في الشرق الذي يُتقن إعادة إنتاج الحرائق، لا تنطفئ الساحات حين يسكت الرصاص، بل تبدأ من جديد في المساحات الرمادية التي تتركها الهدنات والسلام الهش. سوريا، التي احترقت لسنوات تحت نير الاستبداد والحرب والمجازر والاحتلالات المتعدّدة، تدخل اليوم طوراً جديداً من القلق: قلق التحالفات وقلق المصالح المتقاطعة. لم تعد دمشق محكومة بيد بشار الأسد، بل بيد جديدة تُدعى أحمد الشرع، ومن حوله تركيا وإسرائيل وكثير من القوى الأخرى التي يهمّها أن تكون شريكاً في خرائط الداخل السوري، كما يهمّها أن تُقوّض نفوذ بعضها بعضاً.
تركيا، التي تمددت شمالاً بذريعة الأمن القومي ودرء “الخطر الكردي”، لم تكن يوماً بعيدة عن طموح أوسع: أن تصبح لاعباً مركزياً في المشرق العربي، لا مجرّد جار عادي. والآن، بعدما استقرّت قواتها في أعزاز وجرابلس وتل أبيض وإدلب، لن تعود أنقرة إلى الوراء، بل تتقدّم بقوة ناعمة تُوزّع فيها المساعدات، تُنشئ المدارس، تُدرّب الشرطة المحلية، وتُعيد تأهيل بعض البنية التحتية… لكنها، في العمق وفي الحقيقة، تبني جمهوراً وتزرع ولاءً وتُؤسّس لوجود طويل الأمد.
في هذا السياق، تطرح المعادلات الجديدة سؤالاً كان مستحيلاً قبل سنوات قليلة: هل تصبح سوريا، ما بعد نظام بشار الأسد، خط الدفاع الأول عن تركيا في وجه إسرائيل؟
هذا السؤال ليس عبثياً. فمنذ أن خرج الأسد من قصره وبلاده، انكشفت الجغرافيا السورية أمام تحوّلات مذهلة. أحمد الشرع، الذي جاء بملامح تغييرية وإصلاحية لكن بدعم تركي فاقع، يواجه اليوم معضلة كبرى: إسرائيل، التي لم تتوقف يوماً عن قصف الداخل السوري، تستهدف الآن مواقع وأسلحة وممرات، بعضها لا يخصّ حكمه فقط، بل يشمل مناطق نفوذ تركي أو خطوط دعم لفصائل محسوبة على أنقرة، أو حتى مراكز قديمة ومهجورة تعود للحكم السابق.
قد لا يكون الصدام مباشراً، لكن التماس واقع، والحدود تزدحم بالأسئلة. إسرائيل تراقب تمدّد تركيا في الشمال كما في شرايين سوريا كلها، فيما ترصد أنقرة بحذر حركة إسرائيل من الجولان إلى البوكمال، ومن بيروت إلى طهران. هناك شعور دفين بأن الاشتباك، إن لم يقع عسكرياً، قد يحدث استراتيجياً: تصادم إرادات، لا تقاتل جيوش.
من يقرأ تاريخ العلاقة التركية-الإسرائيلية، يعرف أن بين الدولتين ماء كثير، لكنه لا يُطفئ النار البتة. ففي عام 1998، حين وقّعت أنقرة وتل أبيب اتفاقاً أمنياً حمل بصمات واشنطن، كانت سوريا آنذاك في ضفّة أخرى، تتلقّى التهديدات التركية بسبب “العمال الكردستاني”، وتُراقب الطيران الإسرائيلي وهو يتدرّب في السماء التركية. لكن الزمن تغيّر، ولم تعد تل أبيب تثق بأنقرة، والعكس صحيح. فتركيا اليوم ليست حليفاً، بل خصماً يناور، يحتضن الشرع ويسنده، ويدعم فصائل أجنبية في سوريا لا تنظر إليها إسرائيل بعين إيجابية، ويطمح إلى دور يتجاوز حجمه السابق.
أحمد الشرع لا يملك رفاهية اختيار المعسكرات بسهولة. حكمه لا يزال هشّاً، والبلاد لم تلتئم جراحها. لكنه، بحكم العلاقة الوثيقة مع تركيا، قد يجد نفسه في موقع المتورّط لا المتفرّج. إذ ماذا تفعل دمشق إذا قصفت إسرائيل موقعاً تركياً؟ وماذا تفعل أنقرة إذا قرّرت تل أبيب ضرب مصالح الشرع بشكل مباشر؟ وما الذي يحدث حين تلتقي صواريخ إسرائيل مع الحلم العثماني في ممرّ واحد؟ وكيف يمكن للشرع أن يُواءم بين بناء دولة سيّدة وإرضاء جاريه؟
الخطر لا يكمن في الحرب فقط، بل في الرماد الذي يُعاد إشعاله كل مرة بأسماء جديدة. سوريا التي كانت حلبة لتصفية الحسابات، قد تتحوّل اليوم إلى حاجز تصادم. لا لأنّ أهلها يريدون ذلك، بل لأنّ الجغرافيا تفرضه فرضاً.
قد ترى أنقرة في سوريا اليوم ما كانت تراه واشنطن في إسرائيل زمن الحرب الباردة: قلعة أمامية، حاجز صد، وموقع استباقي لأي تهديد محتمل. لكن الفارق أن الأرض السورية لم تعد مساحة صافية، بل مسرحاً مفتوحاً على كل الاحتمالات: ميليشيات، قوى أجنبية، شعب جائع، فصائل متناحرة، حنين للحرب، أقليات تُنحر، وخوف من المستقبل.
في النهاية، لا تكفي السيطرة على شمال سوريا لصنع دفاع آمن لتركيا، تماماً كما لا تكفي سيطرة الجيش الإسرائيلي على مساحات في الجنوب السوري لتأمين نفسه. فالدفاع لا تصنعه الجغرافيا فقط، بل تصنعه القدرة على إدارة التناقضات، وعلى ترسيخ شرعية حقيقية وسط الرمال المتحرّكة. وسوريا الجديدة، إن أرادت أن تكون سدّاً في وجه إسرائيل، فعليها أولاً أن تحسم إن كانت تقف إلى جانب تركيا… أم تقف بين تركيا وإسرائيل.
علّمت تجربة السنوات الخمس عشرة الأخيرة في سوريا، أن لا شيء يبقى في مكانه. والتحالفات التي تُصنع فوق الحطام، إمّا أن تُستكمَل بصدام… أو تنتهي بخيانة.










