في ظل التحولات العميقة التي تشهدها سوريا بعد سقوط النظام البعثي، تطرح العلاقة مع إسرائيل نفسها من جديد كأحد الملفات الساخنة والمعقدة. فبين مفاوضات سرية في الماضي، وتوجه نحو تطبيع مشروط في الحاضر، يبدو أن “العامل الإسرائيلي” أصبح أكثر تأثيرًا من أي وقت مضى. وفي ظل توجهات براغماتية تعتمد على تطبيع مشروط وتحقيق استقلالية أكبر عن النفوذ الإيراني، تتزايد التكهنات بشأن مستقبل الجولان وانعكاس هذا التقارب المحتمل على استقرار البلاد والمنطقة.
يرى الناشط السياسي السوري صدر الدين اليافي أن سوريا كانت منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي في طليعة الدول الرافضة للكيان الإسرائيلي، إلا أن وصول حافظ الأسد إلى وزارة الدفاع عام 1967 شكّل نقطة تحول مأساوية، حين أمر بما وصفه بـ”الانسحاب الكيفي” من الجولان، الأمر الذي أدى إلى أكبر هزيمة عسكرية وسياسية تتحمل تبعاتها الأمة حتى يومنا هذا.
وبحسب اليافي، فإن تلك المرحلة أسست لعلاقة جديدة بين النظام السوري وإسرائيل، قوامها التبعية والاتصالات السرّية، مشيرًا إلى أن اتفاقية فصل القوات عام 1974 بعد حرب تشرين – التي يصفها بـ”حرب التحريك” – لم تكن إلا مدخلاً لتسليم لبنان للأسد، الذي استباحه على كافة المستويات.
اقرأ أيضاً: لقاء سوري–إسرائيلي على هامش إسقاط مذكرة توقيف الأسد – 963+
إسرائيل تستثمر لتكريس نفوذها
يؤكد اليافي لـ”+963″ أن إسرائيل استثمرت سقوط النظام السوري لمصلحتها، من خلال شنّ ضربات جوية دمّرت 90% من العتاد العسكري السوري، وإنشاء منطقة عازلة، والتوغل اليومي في الأراضي السورية. كما اتهمها بدعم مشروع التقسيم عبر تحالفات مع قوى محلية في السويداء، في محاولة لتفتيت الجغرافيا السورية وفرض تفاهمات جديدة أقلّها مشابهة للعلاقة التي كانت تربط النظام السابق بإسرائيل.
ويشير اليافي إلى أن أن التحولات في سياسة إسرائيل تجاه سوريا نابعة من تغيرات إقليمية وضغوط دولية، مشيرًا إلى أن إسرائيل باتت تسعى للتواصل مع قوى إسلامية ناشئة بعد أن كان تركيزها سابقًا على التنسيق مع النظام. ويعزو ذلك إلى تخوف تل أبيب من بروز قيادة وطنية سورية تلقى دعمًا شعبيًا واسعًا، ما يهدد مصالحها في المنطقة.
ويعتبر اليافي أن إسرائيل تستثمر سقوط النظام السوري عبر ضربات جوية تعطل نحو 90% من العتاد الحربي، وتكرّس وجودها في المنطقة العازلة، وتخترق الجغرافيا السورية بدعم قوى محلية في السويداء، في محاولة لتقسيم البلاد وفرض تفاهمات لا تقل سلبية عن تلك التي تجمعها بالنظام السابق. ويشير إلى أن إسرائيل تواصل اتصالاتها العلنية والسرّية، سعياً منها للحفاظ على قناة تواصل مريحة تُبعد خطر صعود قيادة وطنية تحظى بدعم شعبي واسع.
وفيما يخص اتفاقيات إبراهام، يرى اليافي أن النظام السوري غير معني حاليًا بالانضمام إليها، وذلك نتيجة المزاج الشعبي الرافض لها، إضافة إلى استحالة اتخاذ مثل هذا القرار دون دراسة دقيقة للعواقب السياسية والاجتماعية.
ويختتم الناشط السياسي بالتحذير من أن استغلال إسرائيل لسقوط النظام ومحاولتها فرض اتفاقية إذعان عبر الضغط والملفات الإقليمية قد يؤدي إلى زعزعة استقرار سوريا والمنطقة بأكملها، ما لم يتم احتواء هذه التدخلات من قبل الولايات المتحدة والقوى الفاعلة.
بين إرث الصراع ومخاطر التفاهمات
وفي مقابل سردية الناشط السياسي صدر الدين اليافي يطرح الكاتب والباحث السياسي علي ثابت رؤية مغايرة لتفسير العلاقة بين سوريا وإسرائيل، معتبرًا أن العلاقة بين سوريا وإسرائيل تشكل عاملًا بنيويًا في صياغة واقع الدولة السورية منذ تأسيسها، حيث ترتبط بالسياقات الاستعمارية مثل سايكس بيكو ووعد بلفور، وتنعكس في أحداث مثل انقلاب حسني الزعيم، الذي يأتي مدعومًا خارجيًا بعد توقيع اتفاقية الهدنة
ويقول ثابت لـ”963+” إن اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 تمثّل نقطة فاصلة تحكم العلاقة بين دمشق وتل أبيب، إذ تفرض حالة من الهدوء المستمر في الجولان رغم تقلبات الإقليم وتطورات الصراع العربي الإسرائيلي. ويتحدث عن مسار جديد للسلام ينطلق مع احتلال العراق، هدفه استكمال اتفاقات كامب ديفيد ووادي عربة، إلا أن الجولان يبقى العقبة التي تحول دون إحداث خرق في المسار السوري.
ويحذر ثابت من أن المرحلة الحالية تنطوي على تخبط سياسي خطير خصوصًا في ظل وقوف الدول الداعمة للحكومة الانتقالية عاجزة أمام الضغط الإسرائيلي، وتوجهها لحث سوريا على التعاون دون تقديم ضمانات واضحة أو موقف حازم. ويصف إسرائيل بأنها ترى اللحظة الراهنة فرصة استراتيجية للتخلّص من سوريا القوية، وتسعى لفرض نموذج يشبه لبنان أو السلطة الفلسطينية: بلد منزوع السلاح ومخترق وضعيف سياسيًا.
كما ينتقد الموقف الأمريكي، ويصف سياسة ترامب بأنها تجارية، تستغل الخليج للابتزاز المالي، وتركيا للحفاظ على النفوذ، معتبرًا أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى المنطقة إلا عبر المنظار الإسرائيلي.
وفي وقت سابق، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بحدوث لقاء جمع رئيس المرحلة الانتقالية السورية أحمد الشرع مع مسؤولين إسرائيليين في العاصمة الأذربيجانية باكو، إلا أن صحيفة “الوطن” السورية سارعت إلى نفي هذه المزاعم، مؤكدة عدم مشاركة الشرع في أي اجتماعات من هذا النوع. وذكرت الصحيفة أن دمشق تركز حالياً على ضمان التزام إسرائيل باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، دون أن يكون ملف التطبيع أو السلام مطروحاً على جدول الأعمال في المرحلة الراهنة.
اقرأ أيضاً: مسؤول سوري: الانسحاب الإسرائيلي خطوة نحو الاستقرار.. ونرفض “جيشاً داخل الجيش” – 963+
علاقات سرية واتفاقات غير معلنة
من جانبه يرى الناشط السياسي والحقوقي سليمان الكفيري أن هناك تناقضًا واضحًا بين مواقف الشعوب العربية تجاه إسرائيل ومواقف حكوماتها، حيث تسود علاقات غير معلنة تخالف تمامًا ما يُصرّح به علنًا. ويعتقد أن ما تشهده المنطقة خلال العقود الخمسين الماضية مرتبط بأجندات دولية واتفاقيات سرية بين إسرائيل وعدد من الحكومات العربية.
ويؤكد الكفيري أن العلاقات بين تلك الحكومات وإسرائيل قبل سقوط النظام السوري يجب أن تختلف عما بعدها، إلا أنه يرى أن السلطة الحالية في سوريا، والتي تولت الحكم بقرارات دولية، تسير على نفس النهج، إذ أن الخطاب المعلن لا يعكس حقيقة ما يجري خلف الكواليس.
ويضيف لـ”963+” أن إسرائيل سارعت لاستثمار لحظة سقوط حزب البعث ونظام الأسد، ويُرجّح أن لها دورًا مباشرًا في هذا التغيير، مشيرًا إلى وجود خارطة طريق لسوريا الجديدة وضعتها أطراف دولية وإسرائيل، تتضمن اتفاقات حول مستقبل سوريا وعلاقاتها مع تل أبيب. كما يرى أن الحكومة الانتقالية الحالية تربطها بإسرائيل قنوات حوار وتعامل، أُعلن عنها بطرق غير مباشرة، مما يُظهر أن هذه السلطة لا تتحرك خارج إرادة إسرائيل.
ويرى الكفيري أن من المهام الملقاة على الرئيس السوري أحمد الشرع هو تمثيل الأغلبية الشعبية، والتي تُقدّر بـ80% من السوريين المنتمين للقوى السنية ذات الطابع الديني. وبهذا يكون توقيع الاتفاقات مع شخصية تمثل هذه الأغلبية أكثر اطمئنانًا لإسرائيل من توقيعها مع ممثلين لأقليات.
ويختم بأن خارطة الطريق التي يتبعها الشرع وسلطته ليست نتيجة لضغوط لحظية، بل هي تنفيذ لاتفاقات مُبرمة مسبقًا، تتضمن الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم مقابل رفع العقوبات الدولية. ويرى أن هذا المسار ليس خيارًا حقيقيًا بل هو إلزام دولي، وخاصة فيما يتعلق بتحويل الجنوب السوري إلى منطقة منزوعة السلاح، وتأمين ما يُعرف بـ”طريق إبراهيم” من القنيطرة مرورًا بالسويداء وصولًا إلى التنف، وهي جزء جوهري من تلك الخارطة التي أدت إلى تولي الشرع السلطة.










