بعد سقوط “الخلافة” الداعشية في عام 2019 بقي التنظيم متواجداً ضمن خلايا صغيرة لا مركزية تنتقل من مكان إلى آخر بشكل علني أحيانا وسري أحياناً أخرى. مع سقوط نظام الأسد ازدادت عمليات التنظيم تواتراً وازداد تنقله من مكان لآخر، وإن كان مستقره الأشهر في البادية بمدينة تدمر تحديداً مستفيداً من تضاريس الصحراء الواسعة ليتمكن من التمويه ومن الاختباء والتنقل والقيام بعمليات القتل أو التفجير التي لم تتوقف أيضاً منذ سقوط نظام الأسد، خصوصاً مع إعلان “هيئة تحرير الشام” حل نفسها بعد استلامها الحكومة، وإعلان تحالفها مع الولايات المتحدة الأميركية لمحاربة الإرهاب المتمثل بـ”داعش”.
لكن التنظيم لا يكتفي بالبادية فقط، هو ينتقل بعملياته “الإرهابية” من دير الزور إلى حلب وريفها إلى إدلب والرقة وحتى حمص ودرعا وريف دمشق، في كل هذه المناطق ثمة خلايا نائمة لـ”داعش” تنتقل متخفية وتقوم بعمليات مباغتة تستهدف عناصر الأمن السوري الجديد والمدنيين، بينما تبدو كل محاولات القضاء على هذا التنظيم نهائياً فاشلة، فلا قسد التي تحمل لواء محاربة “داعش” منذ زمن طويل ولا الولايات المتحدة وقوات التحالف ولا الحكومة الجديدة استطاعت أن تحد من عملياته، نسمع أخباراً عن اعتقالات هنا وهناك أو عن إنزال أميركي لاعتقال أو استهداف شخصية تنتمي للتنظيم دون أن نعرف من هي تلك الشخصية ولا من هم المعتقلون أو المقتولون في عمليات محاربة التنظيم التي يقال إنها تجري على قدم وساق.
وقبل أسابيع وأثناء عقد لقاء أمني عسكري في مدينة تدمر يضم ضباطاً أميركيين قام أحد عناصر الأمن المكلفين بالحماية بتنفيذ هجوم وقتل ضابطين أميركيين والمترجم المرافق للوفد (لم يتم الحديث عن الضحايا السوريين) وهو ما قامت أميركا بالرد عليه في عمليات عسكرية قد تستمر لمدة قد تفوق الشهر كما صرح مصدر رسمي أميركي. هل هذه الحادثة تعني أن هناك اختراق للتنظيم في صفوف عناصر الحكومة الجديدة؟ في الحقيقة إن إيديولوجية التنظيم لا تختلف سوى بتفاصيل بسيطة عن إيديولوجية معظم الفصائل الجهادية التي انضمت إلى وزارة الدفاع مؤخراً: خلفت الحرب الطويلة في سوريا افتراقاً كبيراً في مفاهيم عديدة كالوطنية والعدالة والإيمان بالله، ظروف الحرب واللجوء والعيش في المخيمات أو في محيط لا يوجد فيه أي مختلف وأجيال لم تتح لها الفرصة أصلا لترى شيئا مختلفا عما يحيط بحياتها، كما أن المظلوميات المتراكمة لدى السوريين خلفت حقداً مستداماً كان يتغذى طائفياً ومذهبياً طيلة مدة الحرب سواء من قبل النظام السابق أو من قبل الفصائل المسلحة رغم أن من قاموا بعمليات القتل والتصفية والإجرام كانوا من كل المكونات السورية دون استثناء.
لو افترضنا أن المجتمع الدولي لم يفرض على الحكومة التشاركية الفعلية في السلطة والدولة، أي بناء جيش وجهاز أمن من كافة السوريين هذا أيضاً يعني تغيير عقيدة الجيش الحالية وتبديلها من عقيدة دينية إلي عقيدة وطنية، وهو ما يلزمه خطاب رسمي وإعلامي جديد ومختلف يترافق مع تجريم الطائفية وخطابها الشعبي ووقف التحريض الطائفي ويعني أيضاً وضع خطط تعليمية جديدة تتعامل مع التاريخ السوري بوصفه تاريخ شكلته كل المكونات السورية. كما أنه يعني إعادة تعريف الثقافة وتفعيل دورها في المجتمع وفي بناء الدولة بوصفها الحجر الرئيس في عملية البناء، نحكي هنا عن الإنتاج الثقافي المستقل والرسمي علي كل المستويات هذه بكل الأحوال خطوات طويلة الأمد للنجاة بالأجيال السورية من حالة التطرف وعقيدة تكفير المختلف.
لكن سوريا بحاجة اليوم لحلول إسعافية تمنع تمدد داعش وتفكيره في المجتمع وفي مفاصل الدولة وعقيدتها، وتوقف عمليات القتل العشوائية هذا يحتاج إلي تنسيق دولي وإقليمي لإلزام الحكومة الجديدة بسحب السلاح من المدنيين وتوحيد خطابها نحو جميع السوريين. ويتطلب تعزيز الأمن المعلوماتي القادر على رصد وتعقب الخلايا وكشف أماكن تواجدها ومعرفة ارتباطات أفرادها ضمن المجتمع، عمليات مثل هذه قد تكون أكثر نفعاً من العمليات العسكرية غير المدروسة. يتطلب أيضاً تفعيل قنوات الحوار بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة المؤقتة بقصد تبادل المعلومات حول التنظيم وأشباهه كون قسد معنية بهذا الأمر منذ وقت طويل، واشتراك قسد والحكومة السورية مع قوات التحالف والعراق والأردن ولبنان ليس فقط لضرب داعش بل أيضاً لمنع تدفق المقاتلين والجهاديين عبر الحدود. كما أنه يتطلب إيجاد حل مستدام لملف عائلات التنظيم المعتقلين في سجون قسد ووضع نظام قضائي فعال وعادل يفرض الرقابة القانونية على الجميع.
أما الخطوة الأكثر أهمية في ملف محاربة “داعش” فتكمن في ترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ذلك أن داعش يستثمر في الفوضى وفي الفراغ السياسي والأمني وفي الانهيار الاقتصادي المسبب لمزيد من الفقر الذي يشكل البؤر المناسبة تماماً للفكر المتطرف بكافة أشكاله.
باختصار فإن القضاء على “داعش” لا يكون فقط بعمليات عسكرية تزيد في المظلومية التي يعرف التنظيم كيف يستغلها بجدارة، بل الأهم يكون في إرادة الحكومة المؤقتة بالتغيير الحقيقي والانتقال السلمي الديموقراطي لبناء دولة المواطنة عبر الحوار الحقيقي مع كل مكونات الشعب وعبر نبذ العصبوية المذهبية والاصطفاف الطائفي ومنطق الغلبة الدينية التي تنسف الهوية الوطنية والانتماء الوطني، داعش ليست غولاً كما يراد لها أن تبدو، هي في النهاية تنظيم مصنع في قبو ما يسهل التخلص منه حينما تتوافر الإرادة الدولية.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










