في زمنٍ تتزاحم فيه الشاشات على حياة الأطفال وتنافس الصور السريعة مخيّلتهم، برزت الحافلة الثقافية السورية كمبادرة تحمل رسالة واضحة: الثقافة ليست رفاهية، بل حاجة إنسانية أساسية.
هذه الحافلة التي أطلقتها وزارة الثقافة في الحكومة السورية الانتقالية، لا تشبه وسائل النقل العادية، فهي لا تقلّ ركاباً من مكان إلى آخر، بل تقلّ المعرفة نفسها، وتتنقّل بها من مكتبة إلى ساحة، ومن مركز مدينة إلى قرية نائية، لتعيد وصل ما انقطع بين الإنسان وكتابه.
ما هي الحافلة الثقافية؟
الحافلة الثقافية هي مكتبة متنقّلة مجهّزة بالكتب والقصص والروايات ومواد تعليمية وترفيهية، تجوب المحافظات السورية وفق برنامج منسّق، بهدف تقريب الثقافة من الناس في أماكنهم، وخصوصاً المناطق التي تفتقر لخدمات ومؤسسات ثقافية مستقرة.
تحمل هذه الحافلة فكرة العدالة الثقافية؛ أي أن يكون للطفل في القرية نفس الحق في المعرفة الذي يمتلكه طفل المدينة، وأن تصبح الثقافة جزءاً من الحياة اليومية لا حدثاً موسمياً أو احتفالياً عابراً.
وليس ما تقدّمه الحافلة مجرد كتب تُعرض على رفوف، بل هي مساحة تفاعلية حيّة تشمل: “جلسات قراءة جماعية، فقرة الحكواتي، ورشات رسم وكتابة، مسابقات ثقافية ممتعة، ألعاب تربوية هادفة، أنشطة يشارك فيها الأطفال بشكل مباشر، لا كمشاهدين فقط”.
بهذا الشكل تتحوّل الحافلة إلى مكانٍ مرح وحيّ، لا يشبه القاعة الصفية التقليدية، ولا يعتمد التلقين، بل يحفّز الطفل على المشاركة والخيال والاكتشاف.
لماذا جاءت المبادرة؟
يشرح محمد إرحابي مدير ثقافة ريف دمشق في حديثه لـ”963+”، أن الفكرة لم تكن مجرد نشاط عابر، بل مشروع وطني موجّه لإعادة بناء الصلة بين الأجيال الجديدة والكتاب. يقول: “بعد سنوات طويلة من الانشغال بهموم الحياة اليومية، وبعد أن أصبحت التكنولوجيا هي المصدر الأول للمعلومات، كان لابد من أن نعيد للقراءة مكانها الطبيعي. نحن لا ننافس التكنولوجيا، بل نعيد التوازن، ونعطي للطفل فرصة أن يتعرف على الكتاب كرفيق، لا كواجب مدرسي”.
ويضيف أن المبادرة جاءت استجابة لرؤية وزارة الثقافة في جعل الثقافة فعلاً اجتماعياً، لا رفاهية أو حدثاً نخبوياً. وأن الكتاب يجب أن يصل إلى الناس في أماكنهم، وليس أن ينتظرهم خلف أبواب المؤسسات.
التحديات.. ومرآة الواقع
ورغم التفاعل الكبير من الأطفال، إلا أن الفريق واجه تحديات لا يمكن تجاهلها.
فبحسب إرحابي أحد أصعب ما يواجهونه هو أن بعض الأطفال في الصف الرابع أو الخامس لا يجيدون القراءة بشكل صحيح. هذا يجعل مهمة الحافلة ليست فقط تعزيز حب القراءة، بل معالجة فجوة أساسية في المهارات اللغوية.”
هذه الحقيقة لم تثبط عزيمة القائمين على المشروع، بل جعلتهم يعملون على بناء برامج قراءة تشاركية تعتمد الصوت والحوار والتمثيل، بحيث يشعر الطفل أن القراءة نشاط ممتع، وليست اختباراً لقدراته.
من دمشق إلى بانياس… الثقافة تصعد إلى البحر
وضمن رحلاتها، وصلت الحافلة الثقافية مؤخراً إلى مدينة بانياس الساحلية، حيث تحوّل الشاطئ إلى مساحة ثقافية نابضة بالحياة. فلم يكن المكان مجرد جلسة قراءة، بل كان احتفالاً بالمعرفة يمتزج برائحة البحر وصوت الموج.
وهنا لعب فريق موج التطوعي دوراً محورياً، وتوضح ضياء الرفاعي، مساعدة مدير فريق موج لـ”963+”: “منذ اللحظة الأولى شعرنا أن هذه الحافلة تحمل رسالة قريبة من روح الفريق. عملنا على التنسيق اللوجستي، إعداد المكان، نقل الأطفال، التواصل مع الأهالي، وإدارة التنظيم على الأرض. أردنا أن يشعر الطفل أنه الضيف الأهم في هذا اليوم”.
وقد شارك في الفعالية الحكواتي المعروف عبد الله الترك، الذي قدّم قصصه بأسلوب ممتلئ بالحيوية والإيقاع الصوتي الذي شدّ انتباه الأطفال وجعلهم يعيشون القصة لا يسمعونها فقط.
وتتابع الرفاعي: “التفاعل كان مدهشاً. بعض الأهالي قالوا إنهم يرون للمرة الأولى نشاطاً ثقافياً بهذا القرب منهم. لاحظنا شغف الأطفال بالقراءة التفاعلية، وطلبات لإعادة الفعالية بصورة دورية.”
وخلال تنفيذ الفعاليات، بينت الرفاعي أن فريق موج خرج بثلاثة دروس رئيسية: أولها أن المجتمع جاهز للثقافة أكثر مما نتوقع وكل ما يحتاجه الناس هو مبادرة تقترب منهم، ولا تنتظر حضورهم، بالإضافة إلى ضرورة الشراكات بين المؤسسات الرسمية والفرق التطوعية لأنها تجمع الخبرة التنظيمية مع القدرة على الوصول المجتمعي الحقيقي، إلى جانب أن الطفل لا يحتاج إلى كثير من الإبهار.. يكفي محتوى صادق ومكان آمن للمشاركة.
إلى أين تتجه الحافلة بعد ذلك
تستعد وزارة الثقافة لإطلاق مرحلة جديدة من المشروع، تشمل: حلب ودير الزور وحمص وطرطوس وإدلب، إضافة إلى تجهيز حافلات متنوعة تعمل بالتوازي لتغطية أوسع مساحة ممكنة.
كما يجري التحضير لبرنامج خاص بمناسبة يوم الطفل العالمي يتضمن عروض حكواتي كبرى، ومهرجانات قراءة، وأنشطة أسرية تجمع الطفل مع والديه في جلسات قراءة مشتركة.
أما فريق موج، فهو أيضاً يستعد لفعاليات قادمة تضم مهرجان أيلول ومشروع بانياس بتحلو بنسخ مطورة، مع أفكار لخلق مساحات فنية للأطفال يتبادلون فيها كتبهم وتجاربهم.
الحافلة الثقافية ليست مجرد مركبة عليها مكتبة صغيرة. إنها جسرٌ صغير، لكنه ضروري، يعيد بناء علاقة بطيئة، صادقة، وعميقة بين الطفل وكتابه. هي دعوة مفتوحة لزراعة بذرة وعي الآن، كي تُثمر غداً إنساناً فخوراً بذاكرته الثقافية، بهويته، وبحقه في المعرفة.










