لم تكن مؤتمرات الحسكة وبروكسل مجرد نشاطات سياسية عابرة، ولا مجرد تجمعات لنخبة محدودة تبحث في “شؤون المكونات” السورية. ما جرى هو أشبه بعملية كسر أقفال قديمة على أبواب السياسة في سوريا، أقفال أُحكم إغلاقها لعقود تحت حكم بشار الأسد ووالده من قبله، حتى صار النقاش العام فعلاً محظوراً، والمبادرات المستقلة جرماً يعاقَب عليه.
في قاعات الحسكة، اجتمع أكراد ودروز وعلويون وعشائر عربية، بحضور افتراضي لشيوخ ووجهاء من مناطق مختلفة. وفي بروكسل، تحركت لجنة تنسيق المكونات السورية لجمع شخصيات من الداخل والخارج، بعضها من الأكاديميين وبعضها من الناشطين والمثقفين، لتناقش قضايا الدستور، واللامركزية، وحقوق الأقليات، وحتى شكل الدولة المقبلة. في بلد طبيعي، مثل هذه المؤتمرات جزء من الروتين السياسي. لكن في سوريا، التي اعتادت أن تكون السياسة حكراً على “المركز” وأجهزته، فإنها تبدو كخروج جريء من الطاعة.
هنا جاء غضب دمشق والسلطة القابضة عليها. البيانات الرسمية وصفت مؤتمر الحسكة بأنه “إعلان حرب”، واعتبرت لقاء بروكسل استمراراً لمؤامرة تستهدف وحدة البلاد. ليس لأن هذه المؤتمرات رفعت السلاح أو شكلت جيشاً، بل لأنها كسرت الصمت، وأثبتت أن النقاش حول شكل الدولة لم يعد امتيازاً حصرياً للسلطة. هذا وحده كافٍ ليدخلها في خانة “التهديدات” في قاموس النظام السوري الجديد.
لكن خلف الاتهامات، هناك واقع أعمق: هذه المؤتمرات تعبّر عن تحوّل في المزاج السياسي السوري، حيث تجرؤ المكونات المختلفة على التفكير في بدائل، وتبحث عن أدوات للتأثير في مستقبل البلاد. البعض يقرأها كمحاولة لتوسيع أفق القضاء العمومي السوري، بحيث يصبح القرار السياسي نتاج مشاركة أوسع، لا حكراً على نخبة مركزية ضيقة. آخرون يرونها نواة لتحالف جديد بين الأقليات، يستفيد من التشابك مع قوى إقليمية ودولية، أكان مع تل أبيب التي تروّج لتحالف الأقليات في مواجهة تركيا وإيران، أم إلى جماعات الضغط في واشنطن التي تملك تأثيراً على الموقف الأميركي من بقاء القوات في سوريا.
التاريخ السوري مليء بمحاولات مماثلة، وإن اختلفت الظروف. ففي الأربعينيات والخمسينيات، كانت الساحة السياسية تعجّ بالأحزاب والتيارات والنقابات التي تعكس تنوّع المجتمع. لكن مع الانقلابات العسكرية وصعود حزب “البعث”، ثم تركيز السلطة في يد الأسد الأب، اختفت هذه الحيوية، وحل محلها حزب واحد، خطاب واحد، ورؤية واحدة. كل ما خرج عن هذا الإطار كان يواجه بالقمع، أو يُدجّن ليتحول إلى واجهة شكلية، أو يقتل ببساطة.
اليوم، ما يجري في الحسكة وبروكسل لا يمكن مقارنته من حيث الحجم بما كان في تلك العقود المبكرة، لكنه من حيث الرمزية يمثل كسراً للجمود. بعد حوالي عقد ونصف على الحرب، ومع تعدد سلطات الأمر الواقع في البلاد، عاد السوريون لاكتشاف أن الاجتماع والنقاش والتفكير بصيغ بديلة ليس خيانة، بل خطوة طبيعية، وربما ضرورة للبقاء.
وتكمن أهمية هذه المؤتمرات، مهما بدت صغيرة أو محدودة، بأنها تخلق حيوية سياسية وفكرية لم تعرفها سوريا منذ زمن بعيد. إنها تعيد فكرة التعددية إلى الحيّز العملي، وتفتح الباب أمام نقاشات حول الفيدرالية، واللامركزية، والمواطنة المتساوية، بعيداً عن وصاية المركز أو وصمة “الانفصال”.
المفارقة أن السلطة، وهي تدين هذه اللقاءات وتهاجمها، تمنحها بذلك حجماً أكبر وقيمة إضافية. كل بيان غاضب يخرج من دمشق يرفع منسوب الاهتمام الشعبي بها، ويعطيها طابع “الممنوع” الذي يثير الفضول، ويجعلها تبدو جزءاً من معركة كبرى على شكل الدولة ومصيرها، لا مجرد نشاط سياسي محلي.
كما أن فكرة “تحالف الأقليات” التي تتهم بها دمشق هذه المؤتمرات، ليست جديدة في المنطقة. من لبنان إلى العراق، ومن تجارب الأكراد في الشمال إلى التحالفات العابرة للطوائف في فترات الأزمات، ثمة تاريخ طويل لتحالفات تُبنى على الخوف المشترك من الهيمنة، أو على مصالح متبادلة في مواجهة خصوم أكبر. سواء كانت هذه المؤتمرات تسير فعلاً في هذا الاتجاه أم لا، فإن مجرد جمع هذه المكونات في فضاء واحد للنقاش، هو حدث بحد ذاته.
بين الحسكة وبروكسل، بين القاعات الافتراضية والوجاهية، وبين البيانات الغاضبة والحوارات المتأنية، تتشكل ملامح مشهد سياسي جديد في سوريا. قد لا تكون هذه المؤتمرات الحل، لكنها بلا شك جزء من الطريق إليه، طريق لا يمر عبر الخوف أو إملاءات السلطة، بل عبر التجربة، والخلاف، والنقاش المفتوح.
وربما، بعد سنوات من الدم والخراب، تكون هذه المؤتمرات واحدة من المؤشرات القليلة على أن البلد لم يمت سياسياً، وأن فيه من لا يزال يؤمن أن اللقاء والحوار، مهما كان صاخباً أو مثيراً للجدل، هو السبيل الوحيد للحفاظ على سوريا أرضاً وشعباً، ولصناعة مستقبل لا يحتكره طرف واحد، ولا يفرضه سلاح واحد أو تتحكم به أيديولوجية واحدة.










