لم يكن الإعلان الدستوري الذي أُقرّ في سوريا قبل أشهر مجرد نص عابر أو إجراء إداري، بل بدا منذ لحظته الأولى محاولة لابتكار ميثاق يربط بين حاضر ممزق وماض ثقيل. وحين جرى استدعاء الفقه الإسلامي ليكون أحد مصادر التشريع الأساسية، بدا وكأن السلطة تبحث عن جذور أعمق من أي اتفاق سياسي، جذور تستمد شرعيتها من ذاكرة جمعية لا تزال ترى في الدين مرجعية لا غنى عنها. غير أن هذا الخيار، الذي أرادته دمشق أن يكون جسراً نحو الاستقرار، تحوّل سريعاً إلى باب يفضي إلى نزاع أوسع: نزاع على من يملك حق تفسير الشريعة، ومن يحتكر تمثيلها في الفضاء السياسي.
أما “هيئة تحرير الشام”، التي أعلنت عن حلّ نفسها نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، لم تغادر المسرح فعلياً. فقد تبدّلت الأزياء وبقيت الوجوه، وانتقل معظم رموزها إلى قلب السلطة بصفات رسمية، من رئيس الدولة إلى وزراء ومسؤولين يسهمون اليوم في رسم ملامح الدولة التي يُفترض أنها تفتح صفحة جديدة. هكذا تبدو السلطة وكأنها تغيّر جلدها من دون أن تتخلص من رائحة الأمس التي تسكن مساماتها. وفي المقابل، يرفع الإخوان المسلمون راية الاعتراض، لا لأنهم خسروا موقعاً سياسياً فحسب، بل لأنهم يرون في المشهد برمّته تزويراً لشرعية كانوا يعدّون أنفسهم أوصياء عليها. فكيف يُستحضر الفقه الإسلامي ليمنح الدستور طابعه، فيما تُغلق في وجههم أبواب الحكم؟ هكذا يصبح الدستور مرآة متصدّعة، كل تيار يلمح فيها انعكاس صورته، ويرفض أن يختلط انعكاسه بغيره.
وفي موازاة هذا المشهد السياسي المتنازع عليه، تتحرك المؤسسة العسكرية بهدوء محسوب ولكن بوزن ثقيل. فوزارة الدفاع لا تعيد ترتيب صفوفها القتالية فقط، بل تدخل إلى ساحة الفكر والدين، كأنها تريد أن تزرع في الجندي، إلى جانب الطاعة والانضباط، عقيدة مرسومة تضمن ولاءه للنظام القائم. المناهج التي تحدّثت عنها جريدة “المدن” مؤخراً ليست مجرد مواد تعليمية تقليدية؛ فهي تمتد من القرآن والسيرة والفقه، إلى تاريخ سوريا الحديث، مع فصل أساسي عن “التيارات الفكرية” يضع الغلو في خانة “الخوارج”، مستدعياً إرثاً فقهياً قديماً لإضفاء شرعية على مواجهة التطرف الراهن. غير أن العلامة الأبرز في هذه المناهج تكمن في تبنّي الفقه الشافعي كمرجعية رسمية، في خطوة تقطع بوضوح مع السلفية التي غذّت على مدى سنوات الحرب الخطاب الجهادي وأعطته غطاءه الفقهي.
لكن ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً أن من يقود هذه العملية ليسوا فقهاء تقليديين أو شخصيات أتت من خارج الصراع، بل أسماء بارزة أتت من “هيئة تحرير الشام”: مظهر الويس، وزير العدل الحالي، وعبد الرحيم عطون، مستشار الرئاسة للشؤون الدينية، وغيرهما. هؤلاء الرجال، الذين كانوا يوماً من أعمدة التنظير الجهادي، تحولوا اليوم إلى عرّابي الاعتدال، يضعون معاً مناهج جديدة تحاول أن تدمج الكل في بوتقة واحدة، وتعيد الاعتبار للأشاعرة والماتريدية والتصوف، بعدما كان يُنظر إليهم في أدبيات الجهادية كأعداء الداخل. إنها مفارقة تكاد تختصر مسار السلطة الجديدة: تدوير النخبة الجهادية نفسها، لكن تحت سقف مختلف، لتتحول من حاملة لراية السلاح إلى حارسة لبوابة الشرعية الرسمية.
ومع هذا، ليست السلطة وحدها من تحاول إعادة صياغة المرجعية. فالإخوان المسلمون يواصلون خطابهم الرافض، ويرون في “الشافعية الرسمية” محاولة لتقليص دورهم وإقصاء مشروعهم. بالنسبة لهم، ليست المشكلة في اعتماد الشريعة كمصدر للتشريع، بل في الطريقة التي جرى بها احتكار تفسيرها وإقصاؤهم عن المشاركة فيها. وهنا يتبدى جوهر الصراع، ليس على الدين نفسه، بل على حق احتكار تأويله وتوظيفه في صناعة السلطة.
إلى جانب ذلك، تعمل وزارة الدفاع على فرض نظام داخلي صارم لإدارة التوجيه المعنوي، يخضع فيه كل جندي لدورات تأهيلية، فيما يُقصى الضباط المنشقون، وتُرسل بعثات إلى السعودية للتدريب بحسب ما نشرت بعض المواقع الإلكترونية المعنية بهذه الشؤون. في هذا البعد، يظهر بوضوح أن المرجعية الجديدة لا تُصاغ داخل دمشق وحدها، بل تستند أيضاً إلى غطاء إقليمي يعيد وصل ما انقطع بين السلطة والمراكز الدينية الكبرى. السعودية، التي كانت مرجعاً روحياً لتيارات سلفية وجهادية في العقود الماضية، تُستدعى اليوم لتمنح “الاعتدال العسكري” السوري مباركة رسمية، في انعطافة سياسية بقدر ما هي فقهية.
بهذا المعنى، يمكن القول إن ما يجري في سوريا اليوم هو أكثر من إعادة ترتيب لمناهج أو هياكل مؤسساتية. إنه صراع على روح الدولة نفسها. هل ستكون الشرعية القادمة امتداداً لفقه الجهادية الذي انكسر في الميدان، أم لتأويلات الإخوان التي أقصيت سياسياً، أم لفقه شافعي يُستحضر من خزائن الماضي ليُلبس الحاضر ثوباً أكثر اعتدالاً؟ وفي خلفية هذا الصراع، يقف الجيش كالمختبر الأكبر، حيث تُصفّى المرجعيات وتُعاد صياغتها في شكل عقيدة قتالية واحدة.
ولعل الصورة الأكثر كثافة لهذا المشهد أن سوريا تبدو اليوم كمرآة متصدعة. كل كسر فيها يعكس وجهاً مختلفاً للشرعية، وكل تيار يمد يده لالتقاط شظية يرى أنها له، ولكن لا أحد يملك القدرة بعد على جمع القطع في صورة واحدة متماسكة. فالإعلان الدستوري منح السلطة غطاءً، لكنه لم يطفئ الأسئلة؛ ودمج الإسلاميين في مؤسسات الدولة أعاد إنتاجهم بوجوه جديدة، لكنه لم يمحُ ذاكرتهم القديمة، وإرسال البعثات إلى السعودية فتح باباً إقليمياً، لكنه في الوقت نفسه ربط الشرعية السورية بعوامل خارجية.
هكذا، تبقى أزمة الهوية والشرعية في سوريا أزمة لم تُحسم. هي ليست مجرد نزاع بين الدولة والإسلاميين، بل صراع على المرجعية التي تمنح الحكم معناه. ومن دون حسم هذا السؤال، ستظل الشرعية معلقة في الهواء، تتأرجح بين نصوص الدساتير وفتاوى الفقهاء وولاءات القوى الإقليمية، فيما تبقى سوريا تبحث عن هوية قادرة على جمع شظاياها في مرآة واحدة.










