يضرب الجفاف اليوم سهل الزبداني، أحد أهم السهول الزراعية في ريف دمشق، ليضع المزارعين وأهالي المنطقة أمام تحديات غير مسبوقة. فبعد أن كان هذا السهل يشتهر بوفرة مياهه وخصوبة تربته، ويُعد مصدراً رئيسياً للفاكهة والخضار التي تغذي أسواق دمشق ومحيطها، بات يواجه أزمة عطش خانقة مع جفاف عدد كبير من الآبار، فيما تُحوَّل المياه المتبقية إلى وجهة واحدة فقط: نبع الفيجة والعاصمة دمشق.
أبناء المدينة أطلقوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي نداءات عاجلة طالبوا فيها بإعفاء بعض الآبار من خدمة دمشق لتغذية سهل الزبداني مباشرة، كما حصل في سهل مضايا المجاور. لكن حتى الآن ما زالت المطالب تصطدم بجدار الروتين وتداخل الصلاحيات بين مديرية المنطقة ومجلس البلدية والمجالس الأهلية، فيما تستمر الأراضي الزراعية بخسارة مساحاتها الخضراء تدريجياً.
هذا السهل الذي يتغذى من مياه نهر بردى ويتميّز بمناخ ملائم جعله رمزاً للخصوبة والخضرة، يعيش اليوم واقعاً مغايراً. فعذوبة مياهه التي طالما شكّلت نعمة للأهالي تحولت إلى معاناة مضاعفة مع حرمان السكان والمزارعين منها، بينما تبقى الأراضي العطشى بانتظار حل يعيد إليها الحياة.
اقرأ أيضاً: الجفاف يؤثر على الأمن الغذائي في سوريا – 963+
شهادات الأهالي
موسى المالح وهو مزارع من مضايا يتحدث لـ”963+” عن معاناته بعد جفاف الآبار ويقول: “الأزمة المائية انعكست مباشرة على حياة الناس. الحفر العشوائي وصل إلى أعماق تتجاوز الألف متر، ومعظم آبار الفلاحين جفت بسبب ضخ المياه باتجاه دمشق. اضطررنا للاعتماد على صهاريج لسقاية الأشجار، لكن تغيير نمط الري يهددها بالموت. للأسف، لا توجد خطط أو حلول جذرية. المحاصيل تراجعت كثيراً، وبعض الفلاحين لم يزرعوا محاصيل صيفية هذا العام بسبب جفاف الآبار ويباس المزروعات. النتيجة كارثية ولا أحد يهتم بمصدر رزق الفلاحين”.
ويوضح أحمد عيسى وهو مزارع آخر: “الأزمة انعكست على كل شيء، حتى نفسية الفلاح. الإمكانيات المادية غير متوفرة، والطاقة الشمسية مكلفة. بعض المزارعين اضطروا للتنازل عن جزء من أراضيهم لإنقاذ ما تبقى. استخدمنا تقنيات مثل التنقيط لتقليل الهدر، لكن الإنتاج تراجع، والمستهلك أيضاً يعاني. لا توجد خطط طارئة من وزارة الري أو الزراعة أو روابط الفلاحين. الزراعة حالياً أشبه بـ 5% نجاح مقابل 95% فشل. نحن بحاجة إلى حلول جذرية، لا مجرد مساعدات مؤقتة”.
ويشير فواز إبراهيم وهو مزارع من الزبداني لـ”963+” إلى التراجع الكبير في منسوب المياه هذا العام: “البئر كان يعطيني ثلاث إنشات من المياه، واليوم بالكاد نصف إنش. بئر بستاني جف تماماً وأستعين ببئر جاري. المحاصيل انعدمت، والأشجار ماتت، والجفاف زاد الأمراض فيها. نطالب بوقف ضخ مياه الآبار إلى دمشق وتحويلها إلى سهل مضايا لإنقاذ ما تبقى. إذا جف نبع الكوثر، فستكون الكارثة شاملة”.
أحمد درويش وهو مزارع آخر يختم بالقول لـ”963+”: “دفعت ما يقارب ثمانية آلاف دولار لتغميق البئر، إضافة إلى ستة ملايين ليرة لشراء مياه. ومع ذلك نحن على شفا الانهيار”.
الجهات الرسمية
المهندس عبد الكريم عواد، مدير المياه بمضايا، يقول لـ”963+” إن السبب الرئيسي للجفاف هو قلة الهطولات المطرية والثلجية، إضافة إلى استجرار المياه من نبع بردى نحو دمشق، ما أثر على منسوب المياه الجوفية. وأوضح أن للزبداني محطتين رئيسيتين للمياه (عش الضبعة والبياض) تحتويان على 8–9 آبار قادرة على إنتاج نحو 450 متراً مكعباً في الساعة إذا استُثمرت بالكامل، لكن تقنين الكهرباء يحدّ من ذلك. واقترح إنشاء خط كهربائي مخصص للمحطات، والاستفادة من الخزانات التي يموّلها الأهالي والمتبرعون، إضافة إلى إنشاء سدود لتخزين مياه الأمطار وتحلية مياه الصرف الصحي لاستخدامها في الزراعة.
ويؤكد مصطفى عباس، رئيس وحدة مياه الزبداني، لـ”963+” أن آبار مضايا لم تُعفَ كلياً من ضخ المياه إلى دمشق كما يُشاع، بل جزئياً فقط. وأوضح أن جفاف الآبار يعود إلى قلة الأمطار والاستنزاف الجائر للحوض المائي باستخدام الطاقة الشمسية دون تنظيم. وشدد على أن الإدارة تسعى لتأمين احتياجات السكان وتخفيف العبء عنهم.
اقرأ أيضاً: سوريا تواجه أسوأ موجة جفاف منذ عقود وأزمة قمح تهدد الأمن الغذائي – 963+
تراجع الإنتاج الزراعي
يقول المهندس حسام خريطة، رئيس دائرة الزراعة في الزبداني، لـ”963+” إن المنطقة تواجه “أزمة مركبة” جفاف من جهة واستنزاف جوفي من جهة أخرى. إذ لم تتجاوز الهطولات المطرية هذا العام 169 ملم، وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بالمعدل الطبيعي. ويؤكد أن المنطقة فقدت زراعات أساسية مثل القمح والبقوليات، وتضررت حتى الأشجار المثمرة كاللوزيات.
ويقترح خريطة عدة حلول، منها: “وقف حفر آبار جديدة والاكتفاء بتعميق القائمة، اعتماد تقنيات الري الحديثة (التنقيط والري تحت سطح التربة) لتقليل الاستهلاك حتى 75%، إعادة التحريج والغطاء النباتي لتحسين المناخ المحلي، ترشيد استهلاك المياه منزلياً وزراعياً، التوقف عن زراعة المحاصيل ذات الاستهلاك المائي الكبير كالخضار الورقية والقرعية”.
ويضيف أن الحفاظ على الثروة الزراعية والحيوانية يحتاج إلى دعم حكومي مباشر، سواء عبر تعويض الفلاحين المتضررين أو تأمين مصادر جديدة للمياه، محذراً من أن استمرار استنزاف الحوض الجوفي دون بدائل قد يهدد إمدادات العاصمة دمشق نفسها في المستقبل القريب.










