ليس فقط في الملكيات الخاصة والعامة هناك محاكم قضائية لفض النزاعات بين الأشخاص أو الأطراف بل كذلك في الدراما هناك محاكم درامية تختص في فض النزاعات القضائية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية في مجال الإنتاج الفني والدرامي. وتستند أغلب هذه المحاكم إلى قوانين حقوق المؤلف والحقوق المجاورة التي تُقرّ بحماية النصوص الأدبية والسينمائية والموسيقية، لكن التحدي الجوهري يكمن في أن القانون لا يحمي “الأفكار” بحد ذاتها، بل التعبير عنها فقط، أي الشكل النهائي المكتوب أو المصوّر للفكرة وهذا يعني أن التشابه في الفكرة العامة بين عملين لا يُعد جريمة، إلا إذا ثبت أن هناك نُسخاً جزئية أوكلية للنص أو للحبكة أو للشخصيات أو للحوارات.
وبدأت ظاهرة المحاكم الدرامية منذ بدايات هوليوود في أربعينيات القرن الماضي، حيث رُفعت أولى القضايا ضد شركات الإنتاج الكبرى عندما ادعى كتاب مستقلون أن أعمالهم السينمائية قد سُرقت بعد تقديمها إلى المنتجين وأشهر هذه القضايا كانت عام 1947، حين اتهم الكاتب الأميركي بول غالّيكو استديوهات “”Paramount بسرقة قصته وتحويلها إلى فيلم دون موافقته ومنذ ذلك الوقت، أصبحت النزاعات بين الكتّاب المستقلين والاستديوهات الكبرى ظاهرة دورية.
اقرأ أيضاً: سلاف فواخرجي تُنهي تصوير فيلمها الجديد وتصفه بأهم محطّات مسيرتها – 963+
ويقول الكاتب الصحفي ثائر ساري إن مع تطور التكنولوجيا وظهور الإنترنت، ازدادت القضايا تعقيداً خاصة مع سهولة تداول النصوص وتبادلها عبر البريد الإلكتروني ومنصات الإنتاج المشتركة، ما جعل إثبات الملكية الفكرية أكثر صعوبة.
ويضيف ساري في تصريحات لـ “963+”، المحكمة تتدخل في قضايا حقوق الملكية بهدف تحديد ما إذا كانت “الفكرة” قد عُولجت بأسلوب فريد، أم أن المنتج أو المخرج استنسخ عناصرها بشكل واضح، وفي هذا الإطار تلعب الخبرة الفنية دوراً حاسماً، حيث تستعين المحاكم عادة بخبراء في الكتابة الدرامية لتحليل النصوص ومقارنة المشاهد والحبكات.
وعرفت الساحة العالمية قضايا شهيرة شكّلت سابقة قانونية في هذا المجال ففي عام 2014، رُفعت قضية ضد شركة “Fox” بتهمة سرقة فكرة مسلسل “New Girl” من كاتبة مستقلة كانت قد أرسلت نصاً مشابهاً للشركة قبل عامين ورغم هذا التشابه الكبير في الخطوط العامة، رفضت المحكمة الدعوى لعدم تطابق التفاصيل الفنية الكافية.
وفي عام 2018، أثارت قضية الكاتب تشارلز نيكولاس ضد Netflix ضجة بعد اتهامه إياها بسرقة فكرة مسلسل “Stranger Things”. القضية استمرت عامين وانتهت بتسوية خارج المحكمة، ما يعكس صعوبة الفصل بين التأثر الفني والتقليد المتعمد.
أما في العالم العربي تكررت هذه القضايا بين كتاب وكتابات ضد شركات إنتاج اتهمت بتغيير أسماء المسلسلات وإعادة إنتاجها دون إذن، لكن ضعف التشريعات الخاصة بالملكية الفكرية جعل أغلب هذه القضايا تتوقف عند حدود الجدل الإعلامي دون حكم قضائي حاسم.
اقرأ أيضاً: كيف يصنع فراس السلكا أعواداً تحمل روح دمشق؟ – 963+
وتخضع حماية النصوص الدرامية لقوانين وطنية واتفاقيات دولية، أهمها: اتفاقية برن لحماية المصنفات الأدبية والفنية التي تضمن حماية العمل تلقائياً بمجرد إنجازه دون الحاجة للتسجيل واتفاقية الويبو (WIPO) التي تنظم الحقوق الرقمية والتوزيع عبر الإنترنت. بالإضافة إلى القوانين الوطنية مثل قانون حق المؤلف الأمريكي (Copyright Act) أو قانون حماية المصنفات الأدبية في فرنسا.
ويؤكد الناقد الصحفي حمزة العلي في تصريحات لـ “963+”، على أن هناك الكثير من الكتاب الشباب يقدمون أفكارهم لشركات الإنتاج الكبرى على أمل التعاون، ليُفاجؤوا بعد ذلك بإنتاج أعمال تحمل نفس الفكرة بعد تعديل بسيط في الأسماء أو الأحداث، وهنا لا يمكن دائماً إثبات السرقة قانونياً لهذا ظهرت في بعض الدول مؤسسات توثيق الأفكار الدرامية عبر التسجيل الزمني الإلكتروني أو إيداع النص في نقابات الفنانين والكتاب.
وبحسب العلي فإن المحاكم الدرامية قد تؤثر إلى حد ما على بيئة الإبداع الحر بشكل سلبي كونها تولد الخوف لدى الكتاب من عرض أفكارهم، ولدى المنتجين من استقبال نصوص جديدة خوفاً من الملاحقة، لكنها بالمقابل ساهمت في رفع مستوى الوعي بالملكية الفكرية، ودَفعت الشركات الكبرى إلى تطوير سياسات قانونية صارمة لمراجعة النصوص قبل إنتاجها.










