في الوقت الذي تشهد فيه سوريا انفتاحاً دولياً متسارعاً بعد سنوات طويلة من العزلة، تتصدر ملفات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي أولويات النقاشات بين دمشق وشركائها الدوليين، وسط تأكيدات متزايدة بأن نجاح أي خطة لإعادة البناء يبقى مرهوناً بتوفير بيئة آمنة للسكان والمستثمرين على حد سواء.
وقد اكتسب هذا المسار زخماً إضافياً مع الزيارات الدولية رفيعة المستوى إلى دمشق، وآخرها زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي ركزت على إعادة الإعمار، وتعزيز الشراكات الاقتصادية، ودعم الاستقرار، رغم استمرار التحديات الأمنية التي برزت مع وقوع تفجيرات في العاصمة خلال الزيارة نفسها، في مؤشر على أن استعادة الأمن لا تزال تمثل الاختبار الأكبر أمام المرحلة الجديدة.
وبالتوازي مع هذا الحراك السياسي، يبرز ملف الألغام ومخلفات الحرب بوصفه أحد أكثر التحديات إلحاحاً أمام عودة ملايين السوريين إلى مناطقهم، واستئناف النشاط الزراعي والصناعي والخدمي، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار.
فالمناطق التي شهدت أعنف المعارك خلال السنوات الماضية ما تزال تعج بالألغام والذخائر غير المنفجرة، وهو ما يحول دون استثمار الأراضي وإعادة تأهيل البنية التحتية، ويجعل حياة المدنيين عرضة لخطر دائم، ولا سيما في ظل اتساع رقعة التلوث وصعوبة حصر مواقع الألغام بعد تعدد الجهات التي زرعتها خلال سنوات النزاع.
وتؤكد الأمم المتحدة أن إزالة الألغام لم تعد مجرد استجابة إنسانية، بل أصبحت شرطاً أساسياً لاستعادة الحياة الطبيعية، وعودة الأطفال إلى مدارسهم، واستئناف الأنشطة الاقتصادية والزراعية، بما يعزز فرص التعافي المستدام.
وتعكس التحركات الدولية الأخيرة إدراكاً متزايداً لخطورة هذا الملف، إذ شهدت جنيف خلال حزيران/يونيو الماضي مؤتمراً دولياً خُصص لتنسيق جهود إزالة الألغام في سوريا، بمشاركة الحكومة السورية وشركاء دوليين وجهات مانحة، بهدف توحيد الأولويات وتسريع عمليات التطهير، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى توفير التمويل والخبرات والتقنيات الحديثة لمعالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب.
وبين الرهانات السياسية على إعادة دمج سوريا في محيطها الإقليمي والدولي، والرهانات الاقتصادية المرتبطة بإعادة الإعمار، يبقى نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرة المؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين على إزالة التهديد الأكثر التصاقاً بحياة السوريين اليومية، والمتمثل في الألغام ومخلفات الحرب، بوصفها العقبة الأولى أمام العودة الآمنة، والاستقرار، والتنمية المستدامة.
إزالة الألغام أساس التعافي وإعادة الإعمار
يقول أيمن الدسوقي، الباحث الأول في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، لـ”963+”، إنه تم إحداث المركز الوطني لمكافحة الألغام ضمن وزارة الطوارئ، ويضيف أن المركز يعمل بالتعاون والتنسيق مع الجهات الحكومية والمنظمات الدولية لمعالجة ملف الألغام ومخلفات الحرب.
ويشير إلى أن هذه الجهود حققت تدخلات ناجحة في عدد من المناطق السورية، إلا أن تباين السياقات المحلية واتساع الرقعة الجغرافية التي تنتشر فيها الألغام ومخلفات الحرب، مقارنة بحجم الكوادر البشرية والإمكانات والأدوات المطلوبة، يجعلان المهمة صعبة أمام أي استراتيجية تستهدف التعامل مع هذا الملف.
ويرى الدسوقي أن إزالة الألغام ليست نشاطاً تقنياً معزولاً، بل تمثل شرطاً تأسيسياً لتحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار. ويلفت إلى أن المدخل الأساسي لذلك يبدأ بإزالة الألغام من المناطق السكنية المتضررة أو المدمرة، ولا سيما تلك التي يُنتظر عودة السكان إليها، معتبراً أن حماية المدنيين تشكل الشرط اللازم لتنشيط الاقتصاد وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، إذ لا يمكن تحقيق التعافي في ظل استمرار المخاطر التي تهدد حياة السكان.
ويتابع أن إزالة الألغام تتطلب تفعيل خطة إستراتيجية تستند إلى رؤية واضحة تحدد الأولويات، وتوفر الموارد البشرية والمادية اللازمة، إلى جانب بناء قاعدة معلومات متكاملة، وتعزيز التواصل والتنسيق بين جميع الجهات المعنية بإزالة الألغام ومخلفات الحرب.
ويعتقد أن العمل ما زال في مراحله الأولى، سواء على مستوى صياغة الخطة أو وضع إطارها التنفيذي، ويعزو أبرز التحديات التي تواجه هذه المرحلة إلى ضعف التنسيق بين الجهات المعنية وتشتت المعلومات، وهو ما يحد من فاعلية الجهود المبذولة.
ويعتبر الدسوقي أن استمرار وقوع الإصابات يرتبط بثلاثة عوامل رئيسية، يتمثل أولها في بطء عمليات إزالة الألغام مقارنة باتساع رقعة انتشار الألغام ومخلفات الحرب، بينما يتمثل العامل الثاني في عودة السكان إلى مناطقهم قبل الانتهاء من فحصها والتأكد من خلوها من المخاطر، ومن دون وجود تنسيق كافٍ مع الجهات المحلية المختصة. أما العامل الثالث، فيرتبط بضعف برامج التوعية والوقاية، في ظل قلة الكوادر البشرية المؤهلة والمدربة القادرة على تنفيذ هذه البرامج.
وينوه إلى أن التقنيات الحديثة تمتلك استخدامات متعددة في هذا المجال، ولا سيما في جمع البيانات ومعالجتها بما يساعد على إعداد خرائط دقيقة للمناطق الخطرة وتحديد أولويات التدخل.
ومع ذلك، يرى أن هذه التقنيات تبقى أدوات مساعدة للفرق الميدانية العاملة على الأرض، وليست بديلاً عنها، كما يلفت إلى أنها تتطلب دعماً دولياً، سواء من حيث تمويل شرائها أو تدريب الكوادر الوطنية على استخدامها والاستفادة منها بكفاءة.
ويختتم الدسوقي بالتأكيد على أنه لا يمكن الحديث عن تعافٍ حقيقي في سوريا إلا من خلال عودة آمنة للسكان إلى مناطقهم، ويضيف أن تحقيق هذه العودة يتطلب توفير الأمن والسلامة، بما يتيح للسكان الاستقرار وإعادة تنشيط الاقتصاد عبر إطلاق المشاريع الإنتاجية والخدمية.
ويؤكد أن أي صيغة للتعافي ستظل مهددة بالانتكاس ما لم تتوافر البيئة الآمنة التي تضمن حماية السكان واستدامة جهود إعادة الإعمار.
عوائق إزالة الألغام وبناء الدولة في سوريا
يقول العميد ناجي ملاعب، الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية المقيم في بيروت، لـ”963+”: إن الألغام تشكل عائقاً أكيداً أمام النمو في سوريا وتحقيق التنمية المستدامة. ويضيف أنه سيذكر أبرز هذه العوائق، التي ورد معظمها في الأسئلة المطروحة، لكنه سيتوسع في شرحها قليلاً.
ويشير إلى أنه، من حيث المبدأ، تعرضت مناطق سورية لسيطرة جهات متعددة خلال سنوات الصراع، فكانت بعض المناطق تحت سيطرة قوى إسلامية، وأخرى تحت سيطرة الجيش الوطني، ثم الجيش الحر، ثم تنظيم “داعش”، الأمر الذي أدى إلى اقتحامات متكررة للمناطق.
ويلفت إلى أن كل جهة كانت تسيطر على أرض معينة كانت تضع عوائق وألغاماً في مواجهة خصومها، فضلاً عما كان يفعله النظام السوري السابق من زرع الألغام وترك مخلفات خطرة على الأرض.
ويتابع أن نقص البيانات يمثل مشكلة كبيرة، إذ إن البيانات المتعلقة بهذه الجهات لم تعد موجودة، لأن كثيراً منها لم يعد مشاركاً في السلطة، ولن ينتمي إلى السلطة الجديدة.
ويعلل ذلك بأن العديد ممن سيطروا على مناطق معينة لم يعودوا موجودين، ولم ينتقلوا إلى السلطة الحالية، ولذلك لم يعد بالإمكان الحصول على المعلومات الخاصة بما زرعوه من ألغام أو عوائق.
ويضيف أنه، من ناحية أخرى، ما زالت هناك جهات لم تشارك في السلطة الجديدة لكنها لا تزال موجودة على الأرض، ويضرب مثالاً على ذلك حالة محافظة درعا.
ويستدرك قائلاً إنه لم يكن قد انتهى من حديثه بسبب اتصال هاتفي، ثم يتابع بالإشارة إلى أن هناك جانباً آخر يتمثل في التطور التقني، إذ يرى أن التقنيات المتوافرة اليوم مهمة جداً في معالجة هذه المشكلة.
ويستذكر أنه في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما رُفعت موازنة التسلح الأميركية من ستمائة مليار دولار إلى ستمائة وثلاثين مليار دولار، كما أُدخلت الطائرات المسيّرة إلى الاستخدام القتالي، ورُصد مبلغ خمسة مليارات دولار لشركة “أوشكوش” التي تصنع الشاحنات المخصصة لإزالة الألغام.
ويشرح أن هذه الشاحنات مزودة بوسائل أمامية تقوم بتفجير الألغام أثناء تقدمها، ثم تتابع سيرها بشكل طبيعي، معتبراً أن هذه التقنيات تمثل عنصراً مهماً في عمليات إزالة الألغام.
ويضيف أن تركيا تمتلك اليوم قدرات دفاعية كبيرة، ولم تعد تكتفي بتلبية احتياجاتها الذاتية، بل أصبحت تصدر صناعاتها العسكرية إلى الخارج، وتمتلك إمكانات تسليحية متطورة.
ويرى أنه، بحكم الدور الذي تؤديه تركيا في إعادة هيكلة الجيش السوري الجديد، أو الجيش العربي السوري، فمن الممكن أن تطلب سوريا منها تقديم معونات تقنية، سواء في مجال الطائرات المسيّرة أو في مجال شاحنات إزالة الألغام، إذا أمكن الحصول عليها أو تصنيعها محلياً. ويؤكد أن هذا الجانب يمثل البعد التقني من القضية.
وينوه إلى أن هناك جوانب أخرى لا تقل أهمية، وفي مقدمتها الجانب السياسي، إذ يرى أن الوضع السياسي يمثل عاملاً أساسياً في تحقيق التنمية.
ويشير إلى أن الصلاحيات تتركز حالياً بيد رئيس الجمهورية، وأن المؤتمر الوطني انعقد خلال فترة قصيرة وبما تيسر من الظروف، لكنه لم يشمل جميع الأطراف.
كما يلفت إلى أن الأكراد، رغم أنهم دُفعوا من قبل الولايات المتحدة الأميركية إلى الدخول في السلطة، فإنهم ما زالوا يحتفظون بخصوصيتهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما يجري في محافظة السويداء.
ويعتقد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قفزة نوعية في أسلوب التعامل مع الأقاليم السورية، بما يسمح لها بالاندماج ضمن الدولة المركزية.
ويستفسر عما إذا كانت الانتخابات قد تكون الحل الأنسب بدلاً من التعيين، مع إقراره بأن المرحلة الأولى قد تفرض استمرار التعيينات مؤقتاً.
ويضيف أنه لا يوجد رئيس للحكومة، وإنما رئيس للدولة، ويرى أن هذا الوضع السياسي ينبغي أن يتطور تدريجياً بما يخدم المركزية الأساسية، ولكن مع الأخذ في الاعتبار خصوصية الأقاليم، حتى لا تصبح عرضة للتدخلات أو محاولات استغلالها.
ويختتم بالإشارة إلى أن أحد الكتّاب نشر في السابق مقالاً بعنوان “حدود بلا دولة”، ويذكر أنه ناقش آنذاك فكرة معاكسة مفادها “دولة بلا حدود”، لأن حدودها كانت مستباحة.
ويضيف أنه أصبح مقتنعاً بأن حدود الدولة ستستعاد كاملة، بما في ذلك إنهاء الانسحاب الإسرائيلي، الذي يجب أن يتحقق، إلا أنه يعتبر أن بناء الدولة أهم بكثير من قضية الحدود، لأن الحدود ستعود في نهاية المطاف، أما الدولة فهي الأساس.
ويعزو ذلك إلى التجربة اللبنانية، موضحاً أن لبنان ما زال يعاني من ضعف الدولة، وأن قراراتها لم تُنفذ بعد، وما زالت هناك مشكلات مستمرة يعرفها الجميع.










