تعد مشكلة نزع السلاح في سوريا من أصعب المسائل التي تواجه “الحكومة السورية المؤقتة” الجديدة المزمع تشكيلها خلال الفترة المقبلة، رغم إعلان بعض الفصائل نيتها حل نفسها والانضمام إلى وزارة الدفاع.
أكثر من 13 عاماً يحمل مسلحون وفصائل سلاحهم وقد تجد الحكومة نفسها في موقف محرج بعدم قدرتها على ضبط السلاح، مع الدعوات الأممية لوقف الأعمال القتالية للبدء بحل سياسي يجمع جميع الأطراف.
وقد تقبل بعض الفصائل المسلحة في المستقبل نزع السلاح وتوحيد السلاح تحت سيطرة الدولة السورية، لكن قد يرتبط ذلك بالحصول على مكاسب سياسية في الحكومة الجديدة، وما بعدها في سوريا المستقبلية.
في الوقت ذاته يصعب دمج تلك الفصائل تحت إدارة عسكرية واحدة في ظل تعدد ولاءاتها، الأمر الذي يثير قلق على المستوى المحلي والدولي، رغم إبداء أحمد الشرع جاهزيته لحل “هيئة تحرير الشام” والاندماج في وزارة الدفاع السورية ضمن جيش يعتمد على التطوّع.
وقال أحمد الشرع والذي كان يعرف بـ “أبو محمد الجولاني” في أحد تصريحاته، بأن وزارة الدفاع ستقوم بحل جميع الفصائل، ولن يكون هناك سلاح خارج سلطة الدولة السورية.
اقرأ أيضاً: جيش موحد لسوريا الجديدة.. رؤية غرفة عمليات الجنوب لإعادة الإعمار
وأشار في أكثر من مناسبة إلى أن العمل يجري على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية في سوريا، وأن وزارة الدفاع ستكون هي الجسم الشامل لكافة المكونات العسكرية التي ستنضوي تحت جسم واحد.
من جهته، قال رئيس الحكومة السورية المؤقتة محمد البشير لوكالة “رويترز”: إنه “ستتم إعادة هيكلة وزارة الدفاع عبر الفصائل الثورية في الفترة المقبلة”.
مهمة صعبة
في ظل الخلافات السابقة بين “هيئة تحرير الشام” وفصائل “الجيش الوطني” الموالي لتركيا، وعدم حدوث أي اتفاق مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، هل ستكون “الهيئة” قادرة على تنفيذ وعودها؟
يقول الخبير في الشؤون العسكرية والقانون الدولي الانساني، أكرم كمال سريوي، لموقع “963+”، إن “سوريا تمر بمرحلة انتقالية، شهدت تفكك الجيش وقوات الأمن، وهروب كبار ضباط النظام السابق، ورغم الانتقال السلس للسلطة من يد الحكومة السابقة إلى الحكومة المؤقتة، لكن هذا التحول السريع يخلق كثير من المعضلات، التي تستوجب الحل”.
ويوضح أن “البداية كانت مع التركيز على ضبط الأوضاع الأمنية في البلاد، ومنع التعديات على الأملاك العامة والخاصة، ومنع عمليات الثأر والانتقام، التي قد تُدخل البلاد في حالة من الفوضى”.
ويرى أن الحكومة المؤقتة فعلت أمر جيد بمنع إطلاق النار، لكن يبدو أن قرارات الحكومة لم تُعجب بعض الفصائل المسلحة، وربما رأت هذه الفصائل في ذلك، محاولة لتقليص دورها ونفوذها.
وكان الشرع قد وجه كلمة إلى السوريين بالاحتفال خلال يوم الجمعة الماضي دون إطلاق النار، في حين أمر في فقترات سابقة بسحب المظاهر المسلحة من مدينتي حلب وحماة منعاً لترويع السكان وترهيبهم.
ويضيف سريوي، أن “الحكومة تتخذ القرارات التي تخدم مصلحة الشعب السوري، بالحاجة إلى الشعور بالأمن، لعودة الحياة الطبيعية، وهذا يتطلب ضبط المظاهر المسلحة، ليصار لاحقاً إلى حصرها بيد رجال الأمن الشرعيين التابعين للحكومة”.
ويتابع أن “الخطاب الذي قدمه رئيس هيئة تحرير الشام أحمد الشرع، هو خطاب وطني عقلاني، يشدد على وحدة سوريا، وبناء دولة ديمقراطية، بمشاركة كل أطياف الشعب السوري، ولا يستثني أحداً، وهو خطاب رجل دولة، يطمئن الشعب السوري، وكل الحريصين على مصلحة سوريا”.
ويرى أن “قرار الحكومة بحل جميع الفصائل المسلحة، مهم جداً، ويجب أن يلتزم به الجميع، ليصار بعدها إلى إعادة بناء قوات الجيش والشرطة، على أسس وطنية وحدوية، دون تفرقة أو تمييز”.
ويشير إلى أن “هناك تحديات كبيرة، وتعقيدات حول كيفية نزع سلاح الفصائل، ولِمَن سيتم تسليم السلاح، ومن الصعب أن يحصل ذلك، قبل إنشاء جيش سوري وطني، يتبع للحكومة السورية، ويأتمر بأمرها فقط، و تنضوي تحت لوائه عناصر من كافة فئات الشعب، وعندها ستسلم جميع الفصائل كل أسلحتها لهذا الجيش”.
اقرأ أيضاً: قمة العقبة.. توافق على خطوط عريضة لسوريا وخلافات حول دور الإسلاميين
ويلفت إلى أنه “إذا تم نزع سلاح فصائل محددة، واستهداف لبعض فئات الشعب السوري، أو مناطقه معينة، فهذا سيؤدي حتماً إلى الانشقاق والاقتتال وتقسيم سوريا.
عقبات وعراقيل
يشير الخبير العسكري إلى أن سوريا تتعرض اليوم لاعتداء سافر، بحيث استغلت إسرائيل الفرصة، واحتلت جزءاً من الأراضي السورية، ودمرت الأسلحة ومخازن الذخيرة، التي تركها الجيش في الثكنات، كي لا تحصل الفصائل المعارضة على هذه الأسلحة، لا الجوية، ولا البحرية، أو البرية، أو الصاروخية، أو مراكز الابحاث والتصنيع.
وتهدف إسرائيل إلى عرقلة إقامة جيش قوي في سوريا، يستطيع أن يبسط سيطرته على كامل الأراضي السورية، وقد تحاول إسرائيل دعم بعض الفصائل المسلحة، بهدف خلق التوترات المذهبية والعرقية، فمن المعروف أن إسرائيل، سعت منذ زمن لتدمير سوريا، والتشجيع على الفوضى، وخلق النزاعات، وتقسيم البلد على اسس مذهبية وعرقية، بحسب سريوي.
ويضيف: “لا شك أن التدخلات الخارجية في أي دولة، تؤدي إلى نزاعات بين فئات الشعب، لأن مصالح الدول الخارجية تكون متضاربة، وهذا ينعكس طبعاً صراعاً داخلياً وحروب أهلية، تؤدي إلى إضعاف الدولة المركزية، وإنشاء مناطق نفوذ، كما هو الحال في ليبيا وغيرها من الدول، التي شهدت صراعات وتدخلات خارجية”.
من جهته يرى صحافي سوري فضّل عدم ذكر اسمه، إن اختلاف الفصائل وولاءاتها قد يتسبب بخلافات فيما بينها كما كان يحصل في إدلب وحلب في شمال غربي سوريا.
ولا يستبعد الصحافي المقيم في إدلب حدوث صدامات مسلحة بين الفصائل ورفض بعضها نزع السلاح، بسبب خلافات على السلطة والنفوذ.
ويوضح أن المرحلة الحالية “ضبابية” في سوريا، لذا جميع الفصائل تترقب بحذر ولا يتوقع أن تشهد سوريا استقراراً بسبب كثرة الفصائل ووجود تيارات متشددة في بعضها.
في الوقت ذاته، يرى بأن حل الفصائل ونزع السلاح ضرورة وطنية للبدء ببناء دولة وجيش وطني، خاصة أن الحالة الفصائلية كان هدفها إسقاط النظام، لذا “لا داع لاستمرار في هذا التشرذم الفصائلي”، في وقت تحتاج فيه البلاد لجسم واجد يحمي حدودها ويقوي موقفها من التهديدات.










