تشهد سوريا واحدة من أعقد أزماتها منذ اندلاع الحرب، إذ يتقاطع الجفاف مع الانهيار الاقتصادي والعقوبات الدولية ليشكّل مزيجاً خانقاً يهدد الأمن الغذائي لملايين السكان. فقد تراجع إنتاج القمح بشكل كبير، بينما تكافح الحكومة السورية لتأمين احتياجات البلاد عبر الاستيراد في ظل صعوبات مالية وضغوط سياسية متزايدة.
وفي الوقت ذاته، تعكس تحذيرات المنظمات الدولية حجم التحديات المقبلة، حيث بات الخبز – الغذاء الأساسي للسوريين – مهددًا أكثر من أي وقت مضى. وبين تضاؤل الموارد، وتشتت الخطط الحكومية، واعتماد السكان على مساعدات خارجية غير مستقرة، تبرز مخاوف حقيقية من دخول البلاد في مرحلة أكثر خطورة. فهل تنجح سوريا في تجاوز هذه الأزمة قبل أن تتحول إلى مجاعة شاملة؟
وكان قد حذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من تفاقم أزمة الأمن الغذائي في سوريا، مشيراً إلى أن البلاد تواجه شبح أزمة غير مسبوقة، بعد انخفاض إنتاج القمح بنسبة 40% نتيجة موجة الجفاف الأخيرة. وأكد البرنامج أن أكثر من ثلاثة ملايين سوري يعانون من الجوع الشديد، وسط نقص حاد في إمدادات القمح وتراجع الإنتاج المحلي.
وفي السياق، نقلت وكالة “رويترز” عن مصدر رسمي في وزارة الزراعة السورية أن الحكومة تحتاج إلى استيراد نحو 2.55 مليون طن من القمح خلال العام الجاري لتلبية احتياجات السكان، بعد موسم زراعي ضعيف تأثر بشدة بالجفاف.
وأوضح المصدر أن الحكومة لم تتمكن من شراء سوى 373,500 طن من القمح من المزارعين المحليين، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين الإنتاج الفعلي والاحتياجات الوطنية، ويزيد من الضغوط على الأمن الغذائي في البلاد.
وكانت روسيا المورد الأكبر للقمح إلى سوريا، غير أن موسكو قلّصت إمداداتها بشكل كبير عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد نهاية العام الماضي، مُرجعةً ذلك إلى تأخر المدفوعات وغياب الثقة بالحكومة الجديدة.
وفي حزيران/يونيو الماضي، قدّرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن سوريا ستواجه عجزًا يقارب مليونين وسبعمئة وثلاثين ألف طن من القمح هذا العام، مع انخفاض الإنتاج المحلي إلى نحو مليون ومئتي ألف طن، أي أقل بنسبة 40% مقارنة بالعام السابق، محذّرةً من أن نصف السكان مهددون بتداعيات الجفاف.
الجفاف وتراجع الأسعار يهددان الأمن الغذائي
يحذر الدكتور عمار اليوسف، الباحث والأكاديمي الاقتصادي السوري، في تصريحات لـ”963+” من تداعيات موجة الجفاف التي تضرب البلاد، والتي أدت إلى انخفاض حاد في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية وعلى رأسها القمح. ويؤكد أن الإنتاج يتراجع بنسبة تصل إلى 60% نتيجة عوامل متراكمة، أبرزها انخفاض سعر شراء القمح من قبل الحكومة، ما يدفع المزارعين إلى العزوف عن زراعته.
ويشير اليوسف إلى أن المزارعين يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع أسعار الوقود اللازم للزراعة، وغلاء تكاليف الحصاد، إضافة إلى تأخر الحكومة في استلام المحاصيل، الأمر الذي يزيد من إحجامهم عن زراعة القمح. هذا التراجع في الإنتاج يهدد مادة الخبز التي يعتمد عليها المواطن السوري بشكل أساسي.
أما بشأن خطط الحكومة لمواجهة الأزمة، فيرى اليوسف أن الاستجابة تفتقر إلى استراتيجية واضحة، لكنه يلفت إلى تدخل سعودي مهم، حيث وجّه الملك سلمان بن عبد العزيز بتأمين القمح للسوريين بشكل دائم، ما قد يسهم في تجاوز مرحلة الجوع المرتبطة بهذه المادة الحيوية.
ويشدد اليوسف على ضرورة أن تتحرك الحكومة السورية بسرعة لاستيراد القمح من دول جديدة، خاصة من الأسواق الأمريكية والأوروبية، بدلاً من الاعتماد السابق على روسيا وإيران. ويؤكد أن أي تأخر في هذا التحرك قد يؤدي إلى أزمة حقيقية في انسيابية القمح داخل البلاد، مما يهدد الأمن الغذائي للسوريين في المستقبل القريب.
الأزمات البيئية والجيوسياسية
في ظل تفاقم التغيرات المناخية والسياسية، يحذر الدبلوماسي المستقل عزت بغدادي من تداخل الأزمات البيئية والجيوسياسية، مؤكداً أن الجفاف واختلال الأمطار يضغطان على الأحواض المائية المشتركة، بينما تتحول المياه إلى أداة نفوذ في ظل تغيّر موازين القوى. والنتيجة: تراجع الإنتاج الغذائي، تفكك البنية الزراعية، وتعثر إدارة الموارد.
ويشدد بغدادي على أن التركيز على المياه وحدها لا يكفي، بل يجب دمجها ضمن نموذج موحّد يشمل الزراعة والطاقة، مع إعطاء الأولوية لمياه الشرب وخطط زراعية موسمية متوازنة. كما يدعو إلى إنشاء تنظيمات ديمقراطية للمزارعين، وتطوير آليات تسويق محفزة عبر عقود شراء مسبقة، ومراكز تخزين تقلل الفاقد، إضافة إلى تشغيل محطات الضخ بالطاقة الشمسية أو الهجينة، مع فرض رقابة على استنزاف المياه الجوفية.
ويقترح بغدادي إنشاء مرفق تشغيلي محايد لإدارة البنى الحيوية، ومجالس مشتركة للأحواض المائية تعتمد على بيانات موحّدة، إلى جانب إشراك تنظيمات المزارعين كشريك تنفيذي.
أما بالنسبة للمنظمات الدولية، فيرى بغدادي أن دورها يبدأ بتشخيص تشاركي لمدة 4–6 أسابيع، يشمل تفكيك القيود القانونية والتشغيلية والمالية، ومسح فجوات المدخلات الزراعية. يلي ذلك تصميم “مخارج قابلة للتجربة” تشمل ترتيبات تشغيل مشتركة، تمويلاً مختلطًا، وعقود شراء مشروطة بالامتثال.
بين شبح المجاعة وضغوط العقوبات
يؤكد الباحث السياسي علي ثابت جديد من دمشق لـ”963+” أن تقارير المنظمات الدولية حول خطر المجاعة في سوريا تُشكّل صدمة للرأي العام، إذ لم يكن السوريون يتصورون أن يصل الوضع إلى هذا الحد. ومع ذلك، يظل الصراع السياسي والجفاف عاملين رئيسيين يعيدان هذا الكابوس إلى الواجهة.
وتسعى الحكومة حالياً إلى تعويض النقص الغذائي عبر الاستيراد، غير أن هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالقدرة المالية وتوافر السيولة. ويشير الباحث إلى أن العقوبات الاقتصادية تستمر في لعب دور أساسي في عرقلة الوصول إلى الأسواق والموردين، خاصة في ظل حالة عدم اليقين التي تواكب العملية الانتقالية، ما يدفع العديد من الموردين إلى التردد في التعامل.
ويضاف إلى ذلك النقص العالمي في القمح بعد الحرب الأوكرانية، وارتباط هذه السلعة الحيوية بالصراعات السياسية ومحاولات استغلالها للضغط على الدول. ويرى الباحث أن رفع العقوبات، خصوصًا تلك المتعلقة بالقطاع الزراعي والغذائي، يُعد خطوة مهمة لكنها غير كافية في ظل الانهيار الواسع لبقية القطاعات، ما يثير الشكوك حول القدرة على تأمين التمويل اللازم، خاصة بالعملات الأجنبية.
ويشدد الباحث على أهمية تحسين سياسات الدعم، مع ضرورة تجنب أخطاء الماضي التي استنزفت الموارد المالية للدولة. ويقترح أن يكون الدعم المباشر للأسر إحدى الآليات الفعالة للحد من الفساد، دون الإضرار بآلية السوق أو خلق سوق سوداء للسلع المدعومة. كما يوصي بدعم المزارعين وتعزيز التعاون مع منظمات الأمم المتحدة.
ويرى الباحث أن التعاون مع روسيا لا يزال خيارًا لا يمكن تجاوزه، رغم ما يرافقه من ضغوط سياسية. لكنه يعتبر أن الأفضل هو تعزيز التعاون مع الدول العربية القريبة، وتوسيع الاتفاقيات التجارية، وفتح أسواق جديدة لتخفيف الضغوط، إلى جانب تطوير القطاع الزراعي وإعادة هيكلته.
وفي الختام، يوضح الباحث أن ما يجري في سوريا هو أزمة اقتصادية وإنسانية تعكس أزمة سياسية أعمق، تتطلب تواصلاً ودعماً من الدول الصديقة، لمواجهة العقوبات، وإنشاء صناديق دعم توفر السيولة اللازمة لتأمين الاحتياجات الغذائية، وتعزيز القطاع الزراعي بشكل مستدام.










