من الشمال إلى الجنوب، تجد سوريا نفسها في قلب صراع مزدوج: مشروع تركي يستلهم “العثمانية الجديدة” ويسعى لفرض واقع إقليمي يعيد أنقرة إلى موقع الهيمنة، ومخطط إسرائيلي يُعيد إنتاج خرائط التقسيم انطلاقاً من الجولان نحو العمق السوري. وبين هذا وذاك، تحاول الدولة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، أن تُعيد تعريف ذاتها بعد سقوط نظام الأسد، وتواجه تحديات بناء الدولة ومقاومة مشاريع النفوذ الخارجي في آنٍ معاً. فهل تنجح سوريا في الخروج من مستنقع التدخلات المتشابكة؟ وهل تقدر إدارتها الانتقالية على تفكيك أوهام الإمبراطورية العثمانية وكبح أحلام إسرائيل الكبرى دون أن تقع في فخوص التبعية؟
سوريا.. بين سقوط الأسد وبداية عهد الشرع
مع سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، تولى أحمد الشرع قيادة سوريا في المرحلة الانتقالية بداية من 29 يناير 2025، ليبدأ مرحلة بناء دولة انتقالية تقوم أسسها على إعلان دستوري مؤقت يمتد حتى عام 2030.
وتركزت خطوات الحكومة الانتقالية بقيادة الشرع على إلغاء مؤسسات النظام السابق، حل مجلس الشعب القديم، إلغاء حزب البعث، وتفكيك الأجهزة الأمنية التابعة له، فضلاً عن دمج الفصائل المسلحة ضمن جيش وطني واحد تحت سلطة الدولة. كما تم إطلاق مسار عدالة انتقالية صارمة مع ملاحقة مجرمي النظام محلياً ودولياً، بهدف إنهاء دائرة العنف والانتقال إلى السلام والتنمية.
وبينما تسعى القيادة الجديدة إلى إرساء أسس وطنية جديدة، يُحذّر الدكتور صلاح قيراطة أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، من أن مستقبل سوريا قد يُرسم بالسلاح لا بالسياسة إذا لم تُدار المرحلة الانتقالية بذكاء ووعي وطني.
ويؤكد في تصريحات لـ”963+” أن تشكيل قيادة انتقالية بقيادة الشرع يمثّل فرصة نادرة لإنقاذ الدولة السورية من مخاطر التقسيم والتفتت، مشددًا على أهمية بناء تحالف وطني جامع وخطاب سيادي يستند إلى المصالحة والعدالة، ويرفض التبعية لأي طرف خارجي.
اقرأ أيضاً: أردوغان: الشرع اتخذ موقفاً “حازماً” في السويداء وتركيا لن تترك سوريا وحدها – 963+
أوهام الإمبراطورية العثمانية: الدور التركي في سوريا الجديدة
في الوقت ذاته تحاول تركيا أن تستثمر الفراغ السياسي لتعزيز نفوذها الاستراتيجي والعسكري، مستندة إلى ما يُعرف بـ”العمق الاستراتيجي” العثماني.
وفي سياق خطابه المتواصل الذي يستحضر “أوهام الإمبراطورية العثمانية”، واصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تدخله السياسي في الملف السوري، حيث قال مؤخراً إن نظيره السوري أحمد الشرع اتخذ موقفاً حازماً من أحداث محافظة السويداء، مؤكداً استمرار دعم أنقرة له ورفضها أي مشروع لتقسيم سوريا.
كما لفت إلى أن اجتماعات تعقد في عمّان بحضور ممثلين أردنيين وأميركيين لمتابعة أزمة السويداء، موضحاً أن مسؤولين أتراكاً، من بينهم وزير الخارجية ورئيس الاستخبارات، يتواصلون بشكل مستمر مع نظرائهم في الغرب بشأن الملف السوري.
من جانبه، كان قد صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن خارطة طريق جديدة بشأن سوريا وُضعت بجهود إقليمية ودولية، شاركت فيها تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والسعودية.
واتهم فيدان إسرائيل بتعمد زعزعة الاستقرار في المنطقة، متجاهلة القوانين الدولية ووحدة الأراضي السورية، وأكد أن دول الإقليم تتابع هذه التحركات عن كثب وتنسق فيما بينها للتصدي لها.
وتأتي هذه التصريحات لتؤكد استمرار أنقرة في تبني خطاب توسعي يخلط بين الطموحات الإقليمية والتدخلات السياسية، مستنداً إلى رؤية تتجاوز حدود الدولة الوطنية وتستعيد سرديات تاريخية تتقاطع مع مشروع عثماني جديد.
وفي هذا الإطار، يقول الدكتور جمال واكيم المتخصص في تاريخ العلاقات الدولية، في تصريحات لـ”963+” إن ما يُعرف بـ”الرؤية التركية الجديدة” يُعبّر عن استراتيجية لحزب العدالة والتنمية تهدف إلى إدارة الظهر لأوروبا والانفتاح على العالم العربي عبر البوابة السورية، مشيراً إلى أن أنقرة تسعى لتحويل سوريا والعالم العربي إلى ما يشبه “الحديقة الخلفية” للمصالح التركية.
ويرى واكيم أن هذا المشروع يحمل بعدًا أيديولوجيًا يقوم على تصدير نموذج “الإخوان المسلمين” في الحكم، لتعميمه لاحقًا على دول عربية أخرى تحت مظلة النفوذ التركي.
اقرأ أيضاً: “ميدل إيست آي”: أردوغان نصح الشرع بعدم الانخراط في الصراع الإسرائيلي – الإيراني – 963+
ويعزز الدكتور قيراطة هذا الطرح بالقول إن التدخل التركي ليس مجرد استجابة أمنية، بل هو تجلٍّ واضح لمشروع “العثمانية الجديدة”، الذي يسعى لإعادة تموضع تركيا كقوة مركزية في الفضاء العثماني السابق، من خلال أدوات عسكرية وثقافية وإدارية.
ويوضح أن عمليات “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام” لم تكن فقط عمليات عسكرية، بل حملت معها رموز السيادة التركية: رفع الأعلام التركية، تغيير أسماء الشوارع، إدخال اللغة والعملة التركية، إلى جانب سياسة تغيير ديموغرافي ممنهج، لا سيما في المناطق الكردية والمختلطة.
ويرى قيراطة أن هذا التغلغل التركي يخلق أثرًا نفسيًا عميقًا لدى السكان الأصليين، يشعرهم بأنهم باتوا غرباء في أرضهم، مما يؤدي إلى تآكل الانتماء الوطني، ويُضعف فرص بناء مشروع سوري جامع، ويحوّل تلك المناطق إلى كيانات شبه منفصلة تخدم المخططات التقسيمية على المدى البعيد.
ويضيف واكيم أن تركيا لا تكتفي بالشمال، بل تحاول فرض وجودها في عموم الجغرافيا السورية، وهو ما يصطدم بمصالح قوى إقليمية ودولية. وفي الوقت ذاته، تخشى أنقرة من التقسيم، خصوصًا من قيام كيان كردي شمالي يهدد أمنها القومي، ما يدفعها لمزيد من التدخل العسكري والسياسي في سوريا، بدلاً من الخروج منها.
ويؤكد قيراطة أن الإدارة الانتقالية تواجه استحقاقًا حرجًا في إعادة تعريف العلاقة مع تركيا كـ”دولة جوار لا كوصي سياسي”، داعيًا إلى تفعيل الأدوات الدبلوماسية والقانونية ضد الانتهاكات التركية، خصوصًا في عفرين ورأس العين، التي شهدت ممارسات تتريك ممنهجة واستبدال مؤسسات الدولة السورية بهياكل موالية لتركيا.
اقرأ أيضاً: لقاء سوري–إسرائيلي على هامش إسقاط مذكرة توقيف الأسد – 963+
أحلام إسرائيل الكبرى في الجنوب السوري
في المقابل، تشهد المناطق الجنوبية السورية تحركات إسرائيلية تهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، يبدأ بترسيخ الاحتلال في الجولان ويمتد إلى عمق الجنوب السوري.
وتهدف تل أبيب إلى إقامة “منطقة أمنية غير معلنة”، تمتد من الجولان نحو محافظة السويداء، وتُدار عبر قوى محلية مرتبطة وظيفيًا بها.
ويحذر قيراطة من أن هذا المشروع يُعيد إنتاج نموذج الجنوب اللبناني في الثمانينيات، ما يُهدد وحدة الأراضي السورية، ويقوّض مشروع المصالحة الوطنية.
كما يشير إلى أن هذا الواقع الجديد يفرغ العدالة الانتقالية من مضمونها، ويخلق “استثناءً سياسيًا” يكافئ من يتحالف مع الخارج، ويضعهم فوق المحاسبة، ما يهدد بتحويل الجنوب إلى منطقة رمادية خارجة عن سلطة الدولة.
وفي السياق، يوضح واكيم أن الاستراتيجية الإسرائيلية تتجاوز الجنوب السوري، وتسعى لتحويل الهلال الخصيب إلى مجال حيوي عبر تقسيمه إلى كيانات طائفية. وتبدأ هذه الاستراتيجية من الجنوب السوري بإنشاء ممر يصل مناطق سيطرة إسرائيل في الجولان بالسويداء، ثم إلى الشمال الشرقي حيث “قسد”، ثم إلى الأكراد في العراق، ما يسمح لتل أبيب بالاقتراب من الأراضي الإيرانية من الشمال والجنوب، ويفتح الباب أمام توجيه ضربات استراتيجية.
واكيم يرى أن هذا المشروع يواجه عقبات كبرى، منها الموقف التركي الرافض، الذي قد يتحالف ظرفيًا مع إيران، إضافة إلى رفض سعودي لهذا النوع من الهيمنة الإسرائيلية. ومع ذلك، تبقى إسرائيل ماضية في ترسيخ وجودها عبر أدوات غير تقليدية، وعلاقات وظيفية مع قوى محلية، تحمي مصالحها وتبقي الجنوب السوري في حالة عدم استقرار دائم.
أما قيراطة فيؤكد أن القيادة السورية مطالبة بتضمين استعادة الجنوب والجولان بندًا غير قابل للتفاوض في أي برنامج سياسي مستقبلي، وأن الموقف من إسرائيل يجب أن يُبنى على رؤية وطنية لا تقبل التبعية أو المقايضة.
وكانت قد كشفت مصادر إعلامية عن لقاء نادر بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، عُقد في العاصمة الفرنسية باريس، بحضور المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك. ووفقاً لما أورده موقع “أكسيوس”، يُعد هذا الاجتماع هو الأول من نوعه على هذا المستوى بين الجانبين منذ نحو ربع قرن، في خطوة أثارت تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين دمشق وتل أبيب تحت رعاية أميركية.
وبحسب الموقع ذاته، فقد جاء الاجتماع في إطار تفاهمات تهدف إلى تعزيز الاستقرار الأمني في جنوب سوريا، وتفادي تكرار المواجهات الأخيرة التي شهدتها المنطقة. وأوضح مسؤول إسرائيلي رفيع أن الحكومة الإسرائيلية تأمل أن يكون هذا اللقاء بداية لمسار ديبلوماسي جديد مع دمشق، يتجاوز الترتيبات الأمنية على الحدود إلى آفاق أوسع من التعاون.
كما كشفت مصادر إسرائيلية أن هذا الاجتماع تتويج لسلسلة من اللقاءات السرية بين الطرفين خلال الأشهر الماضية، ما يشير إلى تحركات إقليمية تجري في الخفاء، تصب في اتجاه إعادة رسم الخرائط السياسية بما يخدم المصالح الإسرائيلية في المنطقة.
اقرأ أيضاً: الدور الروسي في سوريا: دعم سياسي بلا التزامات وتنسيق مع إسرائيل رغم التحفظات – 963+
التوازنات الإقليمية والدولية وتأثيرها على سوريا الجديدة
إلى جانب تركيا وإسرائيل، تلعب روسيا، إيران، والولايات المتحدة أدواراً متشابكة في سوريا، مما يزيد من تعقيد مهمة الحكومة الانتقالية. يسعى الشرع إلى انتهاج سياسة خارجية متوازنة، تقوم على الانفتاح على دول الجوار والفاعلين الدوليين، دون الوقوع في فخ التبعية لأي محور.
لكن واكيم يلفت إلى أن هناك محاولات لإعادة الإمساك بسوريا من خلال أدوات اقتصادية، لا سيما عبر الرهان على البرجوازية الشامية والحلبية ذات العلاقات التاريخية مع العراق والخليج. غير أن هذه الرؤية تصطدم بمعوقات واقعية، أبرزها العقوبات الأميركية، أزمة السيولة، وسوء إدارة الملف الاقتصادي، إضافة إلى توتر العلاقات مع العراق ولبنان، ما أدى إلى تراجع الصادرات السورية بنسبة تصل إلى 70%، وعرقلة انسيابها عبر الأردن باتجاه الخليج.
وفي ذات السياق، يُحذّر قيراطة من فخ “التفتيت عبر الدعم”، مشددًا على ضرورة بناء تحالفات وطنية واقعية تحترم وحدة سوريا ولا تقايض الأرض بالتمويل. ويؤكد أن استعادة القرار السوري لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال مشروع نابع من الداخل، يُعبّر عن إرادة السوريين لا عن إرادات العواصم الكبرى.
أبرز التحديات التي تواجه سوريا الجديدة
التحديات تشمل ضبط الأمن وحصر السلاح بيد الدولة، إعادة الثقة بين السوريين، وإطلاق مصالحة وطنية شاملة تنهي الانقسامات الطائفية والإثنية. كما تشكّل مواجهة التدخلات الخارجية، ولا سيما التركية والإسرائيلية، دون الوقوع في فخ التبعية، اختبارًا كبيرًا للقيادة الانتقالية.
ويشدد قيراطة على ضرورة صياغة خطاب سياسي جامع يعيد الاعتبار للحدود السورية كجزء لا يتجزأ من هوية الدولة، ويرفض المشاريع الخارجية التي تسعى لتفكيك الهوية الوطنية، مشيرًا إلى أن استعادة السيادة لا تكون بالشعارات بل عبر بناء مؤسسات قوية مستقلة في دمشق، لا تديرها أنقرة أو تل أبيب أو موسكو.










