كان صعود تركيا كقوة إقليمية عبر البوابة السورية بعد سقوط نظام الأسد سريعاً، حيث تعتبر أن دعمها لفصائل المعارضة السورية كان سبباً رئيسياً في سقوط الأسد، فتركيا التي تشترك في حدود بامتداد 911 كيلومتراً مع سوريا، كانت خلال الحرب السورية داعماً رئيسياً للمعارضة المسلحة وخاصة للجيش الوطني السوري الذي شنت معه منذ عام 2016 عدة عمليات عسكرية عبر الحدود ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذين تعتبرهم أنقرة تهديداً لأمنها القومي.
وبينما تروّج أنقرة لفكرة حماية أمنها القومي من خلال تواجدها العسكري في الشمال السوري خاصة في مناطق شمال شرقي سوريا للحد من تأثير (قسد) أو دور الأكراد في الداخل التركي، تشير التحليلات أن الحضور التركي في الشمال السوري وإقامة قواعد عسكرية هناك، يعني أن لتركيا مصالحها ومشاريعها في التوسع والهيمنة والنفوذ، وتسعى لتثبيت نفوذها الجيوسياسي رغم التقاطعات الدولية التي تعقد خياراتها العسكرية والسياسية.
من استراتيجية دعم المعارضة إلى التوسع
في هذا الشأن، أوضح الباحث في الشؤون التركية، خورشيد دلي، في تصريحات للعدد العاشر من صحيفة ‘‘+963’’، أنه مع سقوط نظام الأسد انتقلت تركيا من استراتيجية دعم المعارضة إلى استراتيجية الشراكة مع السلطة الجديدة في دمشق بقيادة أحمد الشرع، لأنها ترى ما حدث في سوريا وفّر لها فرصة تاريخية لتحقيق مشروعها الإقليمي الهادف إلى مزيد من النفوذ والسيطرة على الإقليم.
وتنطلق تركيا لتحقيق مشروعها على مسارين، الأول وفق دلي هو ‘‘توسيع نفوذها العسكري من خلال الاحتفاظ بوجودها العسكري في شمال وشرق سوريا والعمل على تشكيل المؤسسات العسكرية والأمنية السورية الجديدة وفق أجندتها’’.
أما المسار الثاني بحسب دلي هو الدخول في ترتيبات معقدة مع الإدارة الأميركية بقيادة ترامب حيث يستغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، علاقاته الجيدة معه لتولي الملف السوري في المنطقة، مع ملاحظة أن هذه الاستراتيجية تمر عبر الحفاظ على قسد كقوة حليفة للتحالف الدولي بقيادة واشنطن.
اقرأ أيضاً: وزير الطاقة السوري: اتفاق قريب لاستيراد الغاز الطبيعي والكهرباء من تركيا – 963+
موقف دمشق من الدور التركي
وأمام النفوذ التركي تقف دمشق أمام تحدٍ استراتيجي. وفي هذا الإطار أشار الباحث في الشؤون الجيوسياسية والتنمية، الدكتور نزيه الخياط، إلى أن الإدارة الانتقالية في سوريا لا يمكنها معاداة تركيا لأنها تعلم أنها تسلمت السلطة بسبب الدعم الكبير الذي قدمته الأخيرة لها من تدريب وإعداد وتجهيز لعملية ‘‘ردع العدوان’’. ويتفق دلي مع الخياط، بأن دمشق ترى أنقرة حليف لها وتتحرك لبناء علاقة استراتيجية معها تطلعاً إلى تثبيت سلطتها وامتلاك القوة لفرض سياستها في الداخل.
كما أن هناك عامل أساسي في تحديد علاقات دمشق مع تركيا، بحسب الخياط، وهو عامل المياه الذي تتحكم به تركيا من خلال سلسلة السدود التي أنشأتها على مجرى نهري الفرات ودجلة داخل الأراضي التركية، مما جعل القطاع الزراعي في سوريا مرهوناً بالقرار التركي.
وتابع الخياط في حديثه لـ‘‘+963’’، أن ‘‘السلطة السورية تحاول تحقيق توازنات في علاقاتها الخارجية لذا تسعى لأن تتبلور موقفاً مميزاً واستقلالياً يتناغم مع تركيا ولا يتناقض معها، تماماً مثلما استطاعت تجاوز التناقضات والموقف المعادي للإسلام السياسي من قبل دول المنطقة خاصة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي’’.
وهي النقطة التي ذهب إليها دلي أيضاً في حديثه، قائلاً: ‘‘دمشق تحرص على مراعاة خيارات التوازن في سياستها، وتسعى لتمتين العلاقة مع دول الخليج العربي التي لها حساسية خاصة من دور تركيا في العالم العربي بسبب دعمها لجماعات الاسلام السياسي لاسيما الإخوان المسلمين’’.
وأضاف الباحث في الشؤون التركية، أن دمشق تدرك أيضاً الموقف الاسرائيلي الرافض لإحلال الدور التركي في سوريا محل الدور الإيراني في السابق، موضحاً أن ‘‘أي خطوة في هذا المجال قد تدفع بإسرائيل إلى التحرك نحو دمشق لذا توازن الأخيرة خطواتها بدقة في هذا الخصوص’’
كما ينتظر الشرع استحقاقات الموقف الدولي وتحديداً الأمريكي والأوروبي لتحديد خياراته السياسية بشكل واضح ومحدد في مجالات السياسة الإقليمية والدولية، إذ أن الاعتراف به من قبل الغرب كرئيس شرعي ورفع اسمه من لائحة الإرهاب سيجعله في موقع يوازن سياسته الخارجية بعيداً عن التأثير التركي الكبير في هذه المرحلة الانتقالية، وفق دلي.
اقرأ أيضاً: أردوغان: تركيا تهتم باستقرار سوريا الذي يؤثر على المنطقة بأكملها – 963+
تهديد استراتيجي لإسرائيل
وبينما تعمل تركيا على تعزيز نفوذها خاصة في ظل رغبة دمشق في التعاون الأمني والعسكري وتوقيع اتفاقية دفاع مشترك معها، ترى إسرائيل في ذلك تهديداً استراتيجياً لها، لذا قامت بتنفيذ ضربات جوية ضد مواقع كانت ترغب تركيا في إقامة قواعد عسكرية فيها مثل مطار حماة وقاعدة T-4 الجوية، لتبعث رسالة مباشرة لأنقرة بأنها لن تسمح لها بتعزيز نفوذها العسكري في سوريا.
وأشارت تقارير إسرائيلية مؤخراً إلى أن المسؤولون الإسرائيليين يخشون من نشوء ممر نفوذ تركي – قطري من خلال مشروع أنابيب الغاز القطري الذي يفترض أن يمر عبر سورياً وصولاً إلى تركيا وأوروبا وترى فيه تل أبيب خطراً حيوياً من شأنه أن يغيّر موازين القوى الإقليمية ويحدّ من قدرة تل أبيب على المناورة.
وفي المحصلة، سوريا الجديدة ليست فقط أمام تحدي إعادة الإعمار وضبط الأمن، بل هي أمام تحدٍ كبير يتمثل في إعادة تثبيت السيادة الوطنية، في ظل بيئة إقليمية لا تزال تنظر إليها كساحة نفوذ لتمرير أجندتها التوسعية العسكرية والاقتصادية مستغلة الظرف الحالي في ظل وجود حكومة انتقالية تعاني من صعوبة كسب ثقة المجتمع الدولي في الاعتراف بشرعيتها في الحكم.
نشرت هذه المادة في العدد العاشر من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 9 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد العاشر من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










