عانت كل مناحي الحياة من الجمود بعد السقوط، ولكن القطاع الثقافي كان الأوفر حظًا، وذلك لأن حقيبة وزارة الثقافة غابت عن الحكومة السورية الجديدة، وظلت دمشق ثلاثة أشهر بلا صاحب قرار في الشأن الثقافي، حتى إن يوم المسرح العالمي مرّ دون احتفالات، في سابقة تحدث لأول مرة في دمشق.
ومع تشكيل الحكومة السورية، عادت الأمور إلى طبيعتها نسبيًا، وتدريجيًا عاد النشاط الثقافي إلى حراكه الذي يشكّل ملمحًا أساسيًا من ملامح الحياة السورية.
فها هو مسرح القباني يحتضن عرض “كل عار وأنتم بخير” للأخوين أحمد ومحمد ملص، وهو إنتاج خاص غير حكومي، استضافته وزارة الثقافة وأتاحت له العرض على خشبة المسرح، بعد أن قُدم بصيغة مسرح الغرفة.
فيما افتتح المسرح القومي باكورة أعماله على خشبة الحمراء بعرض “آخر ليلة أول يوم”، وهو من تأليف الكاتب جوان جان، وإخراج رائد مشرف، الذي أدى أحد دوري المسرحية إلى جانب عهد ديب.
وذلك بحضور جماهيري جيد، وبإيقاع ساخن قدّم مشرف وديب ثنائية مسرحية قالت أشياء معقدة بلغة مألوفة وقريبة، وبأسلوب إخراجي سلس وبسيط لم يُشتّت الجمهور ولم يشعره بالغربة، مع ديكور واقعي وموسيقى توّجت التأثير بخفة ورشاقة.
اقرأ أيضاً: كي لا ندمّر المستقبل… احرص ألا يشاهد طفلك المحتوى العنيف – 963+
عمل من المسرح الاجتماعي
ويقول كاتب المسرحية جوان جان لـ”963+”: “يمكن تصنيف العمل تحت مسمى المسرح الاجتماعي، وهو يطرح قضايا متعلقة بالحياة الأسرية، وما يحدث بين الأزواج، والفارق بين الحالة المثالية للزواج والحالة الواقعية، وأسباب تعقيد العلاقات الزوجية، خاصة في ظل الضغط الاقتصادي والظروف الاجتماعية العامة، ويسعى كل طرف في هذه العلاقات إلى إقصاء الآخر، والحد من طموحاته، ومحاولة تقزيمه”. ونستطيع القول إن حكاية العمل تمثل نموذجًا لمعظم الأسر السورية، إن لم يكن جميعها، وخاصة تلك التي تفتقد إلى وجود أولاد لسبب ما.
ويضيف: “في نهاية المسرحية حاولتُ القول إن الحياة مستمرة رغم وجود الخلافات والصراعات بين الطرفين، والتي قد تدفعهما في وقتٍ ما إلى اتخاذ قرار بالانفصال، لكن شخصيتي المسرحية تختاران أن الحب والتفاهم هما الأقوى، وأن الحياة يجب أن تستمر”.
ويبيّن جان أنه مطلع على تجربة رائد مشرف كمخرج وممثل مسرحي، وأن هذا هو أول تعاون بينهما، ويضيف: “كان التعاون والتنسيق مع رائد مشرف كاملًا خلال العمل؛ فقد حضرت بعض البروفات، وتناقشنا في كثير من التفاصيل، حتى وصلنا إلى الصيغة التي شاهدها الجمهور”.
مقولة تلامس حياة الناس
أما المخرج والممثل رائد مشرف، فقد أوضح أن هذه تجربته الثالثة في الإخراج المسرحي، بعد مسرحية “وحشة” عام 2018، و”فوضى” عام 2019، ويقول لـ”963+”: “أنا سعيد بمسرحية آخر ليلة أول يوم لأنها أول عمل تنتجه مديرية المسارح ويُعرض على المسرح القومي بعد السقوط. وهي تناقش الحياة الزوجية ومشاكلها، ونريد أن نقول من خلال المسرحية إن الحب لا ينتهي، بل يبقى دائمًا، وإن الرجل والمرأة يُشكّلان النصف الآخر لبعضهما، ولا يستطيعان إلا أن يُكملا بعضهما”.
ويصف مشرف الإقبال الجماهيري بـ”المعقول ضمن هذه الظروف السائدة في البلد”، ويوضح أن العرض لا يرتبط بالأحداث السياسية، بل يناقش حالة إنسانية ضمن الأسرة الواحدة.
ويضيف: “تعمّدت أن أتناول موضوعًا يلامس الناس ويؤثر في مشاعرهم، ويكون قريبًا منهم، ويضيء على بعض التفاصيل والنقاط في حياتهم اليومية، ضمن الظروف القاسية التي يعيشونها”.
تحدٍّ كبير على الصعيد الشخصي
شكّل هذا العرض تحديًا شخصيًا للممثلة عهد ديب، التي سبق أن قدمت عدة عروض مسرحية للأطفال، ثم انقطعت عن المسرح لأسباب شخصية.
وتقول ديب لـ”963+”: “هذه التجربة كانت تحديًا كبيرًا لي على الصعيد الشخصي، لأني أعود إلى المسرح بعد غياب، ولأن النص يشبهنا، وليس بعيدًا عن طبيعة العلاقات في المجتمع السوري أو العلاقات الإنسانية بشكل عام”.
وتضيف: “من خلاله أردت أن أوجّه رسالتين: الأولى، رسالة العرض التي تقول إنه مهما كانت هناك خلافات بين الأزواج أو الأصدقاء، فإن الحب يظل هو القيمة الأسمى، ويمكن حل الخلافات الروتينية بالحب؛ أما الرسالة الثانية، فهي على الصعيد الشخصي، حيث شكّلت هذه التجربة عودة لي، وكانت بمثابة ورشة عمل لإعادة صقل أدواتي كممثلة مسرحية. وقد ساعدني شريكي الفنان رائد مشرف كثيرًا؛ فهذا النوع من الأعمال، الذي يعتمد على ممثلَين فقط، يحتاج إلى “كيمياء عالية” وتفاهم وانسجام بين الشخصيتين. وأعتقد أن حجم الجهد والتعب والحرص على الأداء كان واضحًا للجمهور”.
اقرأ أيضاً: المركز الثقافي في أبو رمانة بدمشق يحتضن معرض للفنان التشكيلي غسان مارديني – 963+
المسرح قرار سياسي بالدرجة الأولى
أما الناقد والإعلامي ملهم الصالح، فقد رأى أن كثيرًا من النقاد يعتبرون تاريخ الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي وهو تاريخ السقوط، مفصليًا في مسيرة المسرح السوري.
وعن “آخر ليلة أول يوم” يقول الصالح لـ”963+”: “يكفي هذه التجربة جرأة أنها تصدّت لتكون أول عرض يُقدَّم على خشبة المسرح القومي بعد السقوط، وتحمل في مضمونها صراعًا بين زوج طبيب وزوجته الكاتبة الدرامية، وتُبيّن كيف أن التفاصيل اليومية قد تودي بالحب إلى رتابة قاتلة، لكن الحب قادر على تجديد العلاقة، وأذكر أثناء زيارتي لمطبخ العمل قبل أن يُعرض، أن هناك اقتراحًا بأن يكون عنوانه ملّوتون (بمعنى الرتابة)، لكن خُشي من أن يكون العنوان مباشرًا، فتم الالتزام بالعنوان الأساسي. وأعتقد أن هذه التجربة بداية موفقة لتجارب أخرى ستتلوها، وترسم ملامح المسرح السوري القادم”.
وعن سؤال ما إذا كان المسرح السوري سيتقدم أم يتراجع بعد السقوط، يقول الصالح: “من المبكر جدًا الإجابة عن هذا السؤال، فهناك عوامل كثيرة تؤثر في ذلك، منها اجتهاد المسرحيين أنفسهم، وإيمانهم بضرورة بقاء المسرح. وقد لاحظنا اليوم، على مستوى الكادر البشري الإبداعي، تمسكًا ببقاء المسرح. ويبقى السؤال لدى الجهات المعنية: ما مدى ما ستقدمه من دعم للمسرح السوري كي يبقى حيًا ويتقدم؟ يُعوَّل في القادم من الأيام على تغييرات جذرية يمكن أن تنهض بالمسرح السوري، لأني أرى أن نهضة المسرح هي قرار سياسي بالدرجة الأولى”.
وعن التخوف من الرقابة التي قد تُفرض على المسرح السوري خصوصًا، أو المشهد الثقافي والفني عمومًا، يقول: “من خلال العرضين اللذين قُدّما بعد السقوط، لا يظهر حتى الآن أن هناك سطوة كبيرة للرقابة، لكن قادم الأيام سيوضح حقيقة الأمر: هل سيكون للرقابة تأثير كبير على الإبداع؟ أم أن هامش الحرية سيكون واسعًا؟”.










