مانفكرت مرة في أفضل تعريف للرواية الجيدة، وبعد لأي قررت أنها تلك التي تشدّك من بداياتها، ولا تتركك، حتى بعد أن تنهيها. رواية “خيانات لم يرتكبها أحد” للشاعر والروائي السوري محمد ديبو هي بالتأكيد واحدة من هذه الروايات القليلة التي تتلبّسك كما تتلبسك الشياطين، فتمسك بتلابيبك ولا تتركك ترتاح بعد أن تهي قراءتها.
أحداث الرواية تجري في أيام الثورة السورية، ولكنها تعود بنا سنوات، بل عقوداً وقروناً إلى الوراء. تصحو مريم، الطبيبة القروية التي أجادت الطب، ولكنها لم تخرج من عالم قريتها التي رسمت لها حدود معرفتها خارج اختصاصها، وهي تحس بانقباض شديد. وعلمت حينها أن أخاها حمزة قد قتل. “كانت قد استيقظت قبل ساعة، على وقع ضربات متتالية ومتتابعة من الألم، ألمٍ تعرفه جيدا، ويأتيها كرسول ينذر بما هو قادم، مع فارق أن رسولها لا ينبئ إلا بالكوارث”.
تتمتع مريم بهذه الميّزة، يأتيها دوما حدْس بالأشياء السيئة التي ستقع فيها، وغالبا ما تحتفظ فيها لنفسها، لأنها لا تحب أن تكون نذير شؤم. بعد الحديث عن هذا الحدس، تفتح الرواية على تاريخ أسرتين تعيشتا سنوات طويلة قبل أن يفرّق بينهما الخوف المتبادل وسوء الفهم. عائلة الحكيم وعائلة طيفور.
يحضر إبراهيم الحكيم (الشيخ جبل) في السرد ككيان رمزي يتجاوز حدود الحكاية. إنه المؤسس الثاني للطائفة العلوية في سورية، فهو إذن مكافئ لمحمد بن نصير الذي أسس الطائفة قبل أحد عشر قرنا. ولكنه أيضا مثيلٌ لموسى، فقد هرب بشعبه من بطش السلطنة العثمانية، ولكن ليس إلى أرض اللبن والعسل، بل إلى جبال قاسية تحميهم من أعدائهم، ربما، ولكنها لا تحميهم من المسغبة. في هذا الفضاء المنعزل، الذي يكتنفه الرمز أكثر مما يحدّه الجغرافيا، يغدو الشيخ ملاذا لجماعة مثقلة بالخوف، يسعى إلى ترسيخ إيمان فطري بالجماعة الممتدة إلى الوطن، قبل أن تتفتّت الطائفة بين الأحزاب والصراعات.
تضعه الرواية في قلب معارك الانتداب الفرنسي، مشاركًا في ثورة الشيخ صالح العلي، إلى جانب أصوات وطنية أخرى كسلطان باشا الأطرش. لكنه لا يُقدَّم كمقاتل فحسب، بل كحكيم يحمل فلسفة إنسانية عميقة، ويظل إرثه العائلي حاضرًا كظلّ ثقيل على الأجيال اللاحقة: أبناؤه الثلاثة يتوزّعون بين العقائدية البعثية التي تعود في النهاية إلى الدين، واليسار المغامر الذي يضحي بعمره في السجون، وضابط الأمن الذي لا يمانع في أن تستخدم زوجته جسدها لكي يتسلق المناصب الأمنية العليا.
أما حفيدته مريم، فهي تحمل كلماته في ذاكرتها، كأنها تحاور بها قرنًا كاملًا من تاريخ الطائفة والبلد. هكذا يغدو إبراهيم الحكيم شخصية مؤسِّسة في الرواية، صلة وصل بين مذابح العثمانيين، مقاومة الفرنسيين، ومآسي الثورة السورية في 2011.
في المقابل، تبرز عائلة طيفور الحموية كمكافئ سنّي للعائلة العلوية، ليست نقيضا ولا ضدّا، بل الشريك والصديق.. والحبيب أيضا. انبنت العلاقة بين الأسرتين على روابط صداقة متينة جمعت حسن الحكيم وخالد طيفور في خمسينيات القرن الماضي، حين خاضا معاً نضالاً ضد الإقطاع في سياق حركات يسارية رفعت شعار العدالة الاجتماعية. هذه الصداقة، التي امتد أثرها إلى أبنائهما في سبعينيات القرن الماضي، سرعان ما تحوّلت في ثمانينياته إلى قطيعة جارحة، بعدما وُضع خالد في موقع الاتهام بالتواطؤ مع الإخوان المسلمين خلال انتفاضة حماة، في حين أصبح حسن جزءاً من آلة القمع البعثية.
تتجلى آثار هذه القطيعة في الجيل التالي. عائشة وبكر، ابنا خالد، يرتبطان بذكريات طفولة مع مريم وأخيها حمزة، في مشاهد لعب وحكايات حب بريئة تُجسّد وجهاً آخر لسوريا الممكنة، حيث تغيب الحدود الطائفية لصالح إنسانية بسيطة وواضحة. لكن اندلاع العنف في حماة أجبر عائلة الحكيم على الرحيل، فانكسر رابط الطفولة وتحوّل إلى ذكرى فاجعة. علاقة مريم ببكر، التي حملت ملامح حب طفولي خجول، سرعان ما تبعثرت مع انسداد الأفق السياسي وتحول المدينة إلى مسرح للدمار.
وتماما عندما تنسى مريم آل طيفور وحب طفولتها، بكر، تجده أمامها في رحلة هروبها إلى الأردن، بعد أن كشفت زيف ادعاءات السلطة. في السيارة التي تنقلهم، وقد هوية أخرى وضعت على رأسها حجابا، يبر أمامها وجه ما، “يتضح ويغيب، يسطع ويتموّج،” وجه “لم يغادر ذاكرتها قطّ.” إنه بكر، حب طفولتها، وقد أطلق لحيته، وتحول إلى شخص آخر. قرابة نهاية الرواية، سنعرف كيف أدى اعتقال أخواله وإذلال مدينته في تحوله إلى شخص راديكالي، يريد طرد “البعثيين والعلويين من السلة.” وحين تسأله أمه إن كان يعرف أن أباه كان بعثيا، يجيب بكل ثقة: “أبي كان كافرا.” جمعتهما سيارة واحدة كانت متجهة إلى الأردن. عرفته مريم وعرفها. ولكننا لن نعرف قط ما الذي حدث بينهما، لأن مريم تختفي في نهاية الرواية. لم تصل إلى الأردن، ولم يعرف لها أي مصير. تبخرت وكأنها دولة قهوة تركت على نار هادئة، فلم يبق من الماء أثر.
بهذا المعنى، تُستخدم عائلة طيفور في الرواية لإضاءة مسار كامل من التاريخ السوري: فهي تجسد إمكانية الوحدة الوطنية حيناً، وانكسارها تحت وطأة الاستبداد والطائفية حيناً آخر. خالد، الذي كان يوماً صديقاً ورفيق سلاح، يصبح ضحية انتمائه الطائفي وخسارة صداقته، فيما يجسّد أبناؤه البراءة المهدورة والذاكرة المفقودة. عبر هذا المسار، يتضح كيف تحوّلت الصداقات الشخصية إلى خيانات جماعية، لا لأن أحداً ارتكبها مباشرة، بل لأنها نتاج تاريخ مثقل بالخوف واستبداد بارع في إعادة إنتاج الانقسام.
من أين تأتي الرواية؟
تأتي الرواية من أماكن عدة، ولكن مصدرها دائما الواقع. جاءت فكرة قصة آنا كارينينا من حدث مأساوي لامرأة ألقت بنفسها أمام قطار، بالإضافة إلى استلهام شخصية آنا من ماريا هارتونغ، ابنة الشاعر الروسي بوشكين، والتي تشبهها في مظهرها. أما دوستويفسكي فكتب الجريمة والعقاب تحت تأثير تجاربه الشخصية القاسية مع الفقر والديون، بالإضافة إلى فترة وجوده في معسكر العمل السيبيري، التي أثرت بشكل كبير على مواضيع الرواية وشخصياتها. كما تركت فترة نفيه بصمة على تصوره للقضايا الأخلاقية والشعور بالذنب والخلاص.
بدأت فكرة رواية خيانات لم يرتكبها أحد من تجربة شخصية مؤلمة للمؤلف، بعد إطلاق سراحه من المعتقل في نيسان (أبريل) 2011، عندما زار قريته ليجد عبارات اتهامه بالخيانة مكتوبة على جدران المنزل والقرية، مثل “يسقط الخائن العميل محمد ديبو”. ما آلم محمد أن الإساءة لم تستهدفه فحسب، بل طالت أهله، بسبب مقاومته للاستبداد، مما ترك جرحاً عميقاً. مع عودته إلى دمشق وانخراطه في الثورة، جمع ديبو وثائق عن حوادث مشابهة ضد ناشطين آخرين، محاولاً فهم آليات الاستبداد.
رواية متعددة الثيمات
خيانات لم يرتكبها أحد رواية متعددة الثيمات، لكن الخيانة هي النواة المركزية. تبدأ بحدث درامي: مريم، الطبيبة المؤيدة لنظام الأسد، تنتظر جثمان أخيها حمزة في قرية “جبل الزيتون” بالساحل السوري، لتُخبر أنه خائن لا شهيد. هذا يدفعها إلى رحلة بحث تغير حياتها، تقودها إلى مواقع كانت ترفضها سابقاً.
توسع الرواية منظورها لتشمل موقع الطائفة العلوية في التاريخ السوري الحديث (منذ قرن تقريباً)، مع عودة إلى الماضي البعيد لتاريخ الطائفة، بما في ذلك مجازر وتهجير تحت الحكم العثماني. تسأل: كيف استغل نظام الأسد الطائفة كحجر أساس في حكمه الاستبدادي؟ ما أدوات تفريغها من عناصر المقاومة؟ ما مخاوفها من الآخر؟ ما دور الدين العلوي السري؟ هل نجح الأسد في اختراقه؟ هل كانت الطائفة كلها موالية؟
ترصد الرواية، التي تتقاطع مع الطبقي، الديني، السياسي، والاقتصادي، في سياق روائي شبكي غير خطي، يقرأ مصائر الشخصيات ضمن تاريخ سوريا الحديث، التغيراتِ السياسيةَ والاقتصادية والاجتماعية في سوريا من الخمسينيات إلى الثمانينيات (انتفاضة إسلامية مسلحة)، مروراً بالثورة 2011. تتناول نضال أربعة أجيال: ما قبل الاستقلال، سنوات الاستقلال الأولى، الثمانينيات، والحاضر. الفضاءات المكانية: الساحل السوري، دمشق، وحماة (حيث عاشت مريم طفولتها قبل مغادرتها بسبب “خيانة” صديق والدها).
مسارات متقاطعة
حبكة الرواية مبنية على ثلاثة مسارات متشابكة:
- تاريخ أسرة الحكيم، بدءاً من الجد (رجل دين قاتل في ثورة الشيخ صالح العلي ضد الفرنسيين)، إلى أبنائه: حسن (بعثي مؤسس، والد مريم)، محمود (معارض يساري سجن 10 سنوات)، فواز (ضابط أمن يراقب إخوته). الجفاء بينهم بسبب خلافات سياسية وشخصية، تتأجج مع الثورة.
- مسار البلد: بين ثمانينيات القرن الماضي (انتفاضة الإخوان المسلمين) والثورة 2011، عبر تقاطع عائلتي مريم وصديق والدها خالد طيفور (من حماة). يروي صداقتهما منذ الخمسينيات ضد الإقطاع، وطفولة مريم وحمزة مع أبناء خالد (عائشة وبكر)، حيث تنشأ علاقة حب طفولية بين مريم وبكر، تنكسر بسبب هروب العائلة من حماة في الثمانينيات.
- رحلة مريم: التي تشبه رحلة أوديسيوس الباحث عن وطنه، أو جلجامش الباحث عن الحقيقة وسر الموت. مريم ببساطة تبحث عن سر مقتل حمزة، تقودها إلى زملائه في الميليشيات (تكشف جرائمهم)، ثم عائلة عمها المعارض، محمود وابنه مكسيم. تنتهي بنهايات غير متوقعة، مع حبكة محكمة تناسل فيها الحكايات.
حمزة: الشخصية الغائبة الحاضرة في بنية السرد
الشخصية الرئيسية في الرواية شخص رجل ميت. هي شخصية حمزة، أحد أكثر العناصر تعقيداً وتكثيفاً للثيمات المركزية: الخيانة، الهوية، والذاكرة. وعلى خلاف شخصيات أخرى تُقدَّم عبر حضورها المباشر في الأحداث، فإن حمزة يتسلل إلى النص كظلٍّ، كغائب حاضر، تتقاطع حوله الأسئلة وتتشابك فيه مسارات الحب والخذلان والموت. إنه الشخصية المحورية التي يعود جثمانها إلى قرية جبل الزيتون متهماً بالخيانة، لا كشهيد كما كان متوقعاً، مما يشعل رحلة مريم البحثية عن الحقيقة، ويكشف طبقات من الخداع السياسي والطائفي. كان حمزة شاباً مسالماً وحنوناً، يتسم بالخجل الطفولي والرقة في صوته، مع إيحاءات بأنوثة في تقاسيم جسده تجعله يتحدى النمطية الاجتماعية في مجتمع محافظ، حيث يُوحي الوصف بكونه مثليَّ الجنس، مما يضيف بعداً إنسانياً عميقاً يتحدى التابوهات الجنسية كما يؤكد ديبو في مقابلاته، وينجح في تقديمها بطريقة تتحدى القوالب التي يضع فيها المجتمع المحافظ الشخص المثلي: فهو الشقيق الحنون الذي يفاجئ أخته بأعياد ميلاد مبتكرة ويشتري لها ثياباً ترفضها العائلة خوفاً من ألسنة الناس.
في طفولته، كان حمزة جزءاً من عالم مريم البريء في مدينة حماة، يتشارك مع أبناء عائلة طيفور لحظات اللعب والضحك في زمن كانت الطوائف فيه تتجاور بسلام نسبي. غير أنّ هذا العالم سرعان ما ينهار مع اندلاع أحداث الثمانينيات، حين تُجبر عائلة الحكيم على الرحيل، تاركة وراءها صداقات مكسورة وأخاً سيتحوّل لاحقاً إلى جرح مفتوح في الذاكرة. غيابه يفرض نفسه أكثر من حضوره، ليصبح السؤال حول مصيره هو السؤال الأعمق عن مصير سوريا نفسها.
ولكن الرواية تتجنّب تقديم سيرة مكتملة لحمزة، وتجعل منه بدلا من ذلك تمثلا عن جيل ضائع. هل كان ضحية؟ هل خان؟ أم أنه خُوِّن كما خُوِّن كثيرون في ظل نظام يتقن صناعة “الخونة” لإدامة سلطته؟ هذا الغموض لا يُحلّ، بل يتعقّد، ليكشف أن الخيانة لم تكن فعلاً فردياً بقدر ما كانت بنية سلطوية تفتّت الروابط الإنسانية. في نظر مريم، شقيقها ليس فقط أخاً غائباً، بل مفتاحاً لفهم إرث العائلة، من حكمة الجد إبراهيم إلى تناقضات الأب حسن، وصولاً إلى جراح الطائفة كلها.
بهذا المعنى، يغدو حمزة ضميراً روائياً معلّقاً بين ما حدث وما لم يُروَ، بين الحب الذي لم يكتمل والخيانة التي صُنعت له، بين الحقيقة والتشويه. إنه رمز لجيل كامل لم تُتح له فرصة أن يحكي قصته، فكتب عنه الآخرون، وتركت مهمته الأخيرة في يد مريم، التي تجعل من البحث عن مصيره بحثاً عن ذاكرة سوريا نفسها.
الاستفادة من الشعر
لم أقرأ لمحمد رواية من قبل. قرأت شعره وكتاباته الصحفية. وحين فتحت روايته هذه، كنت أخشى أن تكون مثقلة بالشعر. لكن محمد نجى من هيمنة الشعر عليه، وبنى عمارة سردية نثرية عالية، بلغة راقية، استفادت من الشعر كثيرا، دون الوقوع في إغراء البناء الشعري.
أخيرا كان أجدر بالسياسي في داخل الروائي أن يروّض شيئا من نزعة الخطابة في حواراته السياسية وأن يكبح غلو التحليل الذي يثقل الحوار في النص. وليته، في لغة الحوار، حسم خياره بين العامية والفصحى، فذلك التردد بينهما سرق من حرارة المشهد وعفويته ما كان يمكن أن يمنحه حضورا أصدق وأعمق.
في المحصّلة، تبدو رواية خيانات لم يرتكبها أحد نصّاً يلتقط نبض الجرح السوري العميق، فلا يكتفي برواية الحكاية، بل ينحت في الذاكرة ما يشبه المرايا المتكسّرة التي تعكس وجوه العائلات والأفراد، كما تعكس صورة الوطن بأسره. إنها رواية تحوّل الخيانة من فعل عابر إلى قدر جماعي، وتصوغ من الغياب حضوراً أكثر رسوخاً من الحياة نفسها. في لغتها، التي تستعير من الشعر كثافته ومن السرد دقته، تنفتح الرواية على أسئلة معلّقة: عن الهوية، وعن الخوف الذي يصنع الطوائف، وعن المحبة التي تُقاوم النسيان. وهكذا، يخرج القارئ من النص مثقلاً بما انكشف، مدركاً أن الخيانات التي لم يرتكبها أحد، إنما ارتكبها الجميع، لأنهم عاشوا في زمن لم يترك لهم إلا أن يكونوا شهوداً على خسارتهم.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










