في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا لتفرض حضورها في تفاصيل الحياة كافة، برزت أسماء سورية استطاعت أن تترك بصمة واضحة رغم قسوة الظروف ومعاناة اللجوء. من بين هذه الأسماء تبرز المهندسة المعلوماتية والمدرّبة في مجال الذكاء الاصطناعي فاطمة ملحم، المقيمة في فرنسا، والتي تعمل على نشر المعرفة ومشاركة خبرتها مع المتعلمين العرب حول العالم.
في هذا الحوار الخاص مع “963+”، تروي فاطمة تفاصيل رحلتها الشخصية والمهنية، بين تجربة اللجوء والتحديات السياسية والاجتماعية التي واجهتها كامرأة سورية معارضة، وصولاً إلى مشاريعها الأكاديمية وطموحاتها ورسالتها للأجيال القادمة.
كيف بدأت رحلتكِ مع المعلوماتية، وما الذي شكّل شخصيتك التعليمية منذ البداية؟
منذ طفولتي كان حلمي أن أصبح مهندسة، وكنت أنزعج حين يناديني المعلمون بـ”دكتورة المستقبل”. كنت أصرّ: “أريد أن أصبح مهندسة”. في البداية كنت أميل إلى الهندسة المعمارية، إذ أعجبت بالبيوت الدمشقية القديمة وأحلم بتشييد ما يشبهها، لكن مع ظهور اختصاص “هندسة المعلوماتية” في سوريا قررت أن أغيّر وجهتي نحوه.
درست المعلوماتية في جامعة دمشق، وعملت في وظائف حكومية وأكاديمية، حتى أصبحت رئيسة لدائرة المعاهد في جامعة حمص التي ضمت تسعة معاهد. درّست لغات البرمجة في كلية العلوم والمعهد التقاني للحاسوب، وكانت لي تجربة غنية في التعليم الجامعي. ومع بداية الثورة السورية انتقلتُ إلى لبنان، حيث أدرت مدرسة خيرية للاجئين السوريين. لاحقاً، ومع أزمة كورونا، تولّيت تدريب 40 معلماً على تكنولوجيا التعليم والمنصات الرقمية، وهناك اكتشفت شغفي بالتدريب عن بُعد. هذه التجارب أكسبتني خبرة عملية وتربوية، وأكدت لي أن الاستثمار الحقيقي يكمن في التعليم.
اقرأ أيضاً: إنجازات نسائية في المهجر تغير الصورة النمطية – 963+
بعد تجربة لبنان، ما أبرز الصعوبات التي واجهتك عند الانتقال إلى فرنسا، وكيف تغلبتِ عليها؟
كان الانتقال اضطرارياً بسبب حالة صحية تخص ابني، إذ لم يعد الوضع في لبنان يسمح باستكمال علاجه. ورغم إنجازاتنا في مجال التعليم هناك، ظلّ عملنا يُصنَّف ضمن “التطوع” دون اعتراف رسمي بحقوقنا أو مؤهلاتنا. بعد عشر سنوات شعرنا أننا قدّمنا الكثير للجيل الجديد دون أن ننال المكانة التي نستحقها.
ومع ذلك، التجارب الصعبة في لبنان منحتني خبرة حياتية واسعة ساعدتني على مواجهة التحديات في فرنسا بمرونة أكبر. بدأت أولاً بمعادلة شهادتي السورية، وهو أمر لم يكن سهلاً لكنه تحقق، ثم واصلت رحلتي عبر دورات تدريبية إضافية. أخيراً اتخذت قراراً بتأسيس شركة خاصة للتدريب والتعليم، واليوم أعمل على تدريب معلمين ومعلمات عرب على استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، ولديّ عقود مع مدارس لتأهيل كوادرها. أعتبر هذه الخطوة بداية جديدة بفضل الله.
كونكِ امرأة سورية ومعارضة سياسية للنظام السابق، كيف شكّل ذلك حياتك المهنية والشخصية؟
دفعتُ ثمناً مهنياً وسياسياً لموقفي. صحيح أنني لم أتعرض لأذى مباشر بفضل دعم أسرتي، لكنني شهدت الظلم بعيني: المظاهرات السلمية التي قوبلت بالرصاص، والشباب المثقفون الذين قُتلوا. أدركت حينها أن الوقوف في وجه الظلم واجب أخلاقي حتى لو لم يمسني شخصياً.
هذا الموقف جعلني أترك الجامعة وأتنقل داخل سوريا بلا استقرار، إلى أن اضطررت للخروج إلى لبنان. هناك كرّست جهدي للتعليم والتطوع في خدمة الطلاب السوريين، رغم الظروف الصعبة. لاحقاً، كامرأة ومعارضة سياسية، دفعت ثمناً مضاعفاً. حرمت من بعض الحقوق المدنية والمهنية، واضطررت للرحيل بحثاً عن بيئة أكثر إنصافاً. ومع ذلك، ظلّ إيماني بأن التعليم هو السلاح الأقوى، وأن بإمكان المرأة أن تساهم في السياسة والتكنولوجيا إذا امتلكت بيئة داعمة كما حظيت بها من أسرتي.
ما دور المرأة في التكنولوجيا والسياسة، وما رسالتك لكل النساء اليوم؟
أرى أن المرأة أثبتت قدرتها في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي، لكن الواقع لا يزال مليئاً بالعراقيل. التقدم ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب جهداً مضاعفاً وإصراراً على مواجهة التحديات. شخصياً، واجهت محاولات تهميش، لكن دعم عائلتي منحني الثقة لأكسر الصورة النمطية التي تقول إن السياسة “للرجال” فقط.
رسالتي لكل امرأة تحمل موقفاً سياسياً أو مهنياً واضحاً: لا تخافي. حان الوقت لأن تتصدّري المشهد وتتركي أرضية صلبة تكمل عليها الأجيال القادمة. التغيير يبدأ بخطوة شجاعة، ولو دفعت ثمناً في البداية، فإنكِ تفتحين الباب أمام كثيرات غيرك.
الذكاء الاصطناعي يحوّل العالم… كيف ترينه في التعليم، وما المهارات التي يجب أن يكتسبها الجيل الجديد؟
الذكاء الاصطناعي اليوم يشبه الكهرباء عند ظهورها: لم يعد خياراً بل ضرورة ستزداد أهميتها في المستقبل. لذلك أنصح الجميع بدراسته وفهمه. لكن الأهم أن يمتلك الجيل الجديد مهارات التفكير العليا: التفكير النقدي، الإبداعي، وحل المشكلات. هذه القدرات تجعلهم قادرين على استخدام الذكاء الاصطناعي بوعي، لا كمستهلكين سلبيين.
من خلال تدريبي للمعلمين والطلاب ألاحظ أن التحدي الأكبر هو الحاجز النفسي تجاه التكنولوجيا، إذ لا يزال البعض يتوجس منها. لكنني أؤمن أن تجاوز هذا الحاجز لم يعد خياراً. الجيل القادم بحاجة لوعي يواكب سرعة التطور، وعلينا أن نهيئه لذلك.
أثناء تدريبك أونلاين، ما أبرز التحديات التي تواجهينها، وما أكثر الأسئلة التي يطرحها المتدربون؟
التحديات متعددة، أبرزها تفاوت المستويات والخلفيات الثقافية، إضافة إلى الانبهار السطحي الذي تروّجه وسائل التواصل الاجتماعي. كثيرون يأتون مقتنعين بأن الذكاء الاصطناعي مجرد “تريند”، لكن حين نشرح المفهوم الحقيقي وأهدافه وتطبيقاته العملية، تتغير نظرتهم ويبدؤون بطرح أسئلة أعمق تتعلق بالوظائف المستقبلية والمهارات المطلوبة.
أما الأطفال فأشرح لهم الذكاء الاصطناعي من خلال فكرة “التعلم التدريجي”، كالطفل الذي يبدأ بكلمات بسيطة ثم يطورها. للكبار أختصره بجملة واحدة: هو قدرة الآلات على محاكاة الذكاء البشري.
اقرأ أيضاً: عباس الفاعوري لـ”963+”: من الخيمة إلى الفضاء كل إنسان قادر على الحلم – 963+
هناك خوف من أن يهدد الذكاء الاصطناعي الوظائف… كيف يمكن التمييز بين المخاطر والفرص؟
الخوف مبرّر، خاصة وأن تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي تشير إلى اندثار وظائف كثيرة خلال السنوات المقبلة. لكن في المقابل، ستُستحدث وظائف جديدة بأعداد ضخمة. لهذا أركز دائماً على توعية المتدربين بالمهارات التي ستكون مطلوبة، مثل تحليل البيانات والتفكير النقدي، حتى يكونوا مستعدين للفرص بدلاً من الاستسلام للمخاوف.
ما أهم الدروس والقيم التي تحرصين على نقلها للجيل الجديد من خلال مسيرتك؟
أؤمن أن التعليم لا ينفصل عن القيم، لذلك أركز على ثلاثية: “تربية – تعليم – تكنولوجيا”. أحاول أن أزرع في طلابي الثقة بأنهم صناع قرار قادرون على التأثير عالمياً. ونصيحتي للشباب أن يكونوا عصاميين، يصنعوا من اللاشيء شيئاً، وألا ينظروا إلى الجامعة كغاية بل كبداية.
أما على المستوى الشخصي، فحلمي أن أترك بصمة عالمية عبر كتاب أو سلسلة دورات تدريبية تحدث أثراً ملموساً في التربية والتعليم المدعوم بالتكنولوجيا. أؤمن بمقولة أحب تكرارها: “دورنا أن نوقد شعلة الابتكار داخل الأطفال، فإذا أشعلناها أكملوا هم الطريق”.
ماذا حملتِ معك من سوريا، وكيف ترغبين أن يتذكرك الناس بعد سنوات؟
رغم خروجي من سوريا، بقيت مرتبطة بها روحياً وهويةً. كنت حريصة دائماً على أن أعرّف الآخرين بالصورة المشرقة للسوريين: الأخلاق، العمل المتقن، الالتزام. أردت أن أثبت أن السوريين لا يكونون عبئاً في أي مكان، بل يقدمون قيمة حقيقية لأنفسهم وللشعوب التي يعيشون بينها.
أحب أن يتذكرني الناس كامرأة ملهمة أثّرت في الآخرين. كثير من الطالبات يراسلنني قائلين إنهن اخترن دراسة الذكاء الاصطناعي بسببي، وهذه الرسائل تعني لي الكثير، لأنها الامتداد الحقيقي لمسيرتي.
ما رؤيتك المستقبلية لسوريا ولجيل المبتكرين في عصر التكنولوجيا؟
أؤمن أن سوريا ستنهض من جديد، وأن تنوعها هو سر قوتها. أحلم بالعودة يوماً لإطلاق مشروع أكاديمي فيها بإذن الله. أما رسالتي الأوسع فهي أننا بحاجة إلى جيل من المبتكرين وصنّاع القرار، ومع التكنولوجيا أصبح ذلك ممكناً. علينا أن نرفع أعيننا دوماً نحو الطموح العالي، ونؤمن أن الإرادة قادرة على تحويل أصعب الظروف إلى فرص.










