شهدت سوريا خلال السنوات الأخيرة تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية عميقة، فرضتها تداعيات الحرب والنزوح والتغيرات الديموغرافية. وفي قلب هذه التحولات، برزت المرأة السورية كفاعل رئيسي في مختلف الميادين، بدءًا من العمل الإنساني والمجتمعي، مروراً بالتعليم وريادة الأعمال، وصولاً إلى المشاركة في المبادرات المحلية لتعويض الفراغ الذي خلّفه غياب أعداد كبيرة من الرجال نتيجة النزاع، ورغم التحديات البنيوية التي تواجه النساء، وعلى رأسها التمييز القانوني وضعف التمثيل السياسي واستمرار الأعراف الاجتماعية المقيدة، تمكنت المرأة السورية من كسر جزء كبير من الحواجز التقليدية، وفرضت حضورها في الفضاء العام، مستندة إلى أدوار عملية أنجزتها خلال سنوات الحرب.
قبل اندلاع الثورة عام 2011، لم يكن حضور المرأة السورية في الحياة العامة متناسبًا مع مكانتها الحقيقية في المجتمع. فقد كان تمثيلها السياسي محدوداً إلى درجة الرمزية، في وقت ظلت فيه قوانين الأحوال الشخصية تكرّس تبعيتها وتمنعها من التمتع بالمساواة القانونية الكاملة، ما ساهم في ترسيخ أدوار نمطية حصرتها في الفضاء الخاص، وأقصتها عن مواقع القرار.
لكن ومع اشتعال الثورة، انقلب المشهد. انخرطت النساء في التظاهرات، وتعرضن للاعتقال والملاحقة والتعذيب، كما شاركن في العمل الإعلامي والميداني، وتحملن عبء إعالة الأسر بعد تغييب المعيل الذكوري بسبب القتل أو الاعتقال أو التهجير. هذه التجربة الاستثنائية فرضت حضوراً جديداً للمرأة السورية في المجالات الإنسانية والمجتمعية، وأكسبتها شرعية واقعية تستند إلى ما أنجزته بالفعل، لا إلى ما يُفترض بها فعله.
اقرأ أيضاً: نساء سوريا في يوم المرأة العالمي: بين الإنجازات والتحديات المستمرة – 963+
المرأة السورية… ركيزة في إعادة بناء الإنسان
ترى الناشطة السياسية منى غانم أن المرأة السورية باتت اليوم عنصراً لا يمكن تجاوزه في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصاً في ظل الفراغ المجتمعي الذي خلّفته سنوات النزاع.
وتقول في تصريحات للعدد السابع من صحيفة “963+”: “دور المرأة في سوريا اليوم يجب أن يكون قيادياً، سواء داخل البيت أو خارجه. فإذا لم تتولَّ المرأة دورها الكامل في بناء الدولة والمجتمع المدني، فلن تتمكن البلاد من النهوض مجدداً”، مشيرة إلى أن المرأة، التي أثبتت كفاءتها في ميادين التعليم، والرعاية، والعمل الإنساني، جديرة بأن تكون شريكاً في إعادة هيكلة المجتمع والدولة، مؤكدة أن إشراكها في العملية السياسية والمؤسساتية “شرط أساسي لتحقيق استقرار حقيقي وتنمية مستدامة”.
وتعزز هذا الرأي لمى الأتاسي، التي ترى أن المرأة السورية، رغم امتلاكها المؤهلات العلمية والخبرات العملية، ظلت لعقود مستبعدة عمداً من مواقع القيادة. وتوضح: “المرأة السورية أثبتت قدرتها في مختلف المهن، من الطب والهندسة إلى ريادة الأعمال والقضاء، لكن غيابها عن مراكز القيادة كان نتيجة حرمانها من الفرص، لا نقصاً في الكفاءة”.
الأتاسي، بصفتها باحثة في قضايا التعددية، ترى أن المرأة تملك اليوم من التجربة والمعرفة ما يؤهلها للعب دور محوري في صياغة مستقبل سوريا، وتقول: “لا يمكن الحديث عن ديموقراطية حقيقية من دون مساواة فعلية بين الرجل والمرأة”.
اقرأ أيضاً: المرأة.. كلمة السر الضرورية في بناء سوريا المستقبل – 963+
التحديات مستمرة… ولكن الإرادة أقوى
رغم كل الإنجازات، فإن التحديات لا تزال قائمة. تشير منى غانم إلى أن الحكومة الانتقالية في سوريا لم تُظهر اهتماماً كافياً بقضية تمكين المرأة، حيث لا تضم إلا امرأة واحدة في التشكيلة الوزارية، ولم تُستحدث بعد مؤسسات متخصصة بشؤون المرأة كما هو الحال في دول عديدة.
وتضيف: “الحكومة الحالية لم تضم إلا امرأة واحدة، هي وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، كما لم تُستحدث وزارة للمرأة أو مجلس أعلى للمرأة”. وتعزو غانم هذا التراجع إلى تأثير تيارات الإسلام السياسي على التوجهات الحكومية، إضافة إلى هيمنة المفاهيم التقليدية التي تعيد إنتاج مبدأ “ولاية الرجل” في الحياة العامة.
في المقابل، تؤكد الأتاسي أن على النخب النسائية مضاعفة الجهد لفرض حضورهن على الساحة، من خلال المشاركة الجادة واكتساب ثقة المجتمع. وتقول: “علينا أن نتحلى بالصبر، ونتعامل بإيجابية، كي نُحدث تغييراً حقيقياً، لأن التغيير يبدأ من قاعدة الهرم، وليس من رأسه”.
من العمل الإنساني إلى مراكز القرار
برزت المرأة السورية خلال سنوات الحرب كفاعل محوري في القطاع الإنساني والمجتمعي، حيث عملت في المنظمات المحلية والدولية، وأطلقت مبادرات تعليمية وخدمية، وساهمت في مشاريع التمكين داخل المخيمات والمجتمعات المضيفة.
وقد دفعتها الظروف الصعبة للنزوح واللجوء إلى خوض تجارب اقتصادية جديدة، من ريادة الأعمال الصغيرة إلى المشاريع الزراعية والحرفية، ما مكنها من اكتساب مهارات جديدة والانخراط في سوق العمل.
وكل تلك المكتسبات تشكل اليوم رصيداً مهماً يجب البناء عليه في مرحلة إعادة الإعمار، التي، بحسب غانم والأتاسي، لا تعني فقط ترميم الأبنية، بل إعادة ترميم النسيج المجتمعي الذي تمزق بفعل الحرب، وبلورة عقد اجتماعي جديد يضمن العدالة والمساواة.
الطموح نحو شراكة حقيقية
تأمل النساء السوريات أن تنصفهن المرحلة المقبلة، عبر تمثيل فعلي في مؤسسات صنع القرار، لا كأرقام رمزية، بل كشريكات في التخطيط والتنفيذ. فتمكين المرأة ليس مجرد مطلب حقوقي، بل ضرورة لبناء سوريا على أسس جديدة، يكون فيها السلم المجتمعي والتنمية المستدامة عنواناً رئيسياً. إن تجربة الحرب، بكل آلامها، أثبتت أن المرأة السورية ليست عنصرًا هامشيًا، بل قوة فاعلة ومبادِرة، لا تخشى التحديات، وتسعى اليوم لاستثمار مكتسباتها لتحقيق التغيير الحقيقي، والمشاركة الكاملة في صناعة مستقبل يليق بتضحياتها.










