منذ تسلمها مهامها في أواخر آذار/ مارس الماضي، بدأ مسؤولو الحكومة السورية الانتقالية بطرح قضية التحول للعمل الرقمي في مؤسسات الدولة. وأولى الخطوات كانت عبر قرار وزارة المالية بصرف رواتب العاملين في القطاع العام عبر تطبيق رقمي جديد باسم “شام كاش”. لكن هذا التوجه يصطدم بواقع معقد، أبرز تحدياته غياب البنية التحتية اللازمة مثل الإنترنت السريع، واستقرار الكهرباء وشبكات الاتصالات، مما يجعل تنفيذ هذا المشروع رقميًا أمراً معقدًا في هذه الظروف.
وتُعرف الحكومة الإلكترونية بأنها نمط إداري حديث يستخدم تقنيات المعلومات والاتصال، خصوصاً الإنترنت، لتطوير العمل الحكومي الداخلي والعلاقات بين الإدارات والمؤسسات الرسمية، بهدف تعزيز الكفاءة والشفافية وتحقيق العدالة في توزيع الموارد الحكومية.
اقرأ أيضاً: ما مفاعيل عودة سوريا إلى “البنك الإسلامي للتنمية”؟
“شام كاش” يدخل الخدمة
وزارة المالية قررت اعتماد تطبيق “شام كاش” لصرف رواتب موظفي القطاع العام ابتداءً من أيار/ مايو. ووفق ما ورد على الموقع الرسمي للتطبيق، فإنه يُعد منصة آمنة لإدارة الأموال اليومية، تتيح استلام الرواتب، تحويل الأموال، وتسديد فواتير الماء والكهرباء والإنترنت، دون فرض عمولات، ما يساهم في توفير الوقت والجهد وتحسين الوصول للخدمات المالية، ويعمل على تسهيل حياة المواطنين بشكل عام.
وأصدر وزير المالية، محمد يسر برنية، تعميماً لمحاسبي ومديري المالية في الجهات العامة، طالب فيه بإصدار أوامر صرف الرواتب وتعويضات العاملين، وإيداعها في حسابات “شام كاش” المفتوحة لدى مصرف سوريا المركزي، على أن ترفق بملف “إكسل” يتضمن بيانات العاملين، وذلك قبل 20 نيسان/ أبريل.
ونقلت وكالة “سانا” عن صالح العبد، معاون وزير المالية، أن المؤسسات الحكومية بدأت فعلياً برفع قوائم حسابات “شام كاش” للموظفين بعد استلام البيانات من مديريهم، وهو ما يعد خطوة مهمة نحو رقمنة أكبر للقطاع العام.
التحول الرقمي مؤجل؟
الخبير في شؤون الحكومة، زيدون الزعبي، شكّك في إمكانية تطبيق الحكومة الإلكترونية قريباً، مرجعاً ذلك للعقوبات المفروضة التي تطال البرمجيات، وغياب بنية مصرفية مرنة تتيح الدفع الإلكتروني، ما يجعل التحول الكامل أمراً صعب المنال حالياً. وأضاف في تصريحات للعدد السابع من صحيفة “963+” أن تقنيات الرقمنة تحدّ من البيروقراطية والفساد، لكنها تتطلب مقومات غير متوفرة بعد.
في المقابل، يرى الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، في تصريحات للصحيفة، أن التحول الرقمي ممكن لكن تدريجياً، رغم ضعف البنية التحتية. وأشار إلى وجود خطوات جزئية بالفعل، مثل رقمنة الرواتب وبعض الخدمات المدنية. لكنه حذّر من عقبات مثل مقاومة الموظفين للتغيير، ضعف الجاهزية الفنية، ومخاطر الاختراق الإلكتروني في غياب نظام أمني فعّال.
اقرأ أيضاً: في سوريا… اقتصاد متقطع الأوصال جغرافياً
ملاحظات وانتقادات
واجه التطبيق الجديد انتقادات من خبراء اقتصاديين، خاصةً مع الإعلان أن “بنك شام”، التابع سابقاً لمناطق “هيئة تحرير الشام”، هو الجهة الضامنة، رغم عدم ارتباطه سابقاً بالنظام المصرفي الرسمي، علماً أن غالبية الموظفين لديهم حسابات مصرفية. وقد أثار هذا التساؤلات حول فعالية النظام الجديد، وما إذا كان بإمكانه مواجهة تحديات المرحلة الراهنة.
ويرى المغربل أن التحول الرقمي ضروري لتقليل الفساد، لكنه يحتاج استثماراً حقيقياً في البنية التحتية وتدريب الكوادر، إضافة إلى تخفيف العقوبات للسماح باستيراد التقنيات.
وكان النظام السوري قد أطلق سابقاً تجارب رقمية مثل “البطاقة الذكية”، لكنها فشلت لأسباب متعددة، منها ضعف البنية التحتية وانقطاع الكهرباء وغياب الربط الإلكتروني. وقد أظهرت هذه التجارب فشل بعض الحلول التقنية في تحقيق أهدافها بسبب معوقات عدة.
التحول الرقمي يعزز تبادل المعلومات بين الإدارات، ويتيح تقديم خدمات إلكترونية مباشرة للمواطنين، مما يخفض التكاليف ويزيد الكفاءة. ويُذكر أن مفهوم الحكومة الإلكترونية ظهر منذ خمسينيات القرن الماضي، وازدهر في التسعينيات مع إدارة كلينتون، ثم انتشر في دول مثل بريطانيا وكندا وأستراليا.










