بعد تشكيل الحكومة السورية الجديدة، أصبح ممكناً من الناحية الإجرائية تشكيل اللجان المختصة للبدء بتنفيذ “اتفاق جدّة” بين وزيري الدفاع السوري مرهف أبو قصرة واللبناني ميشال منسى لترسيم الحدود بين البلدين. كان اجتماعهما مقرراً في دمشق، ثم نُقل إلى جدّة، ليُعقد بحضور وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان. قد يبدأ العمل وينتهي في فترة قريبة، ما لم تطرأ موانع، فهذه المسألة طُرحت مراراً منذ استقلال البلدين قبل ثمانية عقود وتوقفت أو أرجئ استكمالها لأسباب متفاوتة، لكن الظروف تغيّرت، كذلك الدواعي والدوافع.
وأهم المتغيّرات زوال النظام السابق في سوريا، إذ كان حافظ الأسد من الجيل الذي لم يتقبّل فكرة “سلخ” الانتداب الفرنسي مناطق من “سوريا التاريخية” (البقاع وطرابلس) وضمّها الى لبنان لإنشاء دولة “لبنان الكبير” في عام 1920. لم يعترف ذلك الجيل بالأمر الواقع ومبرراته، ولا بـ “الحدود” التي اضطر للتعايش معها، ورغم محاولات جرت بعد الاستقلال للتعامل مع هذه القضية وكانت أهمها في عام 1950، إلا أن الخلافات السياسية أفشلتها، وما لبث النهج البعثي أن جعل من هذه القضية عقدة تاريخية تصعب مقاربتها. ثم أن نظام الأسد الأب عمد الى معالجتها بإذكاء الحرب الأهلية اللبنانية التي رشحته للحصول على “تفاهمات” دولية وإقليمية لوضع لبنان تحت وصايته، عسكرياً وسياسياً.
هذا ما ورثه بشار الأسد وعمل بمستوى أقلّ من الحنكة على تكريسه، ما قاده في عام 2005 إلى سحب قسري لقواته من لبنان، تحت الضغوط الداخلية والخارجية التي تلت اغتيال رفيق الحريري، محبطاً الاستراتيجية التي حقق فيها والده أكبر نجاحاته. لكن المدّ الإيراني الذي نشر نفوذه في العراق وحضوراً في سوريا كان جاهزاً لوراثة تلك “الوصاية” من خلال “حزب الله” اللبناني. ومع هذا النفوذ، لم يبتعد استحقاق ترسيم الحدود فحسب، بل لم يعد مطروحاً، إذ إن إيران و”حزبها” فتحا عشرات المعابر غير الشرعية بين البلدين. ورغم أن محاولة أخرى للترسيم جرت في عام 2008، بعد زيارة الرئيس اللبناني ميشال سليمان لدمشق، وتوصلت الى تحديد 70 في المئة من نقاط الحدود، فإنها توقفت في عام 2011 بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا.
قبل 10 أعوام، عاد الترسيم ليطرح نفسه بإلحاح من منطلقين مختلفين: الأول يتعلّق باستكشاف النفط والغاز في مياه المتوسط على طول المنطقة الساحلية المتداخلة، وحاجة الشركات الدولية الى حدود بحرية مرسّمة ومعترف بها كي تتمكّن من العمل، لكن نظام بشار الأسد لم يهتم بتسهيل الأمر على لبنان، لأن العقوبات الدولية كانت تحول دون تلزيم بلوكات النفط والغاز؛ والثاني فرضته الأزمة الاقتصادية العاتية التي ضربت لبنان وأصبحت الهيئات الدولية المعنية بمساعدته تطالب بإصلاحات بينها التحكّم بالمنافذ الحدودية لمكافحة تهريب المخدرات وتحجيم الاقتصاد الموازي. وبطبيعة الحال كان مطلوباً أيضاً منع تدفق السلاح الايراني إلى “حزب الله”، للحدّ من هيمنته على الدولة اللبنانية. ومنذ إطاحة نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، وخروج الميليشيات الإيرانية من سوريا، باتت مكافحة تهريب المخدرات والسلاح مطلوبة أيضاً من السلطات الجديدة في دمشق.
للمرة الأولى، صار ترسيم الحدود حاجة للدولتين وضرورة لمصالحهما بعيداً عن أي اعتبارات أخرى. وإذ جاء “اتفاق جدّة” بعد توترات دامية على الحدود، يفترض أن الإرادة السياسية متوفرة الآن للتنفيذ. لكن، تبقى النقطة المرتبطة بمناطق حدودية احتلتها إسرائيل في عام 1967 ورفضت إعادتها إلى لبنان بعدما انسحبت من أراضيه، لأنها تعتبرها مناطق سورية. كان واضحاً أن نظام الأسد توافق مع الإيرانيين على إبقاء هوية تلك المناطق عائمة لتكون خط تماس مع إسرائيل وتبرر استمرار “المقاومة”. لكن، بعد هزيمة “حزب الله”، هل يحسمها أحمد الشرع؟










