أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلط الأوراق في المشرق بعد تصريحاته الأخيرة التي دعا فيها إلى إسناد مهمة مواجهة “حزب الله” إلى سوريا، معتبراً أن دمشق قد تكون أكثر قدرة على التعامل مع الحزب من إسرائيل، في تحول لافت في الخطاب الأميركي تجاه الملفين السوري واللبناني.
وجاءت هذه التصريحات بالتزامن مع مساعٍ أميركية لإعادة صياغة الترتيبات الأمنية في لبنان، وربط مستقبل الجنوب اللبناني بملف نزع سلاح “حزب الله”، وسط اعتراضات لبنانية وتحذيرات من أن أي ترتيبات جديدة قد تعمق الانقسام الداخلي.
كما أثارت تصريحات ترامب مخاوف في الأوساط الإقليمية والإسرائيلية من احتمال منح دمشق دوراً أمنياً جديداً في لبنان، رغم نفي السلطات السورية وجود نية للانخراط في مواجهة مع الحزب، وتأكيدها أن أولوياتها تتركز على استقرار الداخل السوري وإعادة الإعمار.
وفي ظل هذه التطورات، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت واشنطن تنظر إلى سوريا ولبنان باعتبارهما ملفاً أمنياً وسياسياً واحداً، وما إذا كان مستقبل العلاقة بين البلدين بات جزءاً من استراتيجية أميركية أوسع لإعادة رسم موازين القوى والنفوذ في الشرق الأوسط، خصوصاً مع استمرار التداخل بين المفاوضات الإقليمية، والضغوط على إيران، والجهود الرامية إلى إعادة ترتيب المشهد الأمني في المنطقة.
ساحات نفوذ
يقول الدكتور إياس الخطيب، الخبير في العلاقات الدولية والمقيم في دمشق، لـ”963+”، إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كثّف في الفترة الأخيرة ضغوطه، وكرر في أكثر من مناسبة تصريحاته التي تفيد بأنه سيربط ملف “حزب الله” بسوريا، وأنه سيُسند هذا الملف إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.
ويرى الخطيب أن هذا الأمر ليس مفاجئاً في الأوساط السياسية، لأن السلطة الحالية في دمشق، بحسب رأيه، جاءت بترتيب ودعم غربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لتنفيذ مهام محددة تخدم المصالح الأميركية في المنطقة.
ويضيف أن السياسة الأميركية اعتادت النظر إلى سلطات الشرق الأوسط من زاوية قدرتها على تحقيق المصالح الأميركية، ولذلك كان ملف استخدام السلطة الحالية في دمشق في مواجهة “حزب الله”، أو ما يسميه “الخط الشيعي” في المنطقة، مطروحاً منذ البداية.
ويلفت إلى أن ما يجري في شمال شرقي سوريا يرتبط أيضاً بهذه الرؤية، مشيراً إلى أن نقل عناصر تنظيم داعش إلى العراق، وفق تقديره، يهدف إلى جعلهم “قنبلة موقوتة” في مواجهة الحشد الشعبي إذا ما تجدد الصراع السني الشيعي، خصوصاً في حال دخلت سوريا في مواجهة مع “حزب الله”، وهو ما قد يدفع الحشد الشعبي إلى التدخل عبر الحدود العراقية لدعم الحزب، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب اعتقاده، إلى إشغال الحشد في الداخل العراقي عبر تحركات تنظيم داعش.
ويعتبر الخطيب أن ترامب يربط عملياً أي دعم لسوريا بالملف اللبناني، مشيراً إلى أنه، رغم الحديث المتكرر عن رفع العقوبات ودعم الاقتصاد السوري، فإن الواقع، بحسب وصفه، لم يشهد أي تحسن، بل ازداد الوضع المعيشي والاقتصادي والمالي سوءاً خلال العام والنصف الماضيين.
ويعتقد أن المقابل كان تقديم تنازلات تتعلق بالسيادة السورية، موضحاً أن إسرائيل وسعت نطاق سيطرتها في الجنوب السوري، فيما يرى أن هناك مهمة أخرى تخدم المصالح الإسرائيلية، تتمثل في دفع السلطة السورية نحو مواجهة مع “حزب الله”.
ويشير في هذا السياق إلى ما يصفها بـ”التحشيدات العسكرية” في مدينة القصير، إضافة إلى تدريبات قال إنها جرت لعناصر تتبع للسلطة بهدف الاستعداد لمواجهة محتملة مع “حزب الله”.
ورقة ضغط
ويؤكد الخطيب أن هذا الملف يمثل ورقة ضغط دائمة تستخدمها الولايات المتحدة، ويستخدمها ترامب شخصياً، ضد الرئيس السوري أحمد الشرع.
ويضيف أن الولايات المتحدة، بحسب رأيه، لم تنسِ ماضي الشرع، رغم أنها كانت قد رصدت في وقت سابق مكافأة مالية مقابل الإدلاء بمعلومات عنه، معتبراً أن ذلك كان جزءاً من “لعبة سياسية”، على حد وصفه، لأن أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية، بحسب اعتقاده، كانت تعمل على إعداده للمرحلة اللاحقة.
ويرى أن ماضي الشرع لا يزال حاضراً في الأجندة الأميركية، ويمكن استخدامه في أي وقت، ليس فقط للتذكير به، وإنما أيضاً لإسقاط السلطة الحالية عند انتهاء دورها، وفق تعبيره.
ويتابع أن الملفات المتعلقة بالمجازر والانتهاكات، التي يتهم الشرع بالمسؤولية عنها، ما تزال محفوظة، بحسب رأيه، داخل المؤسسات الأميركية، ويمكن إعادة فتحها سياسياً في أي وقت إذا قررت واشنطن إنهاء دعمها له.
ويعتقد الخطيب أن الولايات المتحدة تستطيع استخدام هذه الملفات للقول إن الشرع لم ينجح في توحيد سوريا، وإن ماضيه سيمنعه من الاستمرار، وهو ما قد يؤدي، وفق تقديره، إلى إسقاطه سياسياً بصورة سريعة.
وينوه إلى أن هذه الورقة ستبقى وسيلة ضغط مستمرة، هدفها تذكير الشرع بأن واشنطن هي التي أوصلته إلى السلطة، وأن أي امتناع عن تنفيذ المهام المطلوبة سيضعه في “قلب العاصفة”.
ويقول الخطيب إن الولايات المتحدة لا تنظر إلى سوريا ولبنان باعتبارهما دولتين كاملتي السيادة، وإنما تعتبرهما ساحتي نفوذ لتحقيق مصالحها الخارجية، ولا سيما في منطقة بلاد الشام.
ويشير إلى تصريحات المبعوث الأميركي توماس باراك بشأن ضرورة توحد المنطقة، معتبراً أن المقصود منها، وفق قراءته، ليس تحقيق وحدة عربية، وإنما إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية بما يخدم المصالح الأميركية.
ويرى أن واشنطن تتعامل مع سوريا ولبنان بوصفهما مساحة جغرافية واحدة لإدارة النفوذ، وليس باعتبارهما دولتين مستقلتين.
ويتحدث الخطيب عن أن الورقة الأكثر إزعاجاً للمشروعين الأميركي والإسرائيلي في لبنان هي “حزب الله”، موضحاً أن السلطة اللبنانية الحالية، برأيه، منسجمة إلى حد بعيد مع التوجهات الأميركية والإسرائيلية، وتقدم تنازلات تشبه تلك التي تقدمها السلطة السورية.
ويضيف أن الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام، ورئاسة الجمهورية بقيادة جوزيف عون، جاءتا، بحسب تقديره، بدعم أميركي وإسرائيلي، مستدلاً بعدم اتخاذ خطوات مباشرة لمواجهة التوسع الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.
ويعتبر أن “حزب الله” هو الجهة الوحيدة التي تحاول، من وجهة نظره، التصدي لهذا المشروع، ولذلك يتعرض لضغط مزدوج؛ خارجي تمثله الولايات المتحدة وإسرائيل، وداخلي يتمثل في المطالبة بنزع سلاحه.
ويعتقد أن نزع سلاح “حزب الله”، إذا تحقق، لن يدفع إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية، بل قد يشجعها، وفق رأيه، على التوسع أكثر داخل لبنان.
ويلفت إلى أن التجارب السابقة، مثل ما حدث في ليبيا، تؤكد، بحسب اعتقاده، أن التخلي عن السلاح والسيادة يؤدي في النهاية إلى فقدان الدولة قدرتها على حماية نفسها.
ويؤكد أن الهدف، من وجهة نظره، ليس إعادة النفوذ السوري إلى لبنان، وإنما تحقيق المصالح الأميركية والإسرائيلية حتى لو جرى ذلك بأدوات سورية داخل الأراضي اللبنانية.
ويضيف أن السلطة السورية الحالية، بحسب وصفه، تنفذ الأوامر الأميركية والإسرائيلية، ولذلك فإن ما يجري، وفق اعتقاده، هو استكمال لنزع السيادة عن سوريا ولبنان بما يخدم المشروع الإسرائيلي.
وفي ما يتعلق بتأثير الملف اللبناني في سياسة ترامب تجاه سوريا، يرى الخطيب أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى سوريا ولبنان باعتبارهما دولتين منفصلتين، بل كساحات صراع ونفوذ مترابطة.
ويشير إلى أن واشنطن، بحسب رأيه، تستثمر باستمرار في تغذية الانقسام السني الشيعي، معتبراً أن السلطة الحالية في دمشق تمثل تياراً متطرفاً يرفع شعارات سنية ويحمل عداءً تجاه شيعة لبنان والعراق وإيران.
ويعتقد أن تأجيج هذا الصراع يخدم الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنه يطيل أمد الحروب والانقسامات المذهبية، ويمهد لتقسيم المنطقة إلى كيانات أصغر، بما ينسجم مع المشروع الإسرائيلي، على حد تعبيره.
ويختتم الخطيب بالقول إن الهدف الأميركي الحالي يتمثل في دفع السلطة السورية إلى مواجهة مباشرة مع “حزب الله”، مرجحاً أن يتصاعد هذا السيناريو إذا فشلت المفاوضات الإيرانية الأميركية، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب تقديره، إلى تدخل أطراف أخرى، مثل الحشد الشعبي وإيران، لتتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة صراع أوسع وأكثر اشتعالاً.
الملف اللبناني: ورقة ضغط في حسابات واشنطن
يقول الدكتور ميشال الشماعي، الكاتب والباحث السياسي المقيم في بيروت، لـ”963+”، إنه لا يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب جادّاً تماماً في ما يتعلق بدعمه لسوريا، ولا سيما من ناحية مطالبته بتدخلها في لبنان.
ويرى الشماعي أنه لا يمكن مقاربة هذا الملف بهذه الطريقة، بل إن الدعم الأميركي لسوريا، بحسب اعتقاده، يبقى مرتبطاً بمدى تجاوب دمشق مع المطالب الأميركية.
ويضيف أن الولايات المتحدة تمتلك تجربة غير ناجحة مع السوريين، ولا سيما في ملف التعامل مع الأكراد، مشيراً إلى مرحلة الحرب على تنظيم داعش، حين قامت واشنطن بتسليح القوات الكردية لمحاربة التنظيم، إلا أن نتائج تلك التجربة، وفق رأيه، لم تكن كما كانت تأمل الإدارة الأميركية.
ويؤكد الشماعي أن الملف اللبناني يشكل بالفعل معياراً مهماً في تحديد موقف ترامب من دمشق، معتبراً أن تصريحات الرئيس الأميركي بشأن التحذير من عودة النفوذ السوري إلى لبنان لا تعدو كونها ورقة تهديد يلوّح بها تجاه اللبنانيين، ولا سيما رئيس الجمهورية.
ويعتقد أن ترامب ينظر إلى رئيس الجمهورية اللبنانية على أنه متلكئ في تنفيذ القانون اللبناني، كما يرى أن مواقف الرئيس تتسم بالتردد، وهو ما يدفع الإدارة الأميركية إلى استخدام الورقة السورية لممارسة مزيد من الضغط عليه.
ويلفت إلى أن الهدف من هذا الضغط هو دفع رئيس الجمهورية إلى تنفيذ القوانين والقرارات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية، والتي لم تُترجم، حتى الآن، إلى إجراءات تنفيذية، ولا سيما القرار المتعلق بحظر التنظيمين العسكري والأمني التابعين لـ”حزب الله”.
ويشير الشماعي إلى أن الإدارة الأميركية تحاول ربط الملف اللبناني بالملف السوري، مستشهداً بالتصريحات السابقة للمبعوث الأميركي توم باراك، التي وصف فيها لبنان بأنه “دولة فاشلة ومارقة”، وتحدث عن ضرورة إلحاقه بسوريا، إلى جانب تصريحات أخرى تصب في الاتجاه ذاته.
ويرى أن هذه الملفات مترابطة إلى حد كبير، مؤكداً أن المنطقة تمر بمرحلة إعادة ترتيب النفوذ في الشرق الأوسط، بل وربما تتجاوز ذلك إلى إعادة رسم خرائط جغرافية جديدة.
ويختتم الشماعي بالإشارة إلى أن التداخل الديموغرافي والحضاري والتاريخي بين الشعبين اللبناني والسوري يجعل هذه المسألة أكثر حساسية، ويجعل مستقبلها، بحسب تقديره، خاضعاً للسياسات والاستراتيجيات الكبرى التي تعيد رسم توازنات المنطقة.










