منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تبنّت الحكومة السورية الجديدة شعار “المحاسبة والعدالة الانتقالية”، وأعلنت عن تشكيل لجان وطنية للتحقيق في أبرز الانتهاكات التي تلت انهيار الدولة الأمنية. إلا أن ثلاث محطات مفصلية – الساحل، الدويلعة، والجنوب السوري – وضعت فعالية هذه اللجان واستقلاليتها أمام علامة استفهام كبيرة، وسط اتهامات بتأخير العدالة، انتقائية التحقيق، والتغطية على الفاعلين الفعليين.
وبعد سلسلة من الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد منذ مطلع العام الجاري، صدرت قرارات رئاسية بتشكيل لجان تحقيق مستقلة شملت جميع مواقع الانتهاكات الكبرى (الساحل – الدويلعة – السويداء)، وركّزت على الرصد الميداني، تدوين الشهادات، التحقيقات التقنية، قبول الشكاوى، والتعاون مع منظمات حقوقية أممية. ورغم تأكيد الحكومة على استقلالية هذه اللجان، امتنعت عن نشر تقارير مفصلة، واكتفت بإعلانات موجزة حرصاً – بحسب قولها – على سلامة الشهود، ودون أن تُثمر عن نتائج ملموسة أو محاسبة واضحة، ما أثار تساؤلات واسعة حول جدواها.
ويأتي ذلك في وقت تمرّ فيه البلاد بمنعطف سياسي حاد، كما يشير بعض المحللين، مع تعاظم التنافس الدولي على النفوذ في سوريا، وارتباط الاستقرار الداخلي بملفات إعادة الإعمار والاستثمار الدولي، التي يرى كثيرون أنها أحد دوافع النظام الجديد لتأكيد شرعيته داخلياً وخارجياً.
اقرأ أيضاً: لجنة التحقيق بأحداث الساحل: مقتل 1426 شخصاً ونحو 300 يشتبه تورطهم بالانتهاكات – 963+
الساحل
بين 6 و10 آذار/ مارس الماضي، اندلعت مواجهات عنيفة في مناطق الساحل السوري (اللاذقية، طرطوس، حمص، حماة) بين فلول النظام السابق وقوات الأمن الجديدة، أسفرت عن مقتل 1,426 شخصاً بينهم 90 امرأة، بحسب لجنة التحقيق الوطنية. وشهدت هذه الفترة انتهاكات موثقة شملت إعدامات ميدانية، قتل جماعي، سرقة وحرق ممتلكات، واعتداءات على مدنيين وموظفين حكوميين.
الحكومة دفعت بأكثر من 100,000 عنصر لتعزيز أمن الساحل، وفرضت حظر تجوال شامل. وقد زارت اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق 33 موقعاً، وتواصلت مع أسر الضحايا، واستجوبت الموقوفين. وتم التعرف على نحو 298 مشتبهاً بهم، واعتقال 38 شخصاً حتى نهاية التحقيق. وأعلنت نتائجها في مؤتمر صحفي بدمشق، مع التأكيد على عدم نشر كل التفاصيل حرصاً على سلامة الشهود.
ورغم الإعلان الرسمي، يرى محللون أن تشكيل هذه اللجان لم يكن كافياً لطمأنة الشارع أو تبديد الشكوك. فقد اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أحمد الزين في تصريحات لـ”963+” أن إنشاء لجان تحقيق وطنية خطوة “تُظهر نية واضحة من الحكومة الجديدة، بقيادة أحمد الشراع، في تبني نهج ديموقراطي”، لكنه يحذّر من أن “هذه اللجان لا تبدو مستقلة بالكامل، وقد تتخذ إجراءات غير مألوفة لترسيخ النظام الوليد، خصوصاً في ظل تحديات أمنية وسياسية كبرى”. ويضيف أن “الأحداث الدامية في الساحل مثلت تحدياً خطيراً دفع بالحكومة لاتخاذ إجراءات سريعة، لكن أداء اللجان سيكون المحك الحقيقي لقياس مصداقية الخطاب الرسمي”.
هذا الموقف يلاقيه تخوف حقوقي واضح، يعبّر عنه الناشط ثائر حجازي، الذي يشير إلى أن الاعتراف الرسمي بوقوع الانتهاكات “يُعد تطوراً إيجابياً من حيث المبدأ”، إلا أنه يحذر من أن تكون هذه اللجان “مجرد أدوات شكلية لامتصاص الغضب الشعبي”.
ويؤكد أن “نتائج التحقيق في أحداث الساحل، رغم تسليمها إلى رئاسة الجمهورية، لم تُترجم حتى الآن إلى خطوات قضائية ضد المرتكبين، رغم وجود أدلة مرئية وموثقة، وهو ما يثير الريبة بشأن جدية الدولة في تطبيق العدالة”.
اقرأ أيضاً: واشنطن تدين تفجير كنيسة مار إلياس وتدعو لمحاسبة مرتكبي أعمال العنف – 963+
تفجير كنيسة مار إلياس
في 22 حزيران/ يونير الماضي، فجر انتحاري حزامه الناسف داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة في دمشق أثناء القداس، ما أدى إلى سقوط 25 قتيلاً و63 جريحاً، وتدمير جزئي للكنيسة.
الحكومة السورية حمّلت المسؤولية لتنظيمات متشددة مثل “داعش” و”سرايا أنصار السنة”، بينما يشير بعض المحللين إلى احتمال تورط بقايا النظام السابق أو جهات إقليمية.
أجهزة الأمن فرضت طوقاً مشدداً واعتقلت عدداً من المشتبه بهم، بينهم قائد الخلية وخمسة أعضاء، كما تم تشكيل لجنة تحقيق برئاسة قادة الأمن الداخلي، مع فتح المجال أمام مشاركة مجتمعية في جمع الشهادات.
ورغم هذه الإجراءات، تبقى الشكوك قائمة بشأن مدى فاعلية هذه اللجان في كشف الحقائق أو محاسبة الجهات الفاعلة. ويرى مراقبون أن استخدام “شماعة الإرهاب” قد يُستخدم لتبرير تقصير الدولة في الحماية أو تحويل الانتباه عن فشل استخباراتي محتمل.
اقرأ أيضاً: نواب أوروبيون يدعون لتحقيق دولي في انتهاكات السويداء – 963+
اشتباكات السويداء
في 12 تموز/ يوليو الماضي، اندلعت مواجهات في محافظة السويداء بين مجموعات درزية ومسلحين بدو، وسط فراغ أمني.
النزاع أسفر عن مقتل المئات وتوترات طائفية متصاعدة، قبل إعلان وقف شامل لإطلاق النار في 19 يوليو بوساطة أميركية وعربية.
وقد شكّلت وزارات الدفاع والداخلية والعدل لجان تحقيق متخصصة، فتحت قنوات مباشرة مع الأهالي لتلقي الشكاوى. اللجنة، برئاسة القاضي حاتم النعسان والمحامي عمار عز الدين، باشرت عملها بصلاحيات كاملة، مع تعهد بتقديم تقريرها النهائي للحكومة والأمم المتحدة.
لكن بحسب حجازي، فإن هذه الإجراءات “لا تكفي إن لم تُترجم إلى محاكمات شفافة”، مشدداً على أن “أخطر ما رافق هذه الأحداث هو التجييش الإعلامي وظهور جماعات مسلحة ترتكب انتهاكات علنية دون ردع، وهو ما يعيد إنتاج العنف ويهدد النسيج المجتمعي”.
ويؤكد الزين على أن “مستقبل سوريا السياسي سيتأثر مباشرة بأداء هذه اللجان”، مشيراً إلى أن “مدى شفافيتها ومهنيتها سيكون الحكم الفاصل في تحديد ما إذا كانت البلاد تتجه فعلاً نحو نظام ديموقراطي موحد، أم نحو نهج انتقائي في إدارة الأزمات”.
ويرى الزين أن “التحولات الجيوسياسية – من زيارة الشيباني إلى موسكو، إلى بروز التنافس الأميركي والتركي – كلها تجعل من أداء اللجان ليس مجرد قضية داخلية، بل ورقة في صراع النفوذ الإقليمي والدولي”.
من جانبه، يشدد حجازي على أن “إشراك الضحايا في مسار العدالة الانتقالية، وتمثيلهم الفعلي في لجان الحقيقة والمحاسبة، هو السبيل الوحيد لضمان عدم تكرار الجرائم”. ويعرب عن خشيته “من أن يتم توظيف هذه اللجان لصرف الانتباه عن انتهاكات مستمرة عبر استثمارات سطحية أو وعود اقتصادية غير محققة”.
بين التصريحات الرسمية التي تعد بالعدالة، والانتقادات التي تحذر من التسويف، تبدو لجان التحقيق الوطنية في سوريا أمام اختبار مزدوج: إثبات الجدية في كشف الحقيقة، وتقديم عدالة لا تُجزأ ولا تُؤجل.
وفي ظل زخم إقليمي ودولي متداخل، تتحول هذه اللجان إلى مرآة تعكس نوايا النظام الجديد، ومقياسًا للمواطنين لمعرفة ما إذا كان المسار الذي تسلكه البلاد هو فعلاً نحو دولة قانون، أم مجرد تبديل للأدوار داخل لعبة لم تتغير قواعدها.










