يعرف القانونيون الإعلان الدستوري بإنه “مجموعة من المواد القانونية، يضعها متخصصون، تعمل على تنظيم الدولة في حال سقوط الدستور، ويكون الإعلان الدستوري عبارة عن دستور مختصر مكون من عدد قليل من المواد، بما يسمح للسلطة الحاكمة أن تحكم البلاد بصورة قانونية، ويمكنها من إصدار القوانين التي تسهل أوجه الحياة في البلد، حتى يتم وضع دستور جديد”.
بناء على هذا التعريف، الإعلان الدستوري الذي صدر في سوريا قبل أيام لا يُشبه ما يجب أن يكون عليه الإعلان الدستوري لدولة مثل سوريا، خارجة من حرب طويلة، وفيها هذا التنوع والاختلاف بين مكوناتها، وتعاني من أزمات بنيوية في المجتمع والاقتصاد والسياسة.
إن الإعلان الذي صدر هو مسودة دستور تريد سلطة الأمر الواقع الانتقالية وضعها أمام السوريين لاختبار ردات فعلهم. ففي حال الموافقة، يتم خلال خمس سنوات مقبلة (المدة التي حددها الإعلان للمرحلة الانتقالية) إضافة بعض المواد على هذا الإعلان وعرضه أمام السوريين للتصويت عليه، كما هي العادة في جميع الدول. لكن، بما أن هذا الإعلان جعل من رئيس الجمهورية أحمد الشرع الحاكم المطلق وصاحب السلطات كلها الذي يعين اللجنة التي ستعين أعضاء مجلس الشعب، ولديه حق تعيين ثلثي أعضاء المجلس، ولا يحقّ لأي أحد محاسبته أو عزله، فمن الوارد جداً أن يقوم من نصّب نفسه رئيساً للجمهورية بتعيين لجنة من أتباعه، تكمل هذا الإعلان ليصبح هو الدستور، ويقرّه مجلس الشعب الذي عينه هو، من دون أي استفتاء أو تصويت شعبي؛ فالذرائع موجودة: شعب سوريا مهجر والبيانات فقدت يوم التحرير، وقسم كبير جداً من السوريين ليس لديه ثبوتيات رسمية إلى آخر هذه الذرائع التي لم تتوقف السلطة الحالية عن ترديدها والتذرع بها منذ تمكنها من الحكم عن كل سؤال حول الانتخابات العامة أو الرئاسية.
ليست إشكاليات الإعلان الدستوري الحالي فقط في منح كامل الصلاحيات لرئيس الجمهورية من دون قدرة أي جهة على محاسبته أو عزله، وإنما أيضاً في كونه عمل على إقصاء كل المكونات السورية غير المسلمة وإلزامها الخضوع لعقيدة السلطة الحاكمة. فالإعلان ينصّ على كون رئيس الجمهورية مسلماً، ما يعني أن كل من هو غير مسلم هو مواطن من الدرجة الثانية، ما يلغي تماماً مبدأ المواطنة الذي لم يذكر أصلاً في الإعلان.
أصر الإعلان على إبقاء اسم “الجمهورية العربية السورية”، الاسم الذي اعتمده نظام البعث القومي والذي تم بسببه تهميش قوميات سورية أخرى لها حقوق في سوريا كحقوق العرب، كالكرد والأرمن والسريان والأشوريين والشراكسة والتركمان… إلخ. وهذا أيضاً تمييز آخر ينتقض مبدأ التساوي في الحقوق والواجبات، ذلك أن الجمهورية العربية السورية تعني أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية الوحيدة، ما يحرم باقي القوميات من أن تكون لغاتهم معترف بها رسمياً في الدولة (ولكم أن تتخيلوا أن دولة مثل الولايات المتحدة الأميركية لم يتم حتى هذه اللحظة اعتماد اللغة الإنكليزية لغة رسمية فيها، وهو ما يريد الرئيس دونالد ترامب إقراره حالياً). ولكن، حين يكون اسم الجمهورية هو “الجمهورية السورية”، فهذا يضمن حقّ جميع السوريين في احترام اختلافهم وتنوعهم.
لا يعترف السلفيون بالشعب، فالحكم لشريعة الله وحدها، والله وحده صاحب السيادة، ما يعني أن الديموقراطية نوع من أنواع الكفر بالله، فهي تقوم على مبدأ التعددية السياسية وحقّ الافراد في اختيار عقائدهم السياسية. كما أن السلفية (لا سيما الجهادية) كالتي تحكم سوريا اليوم ترى أن الحاكمية لله وحده، وأي تشريع يخالف الشريعة الإسلامية باطل، بينما تقوم الديموقراطية على مبدأ حكم الشعب لنفسه وضمان حقّه في سنّ القوانين التي يراها ملائمة. لهذا، لم ترد في الإعلان الدستوري الحالي مفردة الديموقراطية في تعريف الدولة، “سوريا جمهورية رئاسية”، لا جمهورية رئاسية ديموقراطية كما وردت في الدساتير السابقة. وهذا أمر بالغ الخطورة مع الصلاحيات المطلقة للرئيس الحالي، ومع إلغاء مادة “الشعب مصدر السلطات” التي تعتمدها كل دساتير العالم. فسوريا، على ما يبدو، ذاهبة نحو حكم شمولي إسلامي سلفي، خصوصاً مع تحديد أن الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع.
من نافل القول إن ما يحدث في سوريا هو استيلاء كامل على مبادئ الثورة لصالح ثورة مضادة، تريد أن تلغي من ذاكرة السوريين كل مطالب ثورة 2011 في العدالة والكرامة والحرية والمساواة، وهي المبادئ التي لا يحققها سوى نظام برلماني ديموقراطي تعددي يستند إلى دستور يعتمد العلمانية نظاماً للحكم. العلمانية هي النظام الوحيد الكفيل بحلّ معضلات مركبة كالمعضلات المجتمعية السورية والتي يترتب عليها وضع اقتصادي يشبهها في التعقيد. النظام العلماني يكفل حقّوق الجميع ويلغي التمييز بين مكونات الشعب لصالح المواطنة، ويلغي ديكتاتورية الأغلبية أو الأقلية العددية لصالح الأغلبية السياسية الحزبية. ويمنح جميع المواطنين لهم الحقّ في اعتناق ما يشاؤون من الأديان وممارسة عباداتهم والتمسك بعاداتهم وشكل لباسهم وهوياتهم الثقافية. ويحمي حقوق الجميع من دون تمييز عرقي أو ديني أو جنسي، وتتوزع فيه الصلاحيات في الحكم ويتم فيه فصل حقيقي بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ويحقّ فيه للشعب عزل رئيس الجمهورية أو محاسبته على أي خطأ يُضر بمصلحة الشعب، ويحفظ الحريات العامة والفردية، ويكفل حقّ الجميع في مستقبل لائق وآمن ومطمئن.
النظام العلماني هو النظام الدستوري الوحيد الذي يمكن أن ينقذ بلداً مثل سوريا، خارجاً من حرب امتدت سنوات طويلة وكادت أن تكون حرباً أهلية مزقت العقد الاجتماعي الناظم للمجتمع السوري، وخلفت حقداً طائفياً وإثنياً، وندفع ثمنه مجازر دموية حتى هذه اللحظة.
يعرف الجميع أن سوريا لن تنجو في ما لو تم فرض الإعلان الدستوري الحالي بوصفه دستوراً لسوريا، فعدا عن تمييزه بين السوريين، إنه يلغي المواطنة، ويمنع عن الشعب حقه في اختيار من يمثله، ويجعل من كل المكونات غير العربية السنية مجرد أهل ذمة، ويعطي السلطة الحق في التدخل في الحريات العامة والفردية تحت ذرائع عديدة.










