يمثل مجلس الشعب الجديد، بتشكيلته التي تضم 137 عضواً تم انتخابهم عبر هيئات ناخبة و70 عضواً عينهم الرئيس، محطة مفصلية في مسار الانتقال السياسي، لكن نجاحه كما يرى “مراقبون” لن يتوقف عند حدود إقرار القوانين، بل سيمتد إلى قدرته على ترجمة هذه القوانين إلى واقع ملموس يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، ويخلق بيئة جاذبة للاستثمار، ويعيد تأهيل بنية تحتية دمرتها الحرب، فبعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد، وأكثر من عام على صدور الإعلان الدستوري الذي رسم ملامح المرحلة الانتقالية، وتحت قبة مجلس الشعب، عُقدت الجلسة الافتتاحية الأولى الأحد الماضي والتي أسفرت عن انتخاب النائب عبد الحميد العواك رئيساً للمجلس، في خطوة أعتبرها “سياسيون” بداية مرحلة تشريعية جديدة بعد سنوات من الجمود السياسي.
وهذا الحدث الذي قُدِّم رسمياً بوصفه “ولادة أول سلطة تشريعية منذ سقوط النظام”، لا يحمل في طياته بروتوكولات احتفالية فحسب، فخلف المشهد الاحتفالي، يبرز سؤال يتردد في الأوساط السياسية والاقتصادية والاجتماعية: هل يستطيع مجلس الشعب الجديد بتركيبته وصلاحياته الحالية، أن يتحول إلى مؤسسة تشريعية فاعلة تقود مرحلة إعادة بناء الدولة والاقتصاد، أم أن حجم التحديات يفوق إمكاناته الحالية؟ بل يفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات وجودية حول قدرة هذه المؤسسة الناشئة على مواجهة إرث ثقيل، واستحقاقات مرحلة تُقدَّر تكلفة إعادة إعمارها بمئات مليارات الدولارات؟
كيف وُلد المجلس؟ رحلة عام ونصف
تعود قصة المجلس إلى مؤتمر إعلان انتصار الثورة في 29 كانون الثاني 2025، حين تقرر حل مجلس الشعب الموروث عن النظام السابق وتفويض رئيس الجمهورية بتشكيل سلطة تشريعية مؤقتة، وجاء الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025 ليحدد آلية العمل: لجنة عليا يشكّلها الرئيس تشرف على هيئات فرعية ناخبة تنتخب ثلثي الأعضاء بشكل غير مباشر، بينما يُعيَّن الرئيس الثلث المتبقي “لضمان التمثيل العادل والكفاءة”.
امتدت عملية الاقتراع غير المباشر من تشرين الأول 2025 حتى أيار 2026 عبر دوائر انتخابية متعاقبة، قبل أن يُصدر الرئيس أحمد الشرع في الأول من تموز2026 المرسوم رقم 143 القاضي بتسمية الثلث المكمّل البالغ 70 عضواً، ليكتمل نصاب المجلس عند 207 من أصل 210 مقاعد.
وانتخب أعضاء المجلس، في جلسة شهدت حضور الرئيس أحمد الشرع ورئيس اللجنة العليا للانتخابات محمد طه الأحمد، النائب عبد الحميد عكيل العواك رئيساً للمجلس بحصوله على 99 صوتاً، متفوقاً على منافسيه مؤيد القبلاوي (75 صوتاً) ومحمد رامز كورج (31 صوتاً).
العواك، من مواليد محافظة الحسكة عام 1966، ليس وجهاً جديداً على المشهد القانوني والدستوري، فهو حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة حلب عام 1990، وماجستير في القانون الإداري، ودكتوراه في القانون الدستوري، وعمل قاضياً برتبة مستشار في وزارة العدل السورية بين عامي 1998 و2014، قبل أن ينتقل إلى التدريس الأكاديمي في تركيا. لكن أبرز ما يميز سيرته هو كونه عضواً في لجنة صياغة مسودة الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2025، ما يمنحه معرفة مباشرة بالنص الدستوري الذي سيعمل المجلس في إطاره.
تركيبة متنوعة وصلاحيات محددة في زمن انتقالي
تتنوع تركيبة المجلس الجديد بين كفاءات تكنوقراطية، ووجوه عشائرية، وممثلين عن القوى السياسية التي تصدرت المشهد بعد سقوط النظام، وهذا التنوع، رغماً عن إيجابيته الظاهرية، يثير مخاوف من “المحاصصة” التي قد تعطل عملية صنع القرار في وقت لا يملك فيه السوريون ترف الوقت، فقد دخل النواب الجدد إلى القاعة وهم يحملون تفويضاً شعبياً في بيئة ما تزال تتحسس طريقها نحو الاستقرار، ومع ذلك، فإن السؤال الذي يشغل أروقة السياسة السورية اليوم هو: هل يملك هذا المجلس الأدوات الكافية للتشريع والرقابة، أم سيكون مجرد واجهة “ديكورية” للمرحلة الانتقالية؟
يقول رشوان الألفي وهو باحث في القانون الدستوري “مصر” في تصريحات لـ”963+”: يشتغل المجلس الجديد بموجب أحكام الإعلان الدستوري لعام 2025، الذي وضَع مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، تنتهي بإقرار دستور دائم، ويتولى المجلس، وفق المادة 26 من الإعلان، “السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم”، على أن تكون مدة ولايته 30 شهراً قابلة للتجديد.
ويضيف أن صلاحياته تتحدد باقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل أو إلغاء القوانين السابقة، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة للدولة، وعقد جلسات استماع للوزراء، ويتساءل “الألفي” هل هذه الصلاحيات، في إطار دستوري مؤقت، كافية لدفع عجلة الإعمار وإعادة بناء دولة منهكة؟
ويجيب: بأن الظروف التي وُلد فيها المجلس الجديد تختلف عن أي مرحلة سابقة في تاريخ سوريا الحديث، فالبلاد تواجه اقتصاداً منهكاً، وبنية تحتية مدمرة، ومعدلات بطالة مرتفعة، وتراجعاً في الإنتاج الصناعي والزراعي، إضافة إلى ملايين السوريين داخل البلاد وخارجها الذين ينتظرون تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية.
ويرى الألفي أن نجاح المجلس لن يُقاس بعدد القوانين التي يصدرها، بل بقدرته على إنتاج تشريعات تعيد الثقة بالمؤسسات، وتجذب الاستثمار، وتحسن بيئة الأعمال، وتعزز استقلال القضاء، وتضمن رقابة حقيقية على الأداء الحكومي.
ويلفت إلى أن العبرة ليست في انعقاد الجلسة، بل في طبيعة الصلاحيات التي منحها الإعلان الدستوري للمجلس، فسوريا اليوم بحاجة إلى ثورة تشريعية لتفكيك قوانين العهد السابق، وجذب الاستثمارات، وضمان التوازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية، وإذا بقيت صلاحيات المجلس مقيدة بحدود التوافقات السياسية، فلن نرى تغييراً ملموساً.
ويؤكد أن مجلس الشعب الجديد ليس برلماناً بالمعنى الكلاسيكي المكتمل الأركان، بل تجربة انتقالية هجينة بين الانتخاب غير المباشر والتعيين المباشر، تحمل في طياتها إمكانات حقيقية لإعادة بناء مؤسسة تشريعية غابت لعقود عن أي دور فعلي، وفي الوقت نفسه تحديات بنيوية تتعلق بالتمثيل والرقابة والاستقلالية، والمحك الحقيقي لنجاحه لن يكون خطاب افتتاح الجلسة، بل قدرته الفعلية على سنّ التشريعات التي تحتاجها سوريا لتحويل موجة الاستثمارات المعلنة إلى مشاريع منجزة، وتحويل وعود الشفافية إلى رقابة برلمانية حقيقية على مليارات إعادة الإعمار.
ماذا يريد السوريون من هذا المجلس؟
خارج أسوار قصر الشعب، في شوارع دمشق وحلب وحمص وديرالزور، والنازحين في المخيمات، يبدو المشهد مختلفاً، فالمواطن السوري الذي عانى من مرارة الحرب والنزوح، لا تهمه كثيراً التوازنات السياسية بقدر ما تهمه لقمة عيشه وأمنه اليومي، وقد تتقاطع تطلعات غالبية السوريين بحسب التعليقات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي منذ الجلسة الافتتاحية، حول ثلاث نقاط رئيسية: أولاً، أن يتحول المجلس من “منصة تمثيل شرفي” إلى أداة تشريعية ورقابية فعلية تحاسب الأداء الحكومي، خصوصاً في ملفي الخدمات والفساد، وثانياً أن يشكّل جسراً حقيقياً نحو دستور دائم وانتخابات مباشرة، لا محطة تُمدَّد إلى أجل غير مسمى، وثالثاً أن ينجح في ترميم فجوات التمثيل بما يمنحه شرعية أوسع تتجاوز مرحلته الانتقالية.
وفي الشارع السوري، تتراوح ردود الفعل بين الأمل والحذر، ففي استطلاع أجراه “963+”، عبّر مواطنون عن أملهم في أن يكون المجلس “مستمعاً حقيقياً لهموم المواطنين، بعيداً عن صورة مجلس التصفيق التي اتسم بها المجلس في عهد النظام المخلوع”، وشدد آخرون على ضرورة أن يضم المجلس ممثلين عن كل فئات المجتمع.
ويقول خالد القاسم “مدرس” من المهم النظر إلى هذا المجلس في سياقه الانتقالي، فهو ليس الصيغة النهائية للمؤسسة التشريعية، وإنما خطوة مؤقتة لسد الفراغ الدستوري والمؤسسات.
ويرى علي الأحمد محامي أن مسؤوليات المجلس كبيرة، وأن نجاحه سيرتبط بقدرته على إعادة تعريف دور السلطة التشريعية، وتعزيز استقلاليتها، وتحويل المبادئ الدستورية إلى قوانين وإجراءات قابلة للتطبيق.
ويطالب سليم اليوسف وهو حرفي، بتحسين الوضع المعيشي، وكبح جماح التضخم وتوفير السلع الأساسية والخدمات (كهرباء، ماء، طبابة)، ومعالجة ملف المعتقلين والمغيبين، وكشف مصير الآلاف، وهو الملف الأكثر حساسية لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية، وتسهيل عودة اللاجئين، من خلال تشريع قوانين تضمن استعادة الملكيات العقارية وحمايتها، وتوفير بيئة آمنة للعائدين، ونريد أن يعود أبناؤنا من دول اللجوء ليجدوا فرص عمل حقيقية، البرلمان الحالي في اختبار أمام الشعب، وليس أمام السياسيين.
إعادة الإعمار.. أكبر اختبار
تُعد إعادة الإعمار الملف الأكثر تعقيداً أمام المجلس الجديد، إذ تحتاج سوريا إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية، وتأهيل المدارس والمشافي والطرق وشبكات الكهرباء والمياه.
وتتفاوت تقديرات تكلفة إعادة إعمار سوريا بشكل كبير، لكنها تظل جميعاً أرقاماً فلكية. فقد قدّر البنك الدولي في تقرير صادر في أكتوبر 2025 التكلفة بنحو 216 مليار دولار، بمدى يتراوح بين 140 و345 ملياراً. في المقابل، تحدث الرئيس أحمد الشرع عن أرقام تتراوح بين 600 و900 مليار دولار.
ويشير تقرير البنك الدولي إلى أن البنية التحتية كانت الأكثر تضرراً، إذ شكلت نحو 48% من إجمالي الأضرار، تلتها المباني السكنية وغير السكنية، وتتصدر محافظات حلب وريف دمشق وديرالزور قائمة المناطق الأكثر تضرراً، وتفوق هذه التكاليف الناتج المحلي الإجمالي السوري بنحو 10 أضعاف، مما يعني أن الاعتماد على الذات وحده غير ممكن، وأن جذب الاستثمارات والمساعدات الدولية بات ضرورة ملحة.
ويؤكد الخبير الاقتصادي حسين العواد في تصريح لـ”963+” أن جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية لن يتحقق من دون تحديث المنظومة التشريعية، وخاصة القوانين المتعلقة بالاستثمار والشركات، والمصارف والضرائب وحماية الملكية، وتسوية النزاعات التجارية.
ويضيف أن المستثمرين يبحثون عن بيئة قانونية مستقرة، وإجراءات واضحة، ومؤسسات قادرة على تنفيذ العقود وحماية الحقوق، وهي ملفات سيكون المجلس مطالباً بالتعامل معها بسرعة وكفاءة.
ويلفت إلى وجود تحديات اقتصادية ضاغطة، إذ لا تقتصر مسؤولية المجلس على إعادة الإعمار، بل تمتد إلى معالجة ملفات يومية تمس حياة المواطنين، أبرزها: تحسين مستوى المعيشة والدخول، ومكافحة التضخم وارتفاع الأسعار، وإصلاح النظام الضريبي، ودعم الإنتاج الوطني، ومعالجة البطالة، خاصة بين الشباب، وتطوير التعليم والتدريب المهني، وإصلاح القطاع المصرفي، وتحديث التشريعات الاقتصادية بما ينسجم مع اقتصاد السوق.
ويرى العواد أن هذه الملفات تحتاج إلى تعاون وثيق بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، مع وجود رقابة برلمانية فعالة تضمن حسن تنفيذ الخطط الحكومية.
ويختم العواد أن المجلس الجديد أمام اختبار حقيقي، إما أن يكون أداة فاعلة في بناء سوريا الجديدة، أو أن يكرر سيناريو المؤسسات الشكلية التي عرفها السوريون لعقود، وفي ظل تكلفة إعمار تقدر بمئات المليارات، وولاية تشريعية لا تتجاوز 30 شهراً، فإن الوقت ليس في صف أحد.
ويبقى الرهان الحقيقي في قدرة المجلس على ترجمة تطلعات السوريين إلى تشريعات وسياسات عملية، لأن نجاح المرحلة الانتقالية لن يُقاس بخطابات الجلسات الافتتاحية، بل بما يلمسه المواطن في حياته اليومية من تحسن في الخدمات، وفرص العمل، وسيادة القانون، وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة.









