شهدت العاصمة السورية دمشق خلال الأيام القليلة الماضية عدة تفجيرات استهدف أحدها مقهى بالقرب من القصر العدلي ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا.
وتشكل المؤسسات العدلية إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، فهي ليست مجرد أجهزة تُعنى بالفصل في المنازعات أو تطبيق النصوص القانونية، بل تمثل الإطار الذي تُصان من خلاله الحقوق والحريات، وتُكرَّس سيادة القانون بوصفها أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وفي الدول الخارجة من النزاعات، تكتسب هذه المؤسسات أهمية مضاعفة، إذ يصبح نجاحها مؤشراً على قدرة الدولة على الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الاستقرار، ومن إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات قادرة على استعادة ثقة المواطنين وترسيخ الشرعية.
وفي حوار خاص لـ”963+” مع الدكتور محمد اليمني الباحث في العلاقات الدولية أجاب فيه عن العديد من الأسئلة لعل أبرزها كيف يمكن تحقيق التوازن بين الأمن والقضاء في الدول الخارجة من النزاعات وما أبرز التحديات والتهديدات الأمنية التي ما تزال تواجه الحكومة السورية.
وفي مايلي الحوار كاملاً:
لماذا تصبح المؤسسات العدلية هدفاً في الصراعات؟ وما دلالات توقيت استهدافها في سوريا؟
لا يمكن النظر إلى استهداف المؤسسات العدلية في سوريا باعتباره حادثاً أمنياً معزولاً أو مجرد عملية إرهابية تستهدف منشأة حكومية، بل يجب قراءته ضمن سياق أوسع يرتبط بطبيعة الصراعات التي تعيشها الدول الخارجة من الحروب، حيث تتحول مؤسسات القضاء والعدالة إلى أهداف ذات قيمة استراتيجية بالنسبة للجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة، لأنها تمثل رمزاً مباشراً لعودة الدولة واستعادة احتكارها للسلطة القانونية.
فالسنوات الماضية أثبتت أن التنظيمات المسلحة لا تستهدف المباني بقدر ما تستهدف الرمزية السياسية والمؤسسية التي تحملها تلك المباني. فالمحاكم، والنيابات العامة، والهيئات القضائية، ليست مجرد أماكن لإدارة الملفات القانونية، وإنما تمثل الركيزة الأساسية التي تستند إليها الدولة في فرض سيادة القانون، وإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.
ومن هنا، فإن توقيت استهداف المؤسسات العدلية في سوريا يحمل رسائل تتجاوز حدود العمل الإرهابي التقليدي، إذ يأتي في مرحلة تحاول فيها الدولة السورية تثبيت الاستقرار، وإعادة بناء مؤسساتها، وفتح المجال أمام مرحلة مختلفة عنوانها الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة الدولة.
إن التنظيمات المتشددة تدرك جيداً أن نجاح القضاء يعني تراجع نفوذها، وأن استعادة المحاكم لدورها الطبيعي تعني إنهاء حالة الفوضى القانونية التي استفادت منها لسنوات، ولذلك يصبح القضاء هدفاً مباشراً لكل من يسعى لإبقاء الدولة في حالة إنهاك دائم.
التجارب الدولية تشير إلى أن القضاء غالباً ما يكون أول المؤسسات التي تتعرض للانهيار أثناء الحروب، لكنه أيضاً أول مؤسسة يجب إعادة بنائها بعد انتهاء النزاعات.
فلا يمكن الحديث عن استثمارات، أو عودة للاجئين، أو إعادة إعمار، أو مصالحة وطنية، في غياب قضاء مستقل قادر على حماية الحقوق، وتسوية النزاعات، ومحاسبة مرتكبي الجرائم وفق القانون.
وفي الحالة السورية، تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيداً بسبب تراكم سنوات طويلة من الحرب، وتعدد الفاعلين العسكريين، وتشابك الملفات الأمنية مع الملفات السياسية والاقتصادية.
إن استهداف المؤسسات العدلية يحمل بعداً استراتيجياً يتمثل في محاولة تعطيل مسار إعادة بناء الدولة، وإبقاء المجتمع في دائرة الشك والخوف، ومنع عودة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
إلى أي مدى يمكن أن تنجح سوريا في تثبيت الاستقرار، وما أبرز التحديات والتهديدات الأمنية التي ما تزال تواجهها؟
يمكن القول إن سوريا قطعت شوطاً مهماً في استعادة قدر من الاستقرار مقارنة بسنوات الحرب الأكثر عنفاً، إلا أن هذا الاستقرار لا يزال هشاً نسبياً، ويواجه مجموعة واسعة من التحديات الأمنية.
فلا تزال هناك خلايا نائمة لتنظيمات متطرفة، وشبكات تهريب عابرة للحدود، وانتشار للسلاح، إضافة إلى التداخلات الإقليمية والدولية التي تجعل المشهد الأمني شديد التعقيد.
كما أن الضغوط الاقتصادية، والأوضاع المعيشية الصعبة، تشكل بيئة قد تستغلها الجماعات المتشددة لإعادة التجنيد واستقطاب عناصر جديدة، وهو ما يجعل المواجهة الأمنية وحدها غير كافية.
فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق فقط بإحباط العمليات الإرهابية، وإنما ببناء بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية تقلل من فرص عودة العنف.
كيف يمكن تحقيق التوازن بين الأمن والقضاء في الدول الخارجة من النزاعات؟ وما دورهما في إعادة بناء الشرعية واستعادة ثقة المواطنين؟
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الأمن والقضاء يمثلان مسارين منفصلين، بينما تثبت تجارب الدول الخارجة من النزاعات أن نجاح أحدهما يعتمد على نجاح الآخر.
فالأجهزة الأمنية مسؤولة عن منع الجريمة وحماية المواطنين، بينما يتولى القضاء ضمان محاسبة المتورطين وفق إجراءات قانونية عادلة.
وعندما يغيب القضاء، تتحول الإنجازات الأمنية إلى حلول مؤقتة، لأن غياب العدالة يخلق شعوراً بالإفلات من العقاب، ويؤدي إلى تآكل الثقة في مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، فإن القضاء لا يستطيع أداء دوره في ظل بيئة أمنية مضطربة لا توفر الحماية للقضاة والمحاكم والشهود.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة في سوريا تحتاج إلى استراتيجية متكاملة تقوم على تطوير المنظومة الأمنية بالتوازي مع تحديث المؤسسات القضائية، وتوفير الحماية القانونية والمادية للعاملين فيها.
كيف تُقرأ الإدانات الإقليمية والدولية لتفجير دمشق؟ وهل تعكس موقفاً مبدئياً ثابتاً، أم أنها تخضع لحسابات سياسية ومصالح متغيرة؟
عقب أي هجوم يستهدف مؤسسة رسمية، تتوالى بيانات الإدانة من العواصم الإقليمية والدولية، غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل تعكس هذه الإدانات موقفاً ثابتاً ضد الإرهاب، أم أنها تخضع لحسابات سياسية؟
الواقع يشير إلى أن المواقف الدولية كثيراً ما تتأثر باعتبارات المصالح والتحالفات، إذ تختلف مستويات التفاعل مع الأحداث وفق طبيعة العلاقات السياسية مع الدولة المستهدفة.
ورغم ذلك، فإن استهداف المؤسسات العدلية يمثل قضية تتجاوز الخلافات السياسية، لأن ضرب القضاء يعني تهديد أحد أهم ركائز الدولة الحديثة، وهو ما يجعل رفض هذه العمليات ضرورة تتعلق بحماية الاستقرار الإقليمي والدولي، وليس فقط بالشأن السوري الداخلي.
هل تمثل مواجهة الدولة للعنف اختباراً لقدرة مؤسساتها على الصمود، أم أن الحسم يعتمد بالدرجة الأولى على القوة الأمنية والعسكرية؟
كل عملية إرهابية تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة على الصمود. فالنجاح لا يقاس فقط بسرعة القبض على المنفذين، وإنما بقدرة الدولة على الاستمرار في أداء وظائفها دون تعطيل.
عندما تستأنف المحاكم عملها بسرعة، وتستمر النيابات في أداء مهامها، وتواصل مؤسسات العدالة نشاطها الطبيعي، فإن الرسالة التي تصل إلى الجماعات المتطرفة تكون واضحة: الإرهاب لا يستطيع شل مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، فإن المبالغة في الإجراءات الاستثنائية أو تعطيل العدالة قد تحقق للجماعات المسلحة جزءاً من أهدافها بإرباك مؤسسات الدولة.
ما الأولويات التي ينبغي أن تعتمدها الحكومة السورية لتعزيز أمن المؤسسات وترسيخ سيادة القانون ومنع تكرار مثل هذه الهجمات في المرحلة المقبلة؟
إذا أرادت الحكومة السورية تحويل هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق نحو استقرار أكثر رسوخاً، فإن الأولويات ينبغي أن تشمل: تعزيز حماية المؤسسات القضائية والعدلية باستخدام تقنيات أمنية حديثة. وتطوير منظومات الاستخبارات والاستباق الأمني لرصد التهديدات قبل وقوعها، مع تحديث التشريعات الخاصة بمكافحة الإرهاب بما يحقق التوازن بين الأمن وحقوق الإنسان، وتسريع إجراءات التقاضي في القضايا المرتبطة بالإرهاب دون الإخلال بضمانات العدالة.
يضاف إلى ذلك تعزيز التعاون الأمني والقضائي مع الدول المجاورة لمواجهة الشبكات العابرة للحدود، والاستثمار في برامج مكافحة التطرف الفكري وتجفيف منابع التجنيد، إلى جانب تحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية باعتبارها جزءاً من الأمن الوطني الشامل، ودعم استقلال القضاء وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة.
إن استهداف المؤسسات العدلية في سوريا ليس مجرد اعتداء على مبنى حكومي، بل هو محاولة لضرب فكرة الدولة نفسها، وإضعاف قدرتها على فرض القانون واستعادة الشرعية. وفي المقابل، فإن نجاح دمشق في تجاوز هذه الاختبارات لن يقاس فقط بعدد العمليات التي يتم إحباطها، وإنما بقدرتها على بناء منظومة متكاملة تجمع بين الأمن الفعال، والقضاء المستقل، والإدارة الرشيدة، والتنمية الاقتصادية، بما يعيد للمواطن ثقته في الدولة ويحول دون عودة دوامة العنف.
فالمعركة الحقيقية في مرحلة ما بعد النزاعات ليست معركة البنادق وحدها، بل معركة ترسيخ المؤسسات، لأن الدول لا تنتصر فقط عندما تهزم الإرهاب عسكرياً، وإنما عندما تجعل سيادة القانون أقوى من الخوف، وتصبح العدالة هي الضامن الأول للاستقرار والسلام المستدام.










