بدأ المسرح السوري رحلته على يد أبو خليل القباني في أواخر القرن التاسع عشر، حيث أسس أول مسرح عربي حقيقي في دمشق عام 1871، مقدّمًا عروضه التي دمجت بين الفن والغناء والرقص السماعي، مما شكّل نقطة انطلاق للنهضة المسرحية في العالم العربي. ورغم معارضة رجال الدين ومحاولات إغلاق مسرحه، استمر القباني في تطوير المسرح السوري، الذي أصبح لاحقًا منارة ثقافية في المدن السورية، مع ظهور فرق مسرحية جديدة مثل فرقة نادي الاتحاد وفرقة نادية العريس وغيرهما، والذين شكّلوا نواة المسرح السوري المعاصر.
وشهد المسرح السوري في عقد السبعينيات ذروة نشاطه من حيث الكم والنوع، وبرز كعمود فقري للحركة الثقافية في البلاد، حيث كان يعكس نبض المجتمع السوري وتطوره الثقافي والفني.
اقرأ أيضاً: الإيقاع بعد السقوط: ماذا يقول الموسيقي السوري سيمون مريش؟ – 963+
تراجع المسرح في ظل حكم البعث والحرب
بدأ المسرح السوري يعاني من تراجع تدريجي خلال حكم الأسد الأب وابنه، خاصة في العقدين الأخيرين، حيث أثرت سنوات الحرب بشكل كبير على الحركة المسرحية.
ويرى الكاتب المسرحي جوان جان، في تصريحات لـ”963+”، أن “الصعوبات التي تواجه المسرح السوري ليست جديدة، بل هي مستمرة منذ عقود، وأبرزها الجانب المادي الذي يشكّل حجر عثرة أمام أي محاولة للتقدم في العمل الثقافي والفني”.
كما أشار جان إلى أن نقص أماكن العرض المسرحي، التي تقتصر على صالات محدودة في مراكز المدن، يعيق انتشار الأعمال المسرحية أفقيًا، مما يجعل المسرح رهينة لعدد محدود من الجمهور. وبحسب رأيه، فإن هذا التراجع لم يكن فقط في الكم، بل امتد إلى نوعية العروض، حيث يطالب الجمهور بأعمال أفضل باستمرار، وهو ما لم يتحقق بسبب هذه العقبات.
أهمية رؤية جديدة للمسرح بعد الثورة
في ضوء هذه التحديات، هناك ضرورة لوجود رؤية واضحة لدى صانع القرار في الحكومة السورية الجديدة بعد انتصار الثورة تجاه المسرح ودوره الثقافي والمعرفي في المجتمع السوري، خاصة المسرح القومي، الذي يحمل العبء الأكبر لرسالة المسرح السوري الثقافية والفكرية كونه المسرح الممول من الدولة السورية ويعكس سياستها الثقافية.
ويوضح جان أن المسرح القومي شكّل العمود الفقري للحركة المسرحية السورية منذ ستينيات القرن الماضي، ومن الضروري تطوير هذا المسرح بتحويله من إطار الأداء الروتيني إلى أداء يستقطب أعدادًا متزايدة من الجمهور، مع التشدد في اختيار النصوص المسرحية.
كما يشدّد جان على أهمية إدخال دماء جديدة في الإخراج والتمثيل، لأن المسرح القومي لا يمكن أن يتطور إلا بتكامل رؤى فنية حديثة مع التجارب القديمة، مبينًا أن تضمين الثقافة المسرحية في المناهج التعليمية ضرورة حتمية للنهوض بالوعي الثقافي والتربوي لدى الأجيال القادمة، ما يساهم في تجنب النظرة الأحادية في مناهج التربية والتعليم.
أما الكاتب والمخرج المسرحي سامر محمد إسماعيل، فيؤكد في تصريحات لـ”963+” أن “الاستثمار في المسرح يعني الاستثمار في الوعي الجمعي”، وهذا يستدعي وجود جهة حكومية قادرة على إحياء مفهوم الريبرتوار بأنواعه المختلفة، من المسرح الاستعراضي والكوميدي إلى المسرح التجريبي والجاد ومسرح العائلة.
ويرى إسماعيل أن “المسرح التجاري ليس عيبًا إذا كان ضمن منظومة مسرحية متنوعة”، حيث يسهم في تنشيط الحركة المسرحية؛ لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الصعوبات الكبرى التي تواجه المسرح السوري هي الرقابة التي تقيّد حرية التعبير، والإنتاج الذي يعاني من الإهمال والتهميش.
ويؤكد إسماعيل أن المسرحيين السوريين كابدوا طيلة نيف ونصف قرن من الزمن شظف العيش، وكانوا مضطرين للاقتطاع من قوت أولادهم كي يستمروا في العمل المسرحي؛ لذلك يرى ضرورة دعم المؤسسة الثقافية السورية لتوطين فرق مسرحية في كل بلدية وناحية وقرية، وإحياء المسرح المدرسي كلبنة أساسية لتعزيز حضور المسرح في الحياة العامة.
اقرأ أيضاً: بلقيس التلة لـ “963+”: رغم صعوبة الرحلة صرت أومن أكثر بقوة السينما في التعبير – 963+
بناء بنية تحتية مسرحية حديثة
يشير إسماعيل إلى أن المسرح القومي في سوريا هو المسرح الوطني، الذي أسسه كبار المسرحيين مثل نهاد قلعي، ورفيق الصبّان، وهاني صنوبر، وأسعد فضة، ويحوي في أرشيفه أهم العروض العربية؛ لكن نظام “حجم العمل” المطبّق على العاملين في المسرح القومي لم يعد مجديًا، ويحتاج إلى تطوير، خصوصًا إيجاد قانون يسمح للرعاة والداعمين بتقديم الدعم المالي للعروض المسرحية بإشراف وزارة الثقافة، ما يتيح استقطاب الفنانين وتحقيق أجور إنسانية لهم.
كما يطالب إسماعيل “بتحويل مديرية المسارح والموسيقى إلى هيئة عامة، أسوة بدار الأوبرا السورية، وهو قانون موجود لكنه تم تجميده سابقًا” من قبل النظام البائد، مشددًا على ضرورة صيانة المسارح القومية في دمشق وحلب وحمص وحماة والسويداء والحسكة وطرطوس واللاذقية، وتوفير بنية تقنية حديثة لها، مع إيجاد مسارح إضافية، لأن عدد المسارح في دمشق لا يتناسب مع عدد السكان، حيث لا يوجد سوى مسرحين فقط، كل منهما بسعة حوالي 600 مقعد، لمدينة تضم خمسة ملايين نسمة.
تشريعات قانونية وحريات فكرية
تتطلّب المرحلة القادمة أيضًا سنّ تشريعات قانونية تشجّع العمل المسرحي في القطاعين العام والخاص، بما يخلق حالة مسرحية غنية وتكاملية تلبي احتياجات الجمهور الثقافية. ويرى المسرحيون ضرورة إعطاء مساحة واسعة من حرية الرأي والفكر ضمن المسرح السوري، مع رقابة مسبقة محدودة تقتصر على ما يهدد قيم المجتمع والسلم الأهلي، لأن المسرح ينمو في مناخ الحرية وقبول الرأي الآخر. هذه الحريات تتيح للمسرح أن يكون مرآة حقيقية للمجتمع، تعكس آماله ومخاوفه، وتساهم في بناء وعي جماعي متجدّد.
المسرح السوري بين التحديات والآمال
المسرح السوري اليوم، ورغم كل الصعوبات التي واجهها خلال العقود الماضية، لا يزال يحمل في طياته إرثًا ثقافيًا غنيًا وتاريخًا عريقًا، من قباني الذي وضع الأسس، إلى الفرق المسرحية التي ناضلت للحفاظ على هذا الفن خلال سنوات الحرب؛ كما أن تصريحات المسرحيين جوان جان وسامر محمد إسماعيل تعكس عمق الأزمة التي يعانيها المسرح السوري حاليًا، لكنها في الوقت نفسه تحمل دعوة صادقة للنهوض به عبر تقديم الدعم المادي والمعنوي، وتطوير البنية التحتية، وتحديث القوانين، وتوسيع حرية التعبير.
إن المسرح السوري يحتاج اليوم إلى إعادة بناء شاملة تبدأ من التعليم، مرورًا بالتمويل والتشريعات، وصولًا إلى دعم المواهب الجديدة، ليعود مسرحًا حيًا يعبّر عن هموم وآمال الشعب السوري، ويليق بسوريا الجديدة التي حلم بها السوريون وناضلوا من أجلها. فهل ستعود رسالة مسرح أبو خليل القباني إلى الحياة؟!









