تعود “التكية السليمانية” بقلب العاصمة دمشق إلى الواجهة مجدداً بعد أن تعرضت للخراب أيام النظام السابق، إذ نظمت وزارة السياحة بالتعاون مع وزارتي الثقافة والأوقاف ووفد من منظمة “التنمية السورية” ومحافظة دمشق اجتماعاً موسعاً لمناقشة إعادة تأهيل مجمع التكية وتفعيله وتوظيفه كوجهة سياحية تمهيداً لافتتاحه.
وأكد المشاركون أهمية إعادة ترميم المجمع ووضعه في الخدمة لتفعيله تمهيداً لتوظيفه وافتتاحه في أولى مراحله لاستقبال الموسم الصيفي واستقطاب السياح.
وقدّمت منظمة “التنمية السورية” عرضاً عن البرامج الوطنية المعتمدة التي سيتم تنفيذها خلال المرحلة القادمة، تضمنت عدة محاور منها التعاونيات الإنتاجية الزراعية والتراث الحي والشباب والمسار والاستجابة القانونية ومشاريع إعادة التأهيل.
اقرأ أيضاً: السياحة السورية: ترويج حكومي وسط أزمة نزوح إنساني – 963+
استيلاء وليس ترميماً
مع مطلع العام 2023، أنذرت وزارة السياحة في حكومة النظام البائد مستأجري “التكية السليمانية” لإخلاء محالهم وإغلاقها بشكل نهائي قبل بداية العام المقبل بغرض ترميم التكية.
لكن الحكومة كانت قبل ذلك بثلاثة أعوام قد قامت بإغلاق أربعين متجراً في “التكية الصغرى”، قبل أن تستولي عام 2023 على المحال المئة في “التكية الكبرى” في سوق المهن اليدوية، ليكون جميع محال التكية تحت إشرافها.
وبعد فترة قصيرة، تبين أن مشروع الترميم تقوم به “الأمانة السورية للتنمية” لمالكتها أسماء الأسد التي قررت الهيمنة والاستيلاء على التكية وطرحها للاستثمار بعقد طويل الأمد لصالحها الشخصي.
زوجة الرئيس المخلوع لم تقم بالترميم بقدر ما شوهت هذا المبنى الذي يحظى بمكانة مرموقة في قلوب أهل دمشق.
“الأمانة” أضافت إلى المبنى إنشاءات بيتونية ضخمة وأنشأت المطاعم والبارات وقصت الأشجار المعمرة، فجردت المكان من أهميته وعراقته كونه معلماً أثرياً ودينياً مهماً وطمست هويته التاريخية وأزالت من الوجود مهناً وصناعات نادرة.
كل ذلك يعني أن على الحكومة الحالية بذل مجهود مضاعف إعادة رونق المكان وإعادة افتتاحه بشكل لائق أمام الناس الذين حُرموا من زيارته بسبب أهداف استثمارية جشعة.
اقرأ أيضاً: السياحة السورية ترفع أسعار الخدمات السياحية – 963+
عبر التاريخ
تعد “التكية السليمانية”، أو تكية السلطان سليم الأول معلم تاريخي يقع في قلب العاصمة السورية دمشق، بنيت على مراحل في السنوات 1554-1559، وتضم مسجدين ومتحف ومدرسة وسوق للمهن اليدوية، وهي من أشهر المعالم العثمانية في بلاد الشام، وأقيمت على ضفاف نهر بردى بديلاً عن القصر الأبلق، أو قصر الظاهر بيبرس الذي هُدم على يد تيمورلنك.
وأشرف المهندس التركي معمار سنان على بناء التكية ومعه المهندس الفارسي ملا آغا والدمشقي شهاب الدين أحمد بن العطار، وقد بنيت على نمط التكية السليمانية في القسطنطينية.
وأنشئت التكية لتكون مكاناً لتأدية الفروض الدينية واستراحة للحجاج، وجُهزت بمطابخ واسعة ومخابز وغرف للاستراحة ومُصليات وبحرة للوضوء وغيرها من الخدمات الضرورية للمسلمين، وكانت مكاناً لإقامة طلبة العلوم الدينية وملاذاً للفقراء والمقطوعين.
بعد فرض الانتداب الفرنسي على سورية سنة 1920 تحولت التكية إلى دار للمعلمين، فتوقفت عن استضافة النزلاء وإيواء الوافدين إليها، ومع افتتاح “الجامعة السورية” عام 1923 أصبح جزءاً منها داراً لتدريس طب الأسنان، ثم كمقر لمطبعة مجلة “الشرطة”.
وفي أعقاب الحرب عام 1948 أمر رئيس الجمهورية آنذاك شكري القوتلي بفتحها مجدداً لإيواء آلاف اللاجئين الفلسطينيين الوافدين إلى دمشق، فعادت إلى سابق عهدها وعادت إليها حلقات العلم وتحفيظ القرآن الكريم.
وفي زمن الوحدة السورية المصرية سنة 1959، استخدمت غرف التكية مقراً لمتحف دمشق الحربي، وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي فتحت التكية أبوابها لأرباب المهن اليدوية الدمشقية العريقة مثل البروكار والحفر على الخشب وتطعيمه والصناعات الفضية والزجاج اليدوي وصناعة العاج والصدف وغيرها.
هندسة التكية
تبلغ مساحة التكية السليمانية أحد عشر ألف متر مربع، وتتألف من كتلتين معماريتين متصلتين متشابهتين، تحيط بهما أسوار منخفضة تخترقها ثلاثة أبواب، البوابتان الرئيستان في المحور الشرقي والغربي وذلك تبعاً لطريق الحجاج ومجرى نهر بردى. أما البوابة الثالثة فصغيرة يتقدمها رواق وتعلوه قبة مطلة على نهر بردى من جهة الشمال.
تضم الكتلة الجنوبية الكبرى مبنى التكية الرئيسي والجامع والمطبخ والمستودعات، تتوسطها بركة مستطيلة تغذيها بالماء نوافير عمودية كانت تستخدم للوضوء، كُسيت بأحجار وردية اللون وسوداء متناوبة.
يقع في جنوبها جامع يمتاز بمئذنتين توءمتين رشيقتين منتهيتان بشكل مخروطي كأنهما مائلتان، تعد بداية الانحراف عن طراز المآذن الدمشقية المعروفة. واجهة الجامع مبنية من المداميك الأبيض والأسود المتناوب، والحرم مربع الشكل يتميز بجمال قبته ومنبره الذي يعتبر من روائع الفنون التطبيقية، مضافاً إليه جمال ألواح الخزف القيشاني التي تزين أعلى النوافذ، وتمثل الورود والأزهار وتشابك سعف النخيل مع الأوراق النباتية.
في جانبي صحن المبنى أروقة مسقوفة على شكل قباب صغيرة ووراءها غرف كبيرة مسقوفة بقباب أكبر من القباب الأولى.
ويتوسع صحن المبنى ليضم قسم الخدمات الذي يتوسطه المطبخ الذي تعلوه أربع قباب ذات فتحات للتهوية الضرورية، ويتصل بكل جانب من جانبي هذا المطبخ غرفتان مربعتا الشكل، يعلو كلاً منهما سقف هرمي مقطوع في أعلاه، جعلت هاتان الغرفتان مستودعاً ومخبزاً، وجعلت الغرفتان الأخريان للقيِّم على هذه المنشأة.
أما الكتلة الشرقية الصغرى فتصم المدرسة وشُيدت عام 1566 واستمرت أعمال البناء فيها حتى عام 1574. لها ثلاثة أبواب ثانوية، وباب رئيسي واحد في الجهة الشمالية من المبنى يؤدي إلى صحن المدرسة الذي يتوسطه بحيرة تشبه بحيرة مبنى التكية السليمانية.
في جنوب هذه الكتلة مصلى المدرسة، مربع الشكل تعلوه قبة كبيرة وجميلة. تزينه ألواح الخزف القيشاني الجميلة، والنوافذ الجصية المطعمة بألواح الزجاج الملون، وكانت القبة فوق رقبة مائلة وتتألف من اثني عشر ضلعاً وتخترقها اثنتا عشرة نافذة جصية ذات ألواح زجاجية ملونة. وهناك اثنتا عشرة غرفة تتقدمها الأروقة وتعلوها القباب وتتوزع على جنبات المبنى الأربع حول الصحن، وتقوم هذه الأروقة على أعمدة رشيقة وقصيرة، وتبلغ أبعاد كل غرفة 6 × 6 متر ومساحتها 36متر مربع.
يصل بين الكتلتين سوقاً كانت مخصصة لقوافل الحجاج، ممتدة من أقصى شرقها إلى أقصى غربها مسافة خمسة وثمانين متراً وترتصف على جانبيه عشرات المحال بقباب منخفضة تتقدمها أروقة ظليلة بقناطر مزخرفة. كانت في السابق حوانيت تجارية، وتحولت منذ سبعينيات القرن العشرين إلى محال للحرف اليدوية.
تتضح الآثار الهندسية العثمانية على التخطيط والبناء، على حين تطغى اللمسة الفنية الدمشقية على تصاميم الأبواب والنوافذ والزخارف التي تزين جدران وغرف المكان.
في الجهة الجنوبية من التكية وعلى طرفي المسجد الرئيسي يوجد مقبرة تحوي مدافن بعض السلاطين العثمانيين وعائلاتهم والتي لا تزال قائمة إلى الآن.










