يعاني المجتمع السوري من نقص في أعداد الكوادر الطبية، فالقطاع الصحي مصاب بنقص حاد في الاختصاصات نتيجة نزيف الكوادر الطبية خلال السنوات الماضية، بعدما دفع نظام الأسد بالكثير من الأطباء للهجرة إلى الدول الأوروبية والعربية والأفريقية، بحثاً عن الاستقرار وعن واقع أفضل.
بدأ نزيف الكوادر الطبية بعد سنوات من بدء الحراك الشعبي في سوريا، وترك الكثير منهم البلاد نتيجة الملاحقات الأمنية والقيود المفروضة عليهم، إضافة إلى الخدمة الإلزامية غير محددة الفترة الزمنية. كما ساهم ضعف الأجور في هذا النزيف، إذ لا يتجاوز راتب الطبيب 20 دولاراً أميركياً شهرياً، في حين تتطلب تكاليف المعيشة للفرد الواحد في سوريا نحو 150 دولاراً في الحد الأدنى، وفق تقارير اقتصادية.
عودة مؤقتة
في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، كشف الدكتور عماد سعادة، رئيس فرع نقابة الأطباء في دمشق، عن وجود نقص كبير في الاختصاصات الطبية، خصوصاً في تخصصات التخدير والصدرية والنفسية والعصبية والعناية المشددة والعناية المشددة للأطفال والتوليد، فيما بلغت أعداد المتقدمين للحصول على وثائق سفر منذ بداية العام الجاري في فرع دمشق وحده 465 طبيباً، غادر منهم حتى تاريخ حديثه 261 طبيباً.
قال وسيم محمد باكير، منسق برامج صحية بمنظمة بهار الإنسانية في سوريا، في العدد السادس من صحيفة “963+”: “نزيف الكوادر الطبية في أدنى مستوياته خلال الوقت الحالي، بسبب عودة الكثير منهم عقب سقوط نظام بشار الأسد وزوال أسباب ملاحقتهم”.
اقرأ أيضاً: بين الموت والحياة.. مرضى السرطان في سوريا منهكون – 963+
ويوضح أن زوال الملاحقات الأمنية دفع أطباء للعودة إلى سوريا لتقديم رعايا طبية لأبناء بلدهم، لكن هذه العودة مؤقتة. فلدى الكثير منهم أعماله الخاصة وارتباطه في بلد اللجوء، كما أن هؤلاء جاؤوا للمشاركة في حملات طبية بدافع وطني وإنساني.
لكن، لم يتغير الحال بالنسبة إلى وجود الأطباء في الداخل، إذ ما زال مستمراً حيث تعاني سوريا من نقص الكوادر الطبية، نتيجة الهجرة لا سيما في ظل النظام المخلوع، حيث دفعهم تردي المعيشة ونقص الأجور والملاحقات الأمنية والخدمة الإلزامية للهجرة إلى الدول الأوروبية، بحسب باكير.
يضيف: “تغيير قوانين اللجوء لم يؤثر في هجرة الأطباء، إذ لم يطرأ تغيير مبير على العلاقات الديبلوماسية التي تخضع للشأن السياسي بالنسبة لأي طبيب يرغب في الهجرة، كما لم يجرِ أي تعديل على قوانين اللجوء والتأشيرات بالنسبة إلى الأطباء”.
مرحلة بناء سوريا
يرى باكير أن إسقاط النظام أسهم في الحد من نزيف الكوادر الطبية السورية، كما حذرت تقارير فصلية في عهد النظام من استمرار من نزيف الكوادر، وكان هؤلاء يفكرون قبل تخرجهم في مشاريع الهجرة والسفر إلى الخارج من أجل الاستقرار والعمل بعيداً عن المضايقات.
لكن الحال تغيرت مع سقوط النظام، كما حدث تغيير في خطط الكثير من الكوادر الطبية الذين ينظرون إلى أن هذه المرحلة هي مرحلة بناء سوريا الجديدة، لذا بادر من هم في الخارج للمشاركة في الحملات، فيما اندمج من هم في سوريا بالمؤسسات الطبية التي تحرّرت حديثاً.
اقرأ أيضاً: القطاع الصحي في سوريا تحديات متزايدة… ومساعٍ للإنقاذ – 963+
ويشير إلى أن كوادر طبية تنظر في الوقت الحالي بعين من الترقب للوضع الاقتصادي والسياسي والطبي والأمني، فمن يفكر في الهجرة يتريث قليلاً، على أمل أن يجد لنفسه فرصة في بلده بعد زوال العوائق والمخاطر التي كانت موجودة. ويفكر هؤلاء بعدم المخاطرة في الوقت الحالي، “فأي طبيب أو ممرض يبحث عن إكمال تعليمه فقد يلجأ للهجرة عن طريق القنصليات من دون أن يسلك طرقاً غير شرعية”.
هجرة مستمرة
يتوقع الدكتور جواد أبو حطب، أستاذ جراحة القلب في كلية الطب البشري بجامعة حلب الحرة، أن يعود الأطباء إلى خيار الهجرة بعد أن استقروا في البلاد لسنوات، عقب موجة النزيف الكبرى، خصوصاً مع عودة جوازات السفر ورغبة البعض في إكمال تعليمه خارج سوريا. كما أن البعض سيهاجر لتحسين ظروفه المعيشية.
ويضيف في العدد السادس من صحيفة “963+” أن قوانين اللجوء لا تساهم بالحد من نزيف الكوادر الطبية، “لأن أغلبيتهم يسافر إلى دول الخليج، أو لإكمال تعليمه والاختصاص في إحدى الدول الأجنبية. ثم إن سقوط النظام لم يساهم بالحد من هجرة الكوادر الطبية، بل سيكون لهؤلاء طلب في بعض الدول العربية أو الأفريقية”.
ويرى أن أفضل طريقة للحد من نزيف الكوادر الطبية هي رفع الأجور، وذلك لن يكون من خلال مؤسسات الدولة، إنما بمنح بعض المنشآت الصحية للمنظمات الدولية التي تعطي أجوراً بالدولار، وذلك قد يمنع الأطباء والممرضين والفنيين من السفر إلى الخارج.
اقرأ أيضاً: الصحة العالمية: نصف مستشفيات سوريا خارج الخدمة – 963+
وعود حكومية
يرى الدكتور زهير قراط، مدير التخطيط والتعاون الدولي في وزارة الصحة، أن هجرة الكوادر الطبية تراجعت بعد سقوط نظام الأسد، وبات الكثير منهم ينظرون بعين التفاؤل لما يجري في البلاد. كما أن التراجع ليس مرتبط بتغيير قوانين اللجوء بل بالرغبة في بناء سوريا.
ويقول قراط في العدد ذاته للصحيفة، إن الكوادر الطبية تنتظر تغيّر المؤسسات الصحية وتنفيذ الحكومة وعودها في ما يخص تحسين الواقع الصحي والمعيشي، مضيفاً: “ساهم سقوط النظام بالحد من هذه الهجرة، فالنظام المخلوع كان يمارس سياسات ضاغطة على الكوادر الطبية لدفعها للسفر إلى الخارج، لكن الرغبة في السفر تلاشت بشكل كبير عند الخريجين الجدد ممن يرغبون في البقاء ببلادهم”.
وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، كشفت صحيفة “تشرين” التي كانت تابعة للنظام، وباتت تُعرف بصحيفة “الحرية” حالياً، عن أن أكثر 25 ألف طبيب غادروا البلاد منذ عام 2011، مشيرةً إلى أنها حصيلة ليست بالقليلة، كونها ما زالت مستمرة، حيث يسعى الكثير من الطلاب في كلية الطب إلى إنهاء دراستهم والاستعداد للهجرة خارج البلد.
ولفتت الصحيفة إلى أن في الصومال وحدها أكثر من 500 طبيب سوري، بينما هاجر إلى ألمانيا 5339 طبيباً، وذلك وفقاً لإحصاءات رسمية ألمانية صدرت في عام 2022، والباقي موزعين على عدد كبير من الدول العربية والأوروبية، وإلى أن ظاهرة هجرة الأطباء السوريين باتت تُؤرق المعنيين في القطاع الصحي، وتتأثر بها المشافي العامة والخاصة في سوريا، ما تسبب بنقص كبير في الاختصاصات الطبية الأساسية كالتخدير والأورام والجراحة وغيرها.
نشرت هذه المادة في العدد السادس من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 11 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد الرابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










