في عالم مليء بالتحديات والتقلبات، يظل الفن وسيلة حيوية للتعبير عن الأمل، والصمود، والإصرار على الحياة. تيسير إدريس، الفنان الذي نشأ في أحضان الأرض الفلسطينية، واختار دمشق مكاناً لبداية جديدة، هو واحد من هؤلاء الفنانين الذين لم يقتصر دورهم على التمثيل، بل تحولت أعمالهم إلى شهادات حية عن معاناة الشعوب، وعن قدرة الفن على التغلب على الصعاب. طوال مسيرته، التي بدأت من مسرح الجامعات السورية إلى الشاشة الصغيرة، أثبت إدريس أنه ليس مجرد ممثل، بل هو مرآة لعصره، محط اهتمام الجميع بموهبته التي لا تعرف الحدود، وقدرته على تحويل كل شخصية يؤديها إلى عالم من المشاعر الصادقة والمواقف المؤثرة.
ولد إدريس في عام 1954 في قرية الطيرة الفلسطينية التي تقع ضمن الأراضي المحتلة، لكن النكبة فرضت عليه وعلى عائلته مغادرة أرضهم ليحطوا في مدينة دوما السورية، حيث ترعرع في الغوطة الشرقية. طوال حياته، كانت معاناة الشعب الفلسطيني محور اهتمامه، بل وكانت مصدر إلهامه الأساسي في العمل الفني. فكما قدم العديد من المسرحيات التي تناولت قضايا الفلسطينيين، لفتت موهبته أنظار الفنان الراحل يوسف حنا، الذي شجعه على متابعة دراسته الجامعية، فحصل على شهادة الثانوية العامة ودرس الجغرافيا في جامعة دمشق.
من هنا بدأت مسيرته الفنية، التي قادته إلى الالتحاق بالمسرح الجامعي والعمل مع مخرجي جيل الرواد في المسرح السوري الحديث مثل الراحل فواز الساجر والعراقي جواد الأسدي. وعُرفت فترة الشباب في حياة تيسير بلقائه مع نفسه عبر نصائح يوسف حنا، الذي دفعه للعمل في التلفزيون، فكانت بداية مشواره في أعمال مثل “البركان” و”حمام القيشاني” و”البطرني” و”البحث عن صلاح الدين” وغيرها من الأعمال التي تركت بصمة واضحة في تاريخ الدراما السورية.
اقرأ أيضاً: نجمات عربيات في أحضان الدراما السورية في الموسم الرمضاني المنصرم – 963+
رحلة مع المسرح والتلفزيون: قهر الضروريات وغياب السينما
على الرغم من مسيرته المليئة بالإنجازات، يظل المسرح بالنسبة لتيسير إدريس، عشقاً مهماً في حياته، ورغم ذلك، يعترف بمرارة أن المسرح لم يعد هو مصدر رزقه الأول: “لو كان المسرح يقدم لي قوت يومي لما غادرته يوماً”، هكذا يقول إدريس لموقع “963+”. وتابع في حديثه عن السينما التي يعتبرها سحراً: “السينما بالنسبة لي أشبه بالسحر، لكننا ننتج فيلماً واحداً كل سنة أو سنتين، فأنا حاضر ولكن السينما غائبة، والمسرح غائب”.
ورغم هذه التحديات، يبقى تيسير إدريس في دائرة الضوء، خاصة بعد فوزه بجائزة أفضل ممثل عن فيلم “صعود المطر” للمخرج الراحل عبد اللطيف عبد الحميد في مهرجان دمشق السينمائي عام 1995.
الدراما السورية: بين المسؤولية والصلابة
في حديثه عن الدراما السورية لـ”963+”، يشدد تيسير إدريس على المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق كتّاب الدراما في ظل التغيرات العميقة التي تشهدها البلاد: “نعم ما حدث في البلاد سيطال الدراما بالتأكيد وستظهر مواضيع كثيرة عن ما قبل وما بعد، وهذه مسؤولية كتّاب الدراما بالدرجة الأولى”. فهو يعتقد أن الكتاب والفنانين والمخرجين يجب أن يتعاملوا مع هذه المرحلة بحذر وعناية، وأن يقدموا للمشاهد ما يعكس واقع البلاد بشكل مدروس، حتى تكون النتيجة مرضية وتوازي الأحداث الخطيرة التي مرت بها سوريا.
ورغم الظروف الصعبة التي واجهت الدراما السورية في السنوات الأخيرة، يرى إدريس أن الدراما أثبتت صلابتها وقوتها: “لقد كانت الدراما السورية هذا العام متابعة في الوطن العربي كله، وحازت متابعة قوية، وذلك رغم الحصار القائم على سوريا”. ويؤكد أن مستوى الأعمال كان جيداً مقارنة بالظروف التي تم إنتاجها فيها.
اقرأ أيضاً: رشا شربتجي لـ”963+”: مطبخ المدينة مازال قائماً – 963+
بناء سوريا الجديدة: المحبة والتسامح أولاً
من جانب آخر، يرى تيسير إدريس أن الدراما يجب أن تلعب دوراً مهماً في بناء سوريا الجديدة، عبر التركيز على قضايا التسامح والمصالحة: “أهم المواضيع التي يجب أن تناقشها الدراما هي احترام الآخر ومسامحته، وأهمية المحبة في مواجهة الطائفية”.
ويعتقد أن الدراما تتحمل مسؤولية كبيرة في التركيز على فكرة أن “سوريا طائفة واحدة”، وأن الهوية السورية التي تضم الجميع يجب أن تكون الأساس الذي ينبني عليه المستقبل.
“العجان”: شخصية تزلزل وتعيد الأمل
من أحدث أعماله في الدراما، ظهرت شخصية “العجان” في مسلسل “تحت سابع أرض” للمخرج سامر برقاوي، وهي شخصية حققت نجاحاً لافتاً أثار دهشة الجماهير.
وفي حديثه عن هذه الشخصية، قال تيسير إدريس: “شخصية العجان زلزلتني قبل أن تؤثر في المشاهدين”، مضيفاً أن هذه الشخصية قدمت له فرصاً جديدة في العمل الفني، مع مشاريع قادمة لم يكشف عنها بعد.
أما في ما يتعلق بالجانب النقابي، فقد دعا تيسير إدريس وزملاؤه في الوسط الفني إلى إجراء انتخابات نزيهة في نقابة الفنانين السورية، مشيراً إلى أن “الفترة الانتخابية للنقيب الزميل محسن غازي وأعضاء المجلس التنفيذي قد انتهت، ومن هنا كان يجب تشكيل لجنة لتسيير الأعمال، بهدف إجراء انتخابات نزيهة”. وعبّر عن رفضه لتعيين النقيب الجديد، مؤكداً على ضرورة استقلالية النقابة عن المؤسسات الحكومية، والحرص على أن تكون مؤسسة فنية ثقافية خالصة بعيداً عن أي تدخلات.
اقرأ أيضاً: المهند كلثوم عضو لجنة تحكيم مهرجان سوسة الدولي – 963+
الفن في بلاد بلا فن: مستقبل سوريا الثقافي
في ختام حديثه، أبدى تيسير إدريس ثقته في أن سوريا لن تقوم دون فن. وقال: “لا يوجد بلد في العالم يستطيع أن يقوم بدون ثقافة ومسرح وفن، وإذا وجد هكذا بلد فسيكون بلداً هرماً”. وأكد أن الفن هو فيتامين الحياة لكل بلد، وأنه من الضروري أن يتم دعم الإنتاج الفني حتى في الظروف الصعبة التي تمر بها سوريا، مشيراً إلى أهمية السينما والتلفزيون والمسرح في إعادة بناء الثقافة السورية.
وتيسير إدريس ليس مجرد فنان، بل هو شاهد على تطور الدراما السورية وصوت يرفض السكوت على التحديات التي تواجه الفن في سوريا. ومع أن ظروف الحياة قد تكون قاسية، إلا أن حبه للفن ورؤيته بأن الثقافة هي المحرك الأساسي للنهضة، تبقى محور اهتمامه، ليظل يثبت أن الدراما، رغم كل التحديات، تبقى واحدة من أقوى وسائل بناء المستقبل.










