هل ما زلت تتذكر صوت جدك وهو يحكي عن أيام زمان؟ حين كان يجلس على مصطبة البيت الحجري، تعبق رائحة الياسمين في الأزقة، ويضحك بحنين، يقول: “آه يا ابني، كان الحكواتي سيد السهرة.. ما في ليل بدون حكاية”. كان يحكي كيف يترك كل شيء في البيت ليهرع إلى مقهى الحارة، ينتظر الرجل الذي يحمل بين يديه الدنيا كلها: الحكواتي.
في دمشق القديمة، حيث تختلط رائحة القهوة بالذكريات، ويختلط صدى المآذن بصوت الباعة، وُلدت مهنة الحكواتي. تلك الشخصية التي لم تكن مجرد راوٍ للقصص، بل فنان شامل: ممثل وشاعر ومؤرخ وفيلسوف شعبي. كان الحكواتي يدخل مجلسه حاملاً كتاب “سيرة عنترة” أو “الظاهر بيبرس”، ليبدأ عرضاً يأسر الجمهور بصوته المتلون وحركاته التعبيرية التي تجعل القصة تنبض بالحياة.
مقاهي دمشق الشهيرة، مثل مقهى النوفرة قرب الجامع الأموي، كانت مسرحه الطبيعي. يجلس الناس في دوائر متقابلة؛ هذا يحتسي القهوة، وذاك يشعل نرجيلته، والكل يصغي للحكاية كما لو أنها صلاة مسائية تُقام بإخلاص.
صوت الناس وذاكرة المدينة
لم يكن الحكواتي وسيلة ترفيه فقط، بل شكلًا من أشكال الذاكرة الجماعية. من خلال قصصه، نقل البطولات الشعبية والحكايات التاريخية، وأشار إلى الظلم والشجاعة والكرامة. كان راوياً لثقافة شعب أحب أن يروي عن نفسه قبل أن يروي عنه الآخرون. هكذا تحولت الحكايات إلى مرآة تعكس القيم والأحلام وتواجه التحولات الكبرى التي عاشها الناس.
من المقهى إلى الشاشة
لكن الزمن تغيّر. المقاهي القديمة تراجعت أمام زحف التكنولوجيا، وصار الناس يقضون أمسياتهم أمام الشاشات. تحول الحكواتي من نجم المجالس الليلية إلى ذكرى يرويها الجد بحسرة، ووجهٌ قديم في صور أبيض وأسود. ومع ذلك، فإن صورته لم تمت، بل تغيرت ملامحها.
اليوم، أصبح الحكواتي صانع محتوى يظهر أمام الكاميرا، يروي قصصه على “يوتيوب” و”تيك توك”، أو يقدم حلقات رمضانية قصيرة. الحكايات صارت أخف وأقصر لتناسب إيقاع العصر السريع، لكن الحاجة إلى القصص لم تتغير.
الجيل الجديد لا يعرف الحكواتي على كرسي خشبي، لكنه يعرف من يروي قصة ملهمة في دقيقة، والمذيع الذي يفتتح نشرته بجملة مشوّقة، والممثل الذي يعرض وجع وطن على شاشة صغيرة. كلهم امتداد لذلك الحكواتي الذي كان يوقظ الخيال ويشحذ الذاكرة، وإن اختلفت الأدوات.
أبو صطيف… صوت الحكاية في العصر الحديث
أبو صطيف سكر، أحد الحكواتيين المعاصرين الذين يقدّمون هذا الفن في العديد من المحافل السورية، محافظاً على مهنة توشك على الاندثار.
يقول أبو صطيف لـ”٩٦٣+” إن بدايته مع الحكواتي كانت شغفاً ورغبة، ولم تكن موروثة عن الأجداد، بل اكتسبها بالموهبة والبحث والمثابرة. ويضيف أن من أهم الصفات التي يحتاجها الحكواتي ليأسر جمهوره: الحضور القوي، والفطنة، وفن الإلقاء، وقدرته على إشراك الحضور في كل لحظة.
ويتحدث عن التغيّر الذي أصاب المهنة قائلاً: “زمان كان الحكواتي نجم ليالي رمضان بعد التراويح، يُروي قصص الفروسية والشعبية عن عنترة وأبو ليلى المهلهل لمدة ثلاثين يوماً تقريباً، اليوم، مع السوشال ميديا، تغيرت الذائقة وأصبح الجمهور يفضل القصص القصيرة التي لا تتجاوز عشر دقائق. السرعة أخذت مكان العمق، لكن التفاعل مستمر، ولو بشكل مختلف”.
ويشير إلى أنه يختار قصصاً تلائم الجيل الحالي، مستمدة من الواقع ويوميات الناس، مع لمسة من روح الشام وعادات أهلها، مع تشديده على ضرورة أن تحمل القصص رسائل اجتماعية أو سياسية عن البطولات والثورات وقيم المجتمع. ويقول: “في إحدى الفعاليات روينا قصة عن صلاح الدين الأيوبي، ولاقت تفاعلاً كبيراً، لأنها كانت شامية الأصالة وأثرت في الجمهور”.
ويرى أبو صطيف أن الحكواتي أكثر من مجرد صانع محتوى: إنه صاحب جذور تاريخية وتراثية تعيد الموروث الشعبي الذي اندثر منذ خمسين عاماً. ويحلم بنشر هذا الفن في دمشق كلها، وتعليمه لأولاده وأحفاده، كي يبقى جزءاً من الوعي الثقافي للأجيال القادمة.
روح الحكواتي باقية
اليوم، في زوايا دمشق القديمة، ما زال هناك من يحاول حماية هذا الفن من النسيان. بعض المقاهي تستعيد المشهد ولو في مناسبات محدودة، بينما يحمل الشباب الحكاية إلى الفضاء الرقمي، محتفظين بجوهرها الإنساني.
الحكواتي ليس مجرد مهنة قديمة، بل رمز لفطرة الإنسان في السرد، ولحاجته العميقة للتواصل والتأمل. إنه صدى مدينة لا تتوقف عن الكلام، حتى وإن تغيّر شكل الصوت أو مكانه. فالحكاية الحقيقية تبقى حيّة، ما دام هناك من يقول: “كان يا ما كان…”.










