في زمنٍ تتحرك فيه التكنولوجيا بخطوات متسارعة، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد منصات ترفيهية إلى مساحة مركزية تُعيد تشكيل الهوية الإنسانية ذاتها. بات المستخدم اليوم يعيش بين ذاتين: إحداهما واقعية، تستمد ملامحها من خبراته وتفاعلاته اليومية، وأخرى افتراضية، يصوغها كما يشاء مستخدمًا أدوات التحرير والفلاتر والإيموجي. هنا، يضيع أحيانًا الخط الفاصل بين الحقيقة والوهم.
الذات على عتبة التكنولوجيا: من نحن حقًا؟
يقول علماء الاجتماع إن وسائل التواصل الاجتماعي باتت أشبه بمرآة ذات وجهين؛ فعبرها، يعرض المستخدمون أنفسهم بالطريقة التي يختارونها، لتتشكل صورة الذات الافتراضية وفقًا لرغباتهم وتصوراتهم، وليس بالضرورة كما هي في الواقع. يرى البعض أن هذه الظاهرة هي نتاج طبيعي لحرية التعبير، بينما يعتبرها آخرون تلاعبًا بالهوية الحقيقية.
في هذا السياق، تقول “مها”، وهي طالبة في المرحلة الثانوية، لـ”963+” إنها تقضي وقتاً طويلاً في تصفح التطبيقات، مضيفة: “أحياناً أتشاجر مع أسرتي بسبب إدماني على الهاتف، لكن لا أستطيع أن أتخيل حياتي من دونه. عبر سناب شات وإنستغرام أشعر أنني أبدو أجمل، وأقدر على التعبير عن نفسي.”
وعندما سُئلت: هل هذه الصورة الافتراضية مطابقة لمظهرك في الواقع؟ أجابت بصراحة: “بصراحة، أعتقد أن مظهري على الإنترنت أجمل وأكثر تناسقاً”.
هنا، تظهر الهوة بين الذات الواقعية والذات الافتراضية، وهو ما تؤكده العديد من الدراسات النفسية التي أشارت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت نموذجاً جديداً للهوية قائمًا على “التزيين” و”التعديل”، لاسيما في ظل سهولة التحكم في الصور والمنشورات والتعليقات.
اقرأ أيضاً: رقائق “هواوي“.. جولة في الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة – 963+
الجسد: معايير مثالية أم ضغط اجتماعي؟
لم يعد الجسد بمنأى عن تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي. فوفقاً لنظرية طومسون (1999)، فإن وسائل الإعلام، ومن ضمنها وسائل التواصل الاجتماعي، تغذي معايير مثالية للجمال، ما يدفع الأفراد إلى مقارنة أنفسهم بهذه الصور “المثالية” وإلى الشعور بعدم الرضا عن شكل أجسادهم.
ندى، سيدة خمسينية تبدو أصغر من عمرها الحقيقي، تقول بفخر لـ”963+”: “أشعر بسعادة كبيرة عندما يظن الناس أني في الأربعين. ألجأ أحيانًا إلى بعض تقنيات التجميل للحفاظ على هذا المظهر”.
لا يقتصر الأمر على النساء، فحتى الرجال باتوا يسعون لتعديل مظهرهم عبر التمارين الشاقة أو عمليات التجميل. وهكذا، أصبحت عمليات نحت الجسد، شد الوجه، وشفط الدهون جزءًا من السلوك الاجتماعي الحديث، بتأثير واضح من وسائل التواصل.
الذات الزجاجية: كيف نرى أنفسنا في عيون الآخرين؟
قدّم عالم الاجتماع الأميركي تشارلز هيرتون كولي مفهوم “الذات الزجاجية”، موضحًا أن صورة الذات تتكوّن لدى الإنسان من خلال تفاعل الآخرين معه. في سياق وسائل التواصل الاجتماعي، تتضخم هذه الظاهرة؛ إذ أصبحت التعليقات والإعجابات والمشاركات وسيلة رئيسية يرى الفرد نفسه من خلالها، فيسعى لتلميع صورته الافتراضية بحثاً عن مزيد من القبول.
في استطلاعنا، سألنا “عامر”، وهو طالب جامعي، عن الطريقة المفضلة لديه للتواصل مع الآخرين. أجاب: “أشعر بحرية أكبر في التعبير عن نفسي عبر الإنترنت. أستطيع أن أتحدث دون خجل، وهذا يجعلني أبوح بمشاعري بشكل أعمق”.
هنا يتقاطع هذا السلوك مع ما طرحته الباحثة “سوزان غرينفيلد” في كتابها “تغير العقل”، إذ ترى أن مشاركة المعلومات الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي ينشّط مناطق في الدماغ مسؤولة عن المتعة والمكافأة، تمامًا مثل الطعام والجنس.
اقرأ أيضاً: الذكاء الاصطناعي والإقناع.. القوة والأخلاقيات في التأثير على العقول – 963+
الكشف عن الذات: حاجة بيولوجية أم صدى للعصر الرقمي؟
تُظهر الأبحاث أن المستخدمين يميلون للكشف عن ذواتهم بنسبة أعلى عبر الإنترنت مقارنة بالتفاعلات الواقعية، والسبب يعود إلى غياب الإشارات غير اللفظية (مثل نظرات العيون أو نبرة الصوت) التي قد تثني الشخص عن البوح بمكنوناته. ووفقًا للدراسات، فإن معدل الكشف عن الذات عبر التفاعلات الواقعية قد يصل إلى 30% فقط، بينما يقفز عبر الإنترنت إلى 80%، ما يعزز فكرة أن وسائل التواصل الاجتماعي بيئة خصبة للتعبير عن الذات بشكل مبالغ فيه أحياناً.
بين الإيجابيات والسلبيات: هل تُختصر الذات في “إيموجي”؟
يبقى السؤال: هل اختزلت وسائل التواصل الاجتماعي ذواتنا إلى رموز وحالات وحروف وأزرار؟ أم أنها، في المقابل، قرّبتنا من العالم وساعدتنا على التواصل؟
لا شك أن لهذه الوسائل وجها مشرقاً؛ فهي تتيح التعبير بحرية، وتفتح آفاقاً للمعرفة والثقافة، وتكسر قيود الجغرافيا، وتجعل من السهل نشر الأخبار وتبادل الخبرات. لكن الوجه الآخر لا يقل خطورة؛ إذ يرى البعض أنها تُقلص العلاقات الواقعية، وتفتح الباب للابتزاز، والتشهير، والخداع، فضلاً عن انتهاك الخصوصية.
كما أن انتشار الصور والفيديوهات المخلة، خاصة بين المراهقين، يثير المخاوف بشأن القيم والأخلاق. ومن المؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي ساحة تفاعلية واسعة قد تحمل في طياتها الكثير من الإيجابيات، لكنها في الوقت ذاته تحمل الكثير من المخاطر والتحديات.
الذات بين الواقع والافتراض
يتضح من كل ما سبق أن وسائل التواصل الاجتماعي أعادت رسم ملامح الذات في زمن الرقمنة. بات المستخدم يعيش بين عالمين: واقعي تتشكل فيه هويته عبر تفاعلاته اليومية، وافتراضي يختار أن يُظهر فيه ذاته بأجمل وأقوى صورة ممكنة.
وبين الإعجابات والتعليقات والإيموجي، يبقى السؤال الأكبر: أيّ ذاتٍ هي الحقيقية؟










