء الاقتصاد في هذا الرقم مؤشراً على عودة الحياة إلى الشرايين التجارية، في المقابل، يحذر اقتصاديون سوريون من أن استمرار العجز التجاري لمصلحة تركيا قد يضغط على الليرة السورية ويضعف فرص تعافي الصناعات المحلية، ما لم تُربط التسهيلات التجارية بخطط واضحة لدعم الإنتاج السوري وإعادة تشغيل المصانع.
ويرى صناعيون وتجار أن سوريا تحولت إلى سوق استهلاكية كبيرة للمنتجات التركية، أكثر من كونها شريكاً تجارياً متكافئاً، ما يخلق اعتماداً عالياً على السلع المستوردة في قطاعات حيوية مثل الغذاء والدواء والمواد الأولية، وأن القراءة المتأنية تفرض طرح تساؤلات جوهرية حول شكل هذا التعافي وضريبته المستقبلية، فهل تملك سوريا سياسة تجارية تحمي ما تبقى من إنتاجها؟ وإلى متى ستبقى السوق السورية مستورداً صافياً بلا قدرة تفاوضية؟
قفزة تركية في سوق سورية هشّة
يقول الخبير الاقتصادي محمود الراشد في تصريحات لـ”٩٦٣+” إنه في الوقتٍ الذي لا يزال فيه الاقتصاد السوري يرزح تحت وطأة الانكماش، تعود العلاقات التجارية مع تركيا إلى الواجهة، ولكن هذه المرة بلغة الأرقام الصادمة: 2.57 مليار دولار صادرات تركية إلى سوريا خلال عام 2025، ورغم ضخامة الأرقام إلا أنه لا ينعكس هذا الحجم التجاري إيجاباً على الاقتصاد السوري الكلي، إذ أن معظم السلع استهلاكية وليست إنتاجية، وتستفيد منها شبكات استيراد محدودة، وتؤدي إلى منافسة غير متكافئة مع ما تبقى من الصناعات المحلية، فالاستيراد المكثف دون سياسة حماية أو إحلال بدائل محلية يقتل أي فرصة للتعافي الصناعي، وبالتالي المشكلة ليست في الاستيراد بحد ذاته، بل في غياب استراتيجية اقتصادية سورية واضحة، وهذا الرقم لا يعكس فقط انتعاشاً في الصادرات التركية، بل يسلّط الضوء على اختلال هيكلي عميق في الميزان التجاري بين البلدين، حيث تغيب تقريباً الصادرات السورية المقابلة، في واحدة من أكثر العلاقات التجارية عدم توازن في المنطقة.
اقرأ أيضاً: “وود ماكنزي”: سوريا تمتلك احتياطياً يُقدَّر بـ 1.3 مليار برميل نفط مكافئ – 963+
ويبين الراشد أنه وبحسب البيانات الرسمية التركية، تصدّر قطاع الحبوب والبقوليات والبذور الزيتية والمنتجات المصنعة قائمة الصادرات التركية إلى سوريا، بقيمة تجاوزت 700 مليون دولار، يليه قطاع المواد الكيميائية 299 مليون دولار، ثم قطاع الكهرباء والإلكترونيات 224 مليون دولار، وهي قطاعات تمسّ بشكل مباشر الأمن الغذائي، والمواد الأساسية، والبنية الاستهلاكية اليومية في السوق السورية.
ويرى أنه من منظور اقتصادي بحت، لا يمكن الحديث عن “تجارة ثنائية” بالمعنى المتعارف عليه، إذ تكاد الصادرات السورية إلى تركيا تكون هامشية أو غير معلنة رقمياً في البيانات الرسمية المتداولة، وبالتالي نحن أمام علاقة تجارية أحادية الاتجاه تقريباً، فسوريا سوق مستهلك، وتركيا دولة مُصدّرة، وهذا ليس تبادلاً تجارياً، بل نمط إمداد دائم يعمّق العجز التجاري السوري.
ويضيف الراشد أن غياب الإنتاج المحلي، وضعف القدرة التنافسية، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، كلها عوامل تجعل من المنتج السوري غير قادر على دخول السوق التركية، حتى في القطاعات التي كانت تاريخياً نشطة مثل النسيج والزراعة.
ويختم الراشد إن الأرقام الرسمية تؤكد حقيقة واحدة: هي أن تركيا تربح تجارياً، وسوريا تستهلك بلا توازن، فحين يهيمن طرف واحد على الميزان التجاري بهذا الشكل الصارخ، فإننا لا نتحدث عن “تبادل تجاري”، بل عن “اجتياح استهلاكي”، وأن الزيادة الكبيرة في قطاعات مثل الكيماويات والكهرباء (بإجمالي يقارب نصف مليار دولار) تعكس بوضوح تعطل عجلة الإنتاج المحلي السوري، فنحن نستورد من الجار ما كنا ننتجه في مدننا الصناعية، وهذا يعني أننا “نستورد البطالة” التركية ونصدر العملة الصعبة التي نحن في أمسّ الحاجة إليها، وفي غياب رؤية اقتصادية سورية واضحة لإدارة التجارة الخارجية، فإن أي نمو في الواردات، مهما كان مبرراً، سيبقى رقماً إيجابياً في دفاتر الآخرين، وسالباً في ميزان التعافي السوري.
آفاق المستقبل: من تجارة ثنائية إلى ممر إقليمي
بالمقابل يتوقع الدكتور خالد الحسن في تصريحات لـ”963+” أن يتحول المسار التجاري بين سوريا وتركيا إلى ممر إقليمي أوسع، مع سعي أنقرة لربط صادراتها إلى الخليج وأفريقيا عبر الأراضي السورية، مستفيدة من مشاريع إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية.
ويشترط الحسن لتحقيق هذا السيناريو ثلاثة عوامل أساسية هي، استمرار الاستقرار السياسي والأمني داخل سوريا، ونجاح خطط إعادة الإعمار، وقدرة الحكومة السورية على إعادة بناء قاعدة إنتاجية تسمح لها بتقليص العجز في الميزان التجاري مع تركيا وباقي الشركاء.
وقال الحسن إنه من الجيد أن نرى تدفقاً للسلع الأساسية، خاصة في قطاع الحبوب والبقوليات الذي تجاوز 700 مليون دولار، فهذا التدفق يساهم بلا شك في ضبط مستويات التضخم السلعي في الأسواق السورية وتأمين الاحتياجات الغذائية، وأن عام 2025 كان عام “التمكين التجاري” لتركيا في سوريا، وبينما يستفيد المستهلك السوري من وفرة البضائع، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة السورية والقطاع الخاص في كيفية تحويل هذا “التدفق” إلى شراكة اقتصادية متوازنة تدعم الإنتاج المحلي ولا تكتفي بالاستهلاك.
ويختم الحسن بالقول: لا يمكن لدمشق أن تكتفي بدور المستهلك الممتن، ويجب أن يكون هذا النمو دافعاً لفرض “ديبلوماسية اقتصادية” جديدة تقوم على المعاملة بالمثل من حيث تسهيل دخول المنتجات الزراعية والصناعية السورية إلى الأسواق التركية بنفس المرونة، وتحويل الاستهلاك إلى استثمار من خلال دفع الشركات التركية المصدرة للاستثمار في خطوط إنتاج داخل سوريا بدل الاكتفاء بالشحن العابر للحدود.
اقرأ أيضاً: حاكم مصرف سوريا المركزي: تحديد 59 مؤسسة للاستبدال وجميع الأرصدة ستكون بالعملة الجديدة – 963+
الميزان التجاري: خلل أم فرصة؟ وماذا عن فخ “الممر التجاري”؟
يقول عضو في غرفة التجارة بحلب “فضل عدم ذكر اسمه” إنه على الرغم من بريق أرقام الصادرات التركية، فهذا يشير إلى “اتساع الفجوة” في الميزان التجاري، فبينما تتدفق البضائع التركية بأسعار منافسة (أقل بنحو 30-40% من المنتج المحلي في بعض القطاعات)، تواجه الصادرات السورية عوائق في الوصول للأسواق التركية، حيث لا تتجاوز الصادرات السورية، في أحسن تقديراتها، عتبة الـ 500 مليون دولار، ومعظمها مواد خام وزراعية، وإن هذا الفارق الكبير يعكس ضعف القدرة التنافسية للصادرات السورية، نتيجة تراجع الإنتاج المحلي وضعف شبكات التصدير، مما يجعل المنتج السوري هامشياً داخل السوق التركية مقارنة بالمنتجات التركية التي تهيمن على السوق السورية.
وأضاف أن المسؤولين الأتراك يتحدثون أن سوريا أصبحت “منصة” للوصول إلى الأسواق الخليجية والأفريقية، واقتصادياً هذه ميزة “الترانزيت” التي قد تنعش خزينة الدولة من الرسوم، ولكنها تحمل في طياتها خطراً استراتيجياً بأن يتحول الاقتصاد السوري إلى مجرد “رصيف عبور” للبضائع الأجنبية، بدلاً من أن يكون اقتصاداً منتجاً ينافس في تلك الأسواق، ووصول الصادرات التركية لمستوى قياسي يثبت أن أنقرة تتبع استراتيجية “التوسع بالإنتاج”، ويشكل هذا التوسع في الصادرات مكسباً اقتصادياً مزدوجاً لتركيا؛ فهو يفتح سوقاً قريبة جغرافياً وتكلفة نقلها منخفضة، ويعزز نفوذها الاقتصادي في ملف إعادة الإعمار السوري.
ويضيف: في المقابل يجب أن نركز على “ما وراء الأرقام”، حيث لا نكتفي بسرد البيانات بل نحلل تداعياتها على الاقتصاد المحلي والسياسة التنموية، فالأرقام المعلنة ليست مجرد إحصائيات، بل هي إنذار بضرورة حماية ما تبقى من الهوية الإنتاجية السورية، فالتجارة الناجحة هي التي تبني الجسور، لا تلك التي تجعل من الاقتصاد مجرد “سوق خلفية” لنمو الآخرين، فهل 2.5 مليار دولار مع تركيا.. تؤدي إلى تعافي الاقتصاد السوري أم يزداد ارتهاناً؟ فالمطلوب هو تحقيق التوازن التجاري، وضرورة تفعيل اتفاقيات تتيح للمنتج السوري الدخول لتركيا لتخفيف العجز التجاري السوري.










