في العاصمة الأذرية باكو، حيث تتقاطع خطوط المصالح وتُدار الحوارات بعيداً عن ضجيج “المايكروفونات”، جرى لقاء لم يكن ليحدث لولا تغيّر المعادلات. لم تُرفع أعلام، ولم تُلتقط صور، لكنّ الحدث وقع: مسؤولون من حكومة أحمد الشرع، الرئيس السوري الجديد، التقوا بمسؤولين إسرائيليين، خلال الأسابيع الماضية، وفقاً لما بثّته القنوات الإسرائيلية والعالمية. اللقاءات لم تكن مفاجئة تماماً لمن يراقب تحوّلات الإقليم، وبعدما دخلت سوريا صفحة جديدة منذ أن طوت ذكرى رئيسها السابق، بشار الأسد، واندحار النفوذ الإيراني عن المنطقة. سوريا ما بعد الأسد تختبر مقاربة مختلفة، لا ترفض المساومات بقدر ما تحاول أن تحوّلها إلى أوراق قوة.
لم تكن هذه اللقاءات بنت الصدفة، ولا وليدة رغبة إسرائيلية في “سلام من دون مقابل”، بل ثمرة مشهد تغيّرت فيه قواعد اللعبة. في الرياض، صافح الشرع دونالد ترامب، الرئيس العائد بقوة وببوصلة أكثر وضوحاً. رفعت واشنطن العقوبات عن دمشق، لا حباً بها، بل “لإعطائها فرصة”، كما قال. ومن يعرف أميركا يدرك أن الفرص لا توزَّع بالمجّان، بل تُمنَح بثمن يُدفع من الجغرافيا والسيادة وربما من الذاكرة أيضاً.
قبل خمسة عقود، فعل أنور السادات ما لم يجرؤ عليه أحد. ذهب إلى القدس، وخطب في الكنيست الإسرائيلي، وعاد باتفاقية سلام وضعت مصر على سكة الاستقرار بعد نكسة ونصر. صفّق له البعض بوصفه رجل دولة، فيما قال غيرهم عنه خائناً… واغتالوه. واليوم، لم يصعد أحمد الشرع بعد سُلّم الطائرة إلى تل أبيب، لكن السلام اقترب، حتى وإن لم تتضح خيوط وملامح الصفقة بعد.
فكما احتاج السادات إلى نصر سياسي يرسّخ حكمه بعد اغتيال عبد الناصر، يحتاج الشرع إلى مكسب يعيد لسوريا شيئاً من وزنها الغائب، بعد أن دخلت جهنم الحرب وخرجت منه متعبة ومنهَكة. وكما عرف السادات أن الحرب لا يمكن أن تستمر بلا نهاية، يدرك الشرع اليوم أن ركام المدن السورية لا يُزال بالشعارات، ولا يُبنى الوطن فوق الصراعات الداخلية. إن ما يحاول فعله الشرع اليوم ليس استسلاماً، بل قفزة في الظلام، محفوفة بالخطر، لكنها قد تكون طوق نجاة لنظام يبحث عن شرعية داخلية وخارجية.
لا شيء في الشرق الأوسط يُعطى بلا مقابل. إسرائيل، التي تمدّدت بهدوء إلى الجنوب السوري بعد سقوط نظام الأسد، لم تُقابل بتنديد من الشرع، لا في الإعلام ولا في الميدان. لا صواريخ “دفاعية”، ولا بيانات “استنكار”، ولا خطابات عصبية من على منابر “المقاومة”. في المقابل، باتت دمشق تنام بلا قصف، وبدأت خطوط الإمداد الغذائي والطبي تتسلل خلسة من تل أبيب إلى السويداء ودرعا، ومن ثم إلى عمق الدولة.
اقرأ أيضاً: ما بعد الحرب.. كيف تبني سوريا ما عجز عنه لبنان؟
لكن السؤال الجوهري هو: ماذا يمكن لسوريا أن تربح من سلام مع إسرائيل؟ الجواب قد لا يكون واحداً، لكنه حتماً يبدأ بالاستقرار. فمن يملك استقراراً، يستطيع أن يبني. ومن يرفع عن نفسه سيف العقوبات، يستطيع أن يتنفس. ومن يعقد صفقة ذكية، قد يستعيد ما خسره منذ “اتفاق فك الاشتباك” في الجولان عام 1974.
أجل، السلام قد يكون وسيلة للشرع لتثبيت حكمه، ولإعادة بناء دولة انهارت مؤسساتها. قد يكون مدخلاً نحو عودة اللاجئين، ومعبراً إلى تمويل دولي يُعاد به إعمار المدن، من حلب إلى دير الزور. وقد يكون فرصة لتحسين شروط التفاوض في ما تبقى من الجغرافيا السورية المهددة بالتقسيم والاقتلاع.
للسوريين اليوم وجوه كثيرة. وبينهم من لا يرى في إسرائيل عدواً مطلقاً. لدى بعض الدروز والأكراد، ثمة واقعية جديدة تحكم الموقف. فمنهم من يرى في العلاقة مع إسرائيل مظلّة حماية، أو نافذة لمطالب تاريخية لطالما تجاهلتها العواصم العربية. في جبل العرب كما في “روج آفا”، ترتفع أصوات لا تلعن تل أبيب صباح مساء، بل تسأل: ماذا قد تجلب لنا العلاقة معها؟ أمن؟ اعتراف؟ استقلال نسبي؟ حتى في دمشق، حيث كان اسم إسرائيل يُهمَس به خوفاً، بدأت النبرة تختلف، ولو همساً.
العداء لم يعُد قاعدة، ولا السلام خيانة. لقد تغيّر العالم وتغيّر العرب، وتغيّرنا معه. ومن لا يقرأ متغيّرات اللحظة بلغة المصلحة الوطنية، سيظل أسير خطاب مضى عليه الزمن، وتجاوزه الدم والدمار.
ما الذي يمكن أن يُبنى فوق هذا السلام الوليد؟ هل هي صفقة مؤقتة أم بداية مسار طويل؟ هل يكون أحمد الشرع هو الرئيس الذي يوقّع اتفاقية سلام شبيهة بـ”كامب ديفيد”، أم أن الطريق سيُغلق عند أول اشتباك إعلامي أو أزمة سياسية؟
الجواب في الغد. لكنه غد قد لا يكون مظلماً كما يخشى البعض، إن أُحسِن ترتيب أوراقه. فالدولة التي تخرج من الرماد، تحتاج إلى واقعية لا إلى مزايدات. وإسرائيل، التي تقرأ التحولات بدقة، لا تُفرّط بشريك قابل للاتفاق. أما الشعوب، فتتعب من الحروب، لكنها لا تنسى، لذلك لا بد أن يكون السلام عادلاً، لا إذعانياً. متوازناً، لا هشاً. وأن يُبنى على الاعتراف المتبادل، لا على الإنكار.
فهل يفعلها أحمد الشرع؟ هل يكتب فصلاً جديداً من سردية الشرق الأوسط، كما فعل السادات ذات خريف من عام 1977؟ أم تُسحب الأوراق مجدداً، ويعود الجميع إلى المربّع الأول؟ في باكو، لم تُرفع الأعلام الرسمية بعد ولا وقّع أحد على ورقة، لكن الأكيد أن السلام بدأ يُخيط بزوايا الغرف البعيدة عن الإعلام والأضواء.










