في ظل تعقيدات المشهد السوري وتشابك خيوطه الإقليمية والدولية، تتجه الأنظار إلى العاصمة الأردنية عمّان التي تستعد لاستضافة اجتماع يجمع ممثلين عن الحكومة السورية وطائفة الموحدين الدروز، وسط حراك ديبلوماسي تقوده واشنطن بالتنسيق مع عمّان وأنقرة وعدة عواصم عربية.
الاجتماع، المقرر نهاية الأسبوع القادم والذي يأتي بعد فترة من التوترات في محافظة السويداء، يحمل على طاولته ملفات شائكة تبدأ بمطالب محلية وتنتهي عند ترتيبات إقليمية تمسّ موازين القوى في الجنوب السوري.
وقالت صحيفة “القدس العربي”، نقلاً عن مصدر أميركي وآخر سوري، إن المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك يجري اتصالات متواصلة مع وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ووزراء خارجية عرب، إضافة إلى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، لترتيب جولة مفاوضات بين دمشق وممثلين عن الطائفة الدرزية. وأشار المصدر الأميركي إلى وجود مساعٍ لإقناع الشيخ حكمت الهجري، الرئيس الروحي للطائفة، بالحضور شخصياً، وسط رغبة إقليمية ودولية بإنجاح هذا المؤتمر.
ووفق المعلومات، فإن الجهود تهدف إلى إشراك وجهاء من أبرز العائلات ، وقادة الفصائل المحلية في محافظة السويداء، دون تأكيد ما إذا ستوجَّه الدعوات إلى شخصيات مقربة من الحكومة السورية مثل الشيخين سليمان عبد الباقي وليث البلعوس.
ورغم الأهمية التي توليها الأوساط الدولية والإقليمية للاجتماع، إلا أن الصحيفة رجحت غياب الشيخ الهجري عن الحضور، خاصة في ظل غياب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني واقتصار التمثيل الرسمي على قيادات أمنية ومحلية، من بينهم قائد الأمن الداخلي في السويداء أحمد الدالاتي، وقائد الأمن الداخلي في درعا شاهر عمران، ومحافظ السويداء مصطفى البكور.
إلى جانب ذلك، أعلن الأردن استضافة اجتماع ثلاثي غداً الثلاثاء بمشاركة سوريا والولايات المتحدة والأردن، سيحضره الشيباني إلى جانب الصفدي وباراك، إضافة إلى ممثلين عن مؤسسات رسمية في البلدان الثلاثة. وبحسب وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، سيركز الاجتماع على الأوضاع في سوريا، ودعم جهود إعادة إعمارها بما يحفظ حقوق جميع السوريين، ويضمن أمن بلادهم واستقرارها وسيادتها، في سياق استكمال المباحثات التي جرت في عمّان في 19 تموز/ يوليو الماضي حول وقف إطلاق النار في السويداء وحل أزمتها.
اقرأ أيضاً: اجتماع مرتقب بين الحكومة السورية وممثلين عن الطائفة الدرزية في الأردن – 963+
“إطار تنسيقي”
المحلل السياسي حسام نجار يوضح لـ”963+” أن غياب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن اجتماع عمّان المقرر نهاية الأسبوع القادم، “أمر طبيعي ومتوقع، لكون المكوّن الدرزي في السويداء لا يعترف بالحكومة السورية”.
ويرى نجار أن “الملف شأن أمني وإداري محلي أكثر منه سياسي”. ويشير إلى أن حضور شخصيات من السويداء ودرعا مؤيدة للدولة أمر متوقع في هذه المرحلة، مؤكداً أن التحركات الأخيرة، بما فيها نشاط المبعوث الأميركي توماس باراك، “لا تتعدى إطار التنسيق”.
ويضيف نجار أن اختيار الأردن لعقد الاجتماعات مرتبط باعتبارات خاصة، أبرزها أن “الدروز طالبوا سابقاً بفتح معبر مع الأردن دون أن توافق عمّان، إلى جانب رغبة بعض الأطراف في ضمانات دولية لمطالب السويداء، سواء بإدارة ذاتية أو صيغة كانتون أو معبر مستقل”.
ويؤكد أن هذه اللقاءات “تجري بشكل بروتوكولي، بعيداً عن دور وزارة الخارجية السورية المباشر”.
وفي ما يخص غياب الشيخ حكمت الهجري، يرجّح نجار أن “يكتفي الأخير بإرسال مندوبين على تواصل مباشر معه لنقل مطالبه، التي قد تشمل البقاء ضمن إطار الدولة السورية مع الحصول على التمويل والرواتب من الحكومة، وهو ما اعتبره غير وارد”.
كما يشير إلى “احتمال وجود تأثير إسرائيلي على تحركات باراك”، مبيّناً أن “غياب الهجري أو حضوره لا يغير المعادلة لكونه يمسك بقرار الطائفة في السويداء”.
ويختم بالقول إن “التوافق بين الحكومة السورية والدروز قادم بفعل تفاهمات دولية، لكنه سيكون جزئياً على غرار الاتفاقات السابقة، التي اتهم الهجري بنقضها مراراً”.
اقرأ أيضاً: الثلاثاء المقبل… اجتماع سوري – أردني – أميركي في عمان – 963+
“بعد إقليمي ودولي”
من جانبه، يقول الدكتور رامي الخليفة العلي، الباحث في الفلسفة السياسية بجامعة باريس، لـ”963+” إن هناك تباينات في الموقف من الملف السوري بين تركيا والولايات المتحدة وبعض الدول العربية، لكنها تتفق على ضرورة الحفاظ على الاستقرار ومنع تدهور الأوضاع، خاصة مع تزايد التدخلات الإقليمية، ولا سيما الإسرائيلية. ويضيف أن “هذا التنسيق يسعى إلى التهدئة وتجنب انفجار الميدان في ظل الاحتقان القائم”.
ويبيّن العلي أن ملف السويداء لم يعد شأناً سورياً داخلياً، “بل بات ذا بعد إقليمي ودولي”، مشيراً إلى أن التدخلات الإسرائيلية الأخيرة، واستهداف مواقع في دمشق، “عقدت المشهد أكثر”.
ويؤكد أن “الحل يتطلب إشراك الحكومة السورية، وقيادات السويداء وعلى رأسهم الهجري أو من يمثله، إلى جانب أطراف إقليمية ودولية، حتى وإن لم تحضر إسرائيل مباشرة، فإن وجود واشنطن قد يتيح تنسيقاً غير مباشر معها”.
كما يلفت إلى أن استمرار الوضع الحالي في السويداء، بما فيه تدهور البنية التحتية والصدامات بين المجموعات المسلحة وقوات الحكومة، أمر “شاذ” ولا يمكن أن يستمر، مشدداً على ضرورة عودة مؤسسات الدولة إلى المحافظة.
موقف الشيخ حكمت الهجري
وكان الشيخ حكمت الهجري قد وجّه، السبت الماضي، رسالة شكر للدول التي وقفت إلى جانب السويداء، وعلى رأسها الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإسرائيل، ودول الخليج العربي، إضافة إلى الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.
واستنكر الهجري ما وصفه بـ”الإبادة الممنهجة” التي طالت المدنيين، واعتبرها انتهاكاً للقانون الدولي وجرائم حرب بموجب اتفاقيات جنيف ونظام روما الأساسي.
وأكد الهجري أن صمت المجتمع الدولي ساهم في استمرار الجرائم، محذراً من حملات إعلامية تسعى إلى “تزييف الحقائق”. ودعا إلى فتح تحقيق دولي مستقل، وإحالة المتورطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإرسال بعثات مراقبة دولية لحماية المدنيين، إضافة إلى الضغط على “حكومة الأمر الواقع” للالتزام بوقف إطلاق النار وانسحاب المجموعات المسلحة من السويداء.
وتأتي هذه الدعوات في وقت طالب فيه عشرة نواب أوروبيين، قبل يومين، المفوضية الأوروبية بفتح تحقيق دولي حول الانتهاكات التي شهدتها المحافظة منتصف الشهر الماضي، مؤكدين قلقهم من تصاعد العنف في الجنوب السوري.










