باتت الكوارث الطبيعية خلال السنوات الأخيرة جزءاً من المشهد المتكرر في العديد من المناطق السورية، حيث تتسبب الحرائق والفيضانات والسيول الموسمية بخسائر كبيرة تطال الأراضي الزراعية والممتلكات الخاصة والبنى التحتية.
ومع كل حادثة جديدة، يعود ملف تعويض المتضررين إلى الواجهة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية، نظراً لارتباطه المباشر بمصادر رزق آلاف العائلات التي تعتمد على الزراعة والعمل اليومي لتأمين احتياجاتها المعيشية.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد، حيث تواجه الحكومة تحديات كبيرة في توفير الموارد اللازمة لتعويض المتضررين، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الخدمات وإعادة التأهيل وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وبين الحاجة إلى تقديم الدعم العاجل للمتضررين وضيق الإمكانات المالية المتاحة، يبرز تساؤل واسع حول طبيعة السياسات التي يمكن اعتمادها لضمان وصول التعويضات إلى مستحقيها وتحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية.
الزراعة الأكثر تضرراً
تُعد المناطق الزراعية من أكثر المناطق تأثراً بالكوارث الطبيعية، نظراً لاعتماد نسبة كبيرة من سكانها على المحاصيل الزراعية كمصدر أساسي للدخل، إذ أن المزارع لا يخسر قيمة المحصول فقط عندما يتعرض للحريق أو الغرق، بل يفقد أيضاً ما أنفقه طوال الموسم من تكاليف تتعلق بالبذار والأسمدة والمحروقات وأجور اليد العاملة، ما يجعل آثار الكارثة تمتد لأشهر وربما لسنوات لاحقة.
وفي ريف دير الزور، تعرض المزارع محمود البدران من سكان قرية حويجة كاطع لخسارة كبيرة نتيجة ارتفاع منسوب مياه نهر الفرات خلال الفترة الماضية، الأمر الذي أدى إلى غمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وإتلاف محصول القمح الذي كان يعول عليه لتأمين احتياجات أسرته.
ويقول البدران لـ”963+” إن المياه أتلفت نحو خمسين دونماً من محصول القمح، مضيفاً أنه بادر إلى تسجيل الأضرار لدى مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في دير الزور على أمل الحصول على تعويض يساعده في تجاوز الخسائر التي تعرض لها.
ويوضح أن عائلته تلقت لاحقاً سلالاً غذائية ضمن المساعدات المقدمة للمتضررين، معتبراً أن هذه الخطوة تعكس اهتمام الجهات المعنية بأوضاع الأسر المتضررة، لكنها لا تمثل تعويضاً حقيقياً عن الخسائر الزراعية التي لحقت به.
ويضيف أن خسارة خمسين دونماً من القمح لا تعني فقدان محصول زراعي فحسب، بل فقدان دخل موسم كامل، مشيراً إلى أن المزارعين بحاجة إلى برامج دعم تساعدهم على استئناف العمل الزراعي وتأمين مستلزمات المواسم المقبلة، بما يضمن استمرار العملية الإنتاجية وعدم خروج المزيد من الأراضي من دائرة الاستثمار الزراعي.
وفي محافظة الرقة، تتكرر المعاناة بصورة مختلفة، حيث تشكل حرائق المحاصيل الزراعية أحد أبرز المخاطر التي تواجه المزارعين مع اقتراب مواسم الحصاد.
وتؤدي هذه الحرائق سنوياً إلى خسارة مساحات واسعة من الأراضي المزروعة، سواء بسبب الظروف الجوية أو الحوادث العرضية أو عوامل أخرى، ما ينعكس بشكل مباشر على دخل الأسر الزراعية.
ومن قرية رقة سمرا في الريف الشرقي لمحافظة الرقة، يروي المزارع درويش الخليل لـ”963+” تفاصيل خسارته لمحصوله الزراعي بعد حريق التهم نحو تسعين دونماً من القمح خلال فترة قصيرة.
ويقول الخليل إن الحريق قضى على محصول كان يمثل حصيلة أشهر طويلة من العمل والجهد والإنفاق، مضيفاً أن المزارعين يجدون أنفسهم بعد كل كارثة أمام واقع اقتصادي صعب، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي وتراجع القدرة على تعويض الخسائر بشكل فردي.
ويشير إلى أن الخسائر لا تقتصر على قيمة المحصول المتوقع بيعه، بل تشمل أيضاً جميع النفقات التي تم دفعها طوال الموسم، من تجهيز الأرض وشراء البذار والأسمدة وحتى تكاليف الري والمحروقات وأجور العمال، الأمر الذي يجعل تعويض المتضررين ضرورة اقتصادية واجتماعية وليس مجرد إجراء إنساني.
وتعكس شهادتا البدران والخليل جانباً من التحديات التي يواجهها المزارعون في مختلف المناطق السورية، حيث تتشابه الخسائر وإن اختلفت أسبابها، وبين فيضان يغمر الحقول في دير الزور وحريق يلتهم المحاصيل في الرقة، تبقى النتيجة واحدة بالنسبة للمزارعين، وهي فقدان مصدر الدخل الرئيسي وتحمل أعباء مالية إضافية في وقت تتراجع فيه فرص التعافي السريع.
تبني آليات للتعويض
يؤكد الخبير الاقتصادي محمد الجوهري أن التعامل مع آثار الحرائق والفيضانات في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة يتطلب تبني آليات جديدة للتعويض لا تعتمد بالضرورة على زيادة الإنفاق الحكومي أو تحميل الموازنة العامة أعباء إضافية.
ويقول الجوهري إن الحكومة السورية تستطيع اعتماد حلول تقوم على إعادة توجيه الموارد المتاحة والاستفادة من الشراكات مع المنظمات الدولية وصناديق التنمية والإغاثة، إلى جانب تشجيع مساهمة القطاع الخاص والمؤسسات المصرفية في برامج إعادة الإعمار والتعويض.
ويضيف في حديث لـ”963+” أن من الممكن توجيه الدعم للمتضررين بصورة عينية تشمل توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي والبذور والآلات الزراعية ومواد البناء بدلاً من التعويضات النقدية المباشرة، موضحاً أن هذا النوع من الدعم يحقق استفادة أكبر للمتضررين ويسهم في تخفيف الضغوط الواقعة على الموازنة العامة.
ويشير الجوهري إلى أن توفير قروض ميسرة للمتضررين وتأجيل سداد الالتزامات المالية المترتبة عليهم، فضلاً عن منح إعفاءات ضريبية للمناطق المنكوبة، يمثل شكلاً من أشكال التعويض الاقتصادي الذي يساعد على استعادة النشاط الإنتاجي وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي دون الحاجة إلى إنفاق حكومي كبير.
وفيما يتعلق بإمكانية إنشاء برامج وصناديق متخصصة لإدارة مخاطر الكوارث الطبيعية، يؤكد الجوهري أن هذا التوجه لم يعد خياراً بل أصبح ضرورة في ظل تكرار الكوارث الطبيعية وتزايد التأثيرات الناجمة عن التغيرات المناخية.
ويوضح أن إنشاء صندوق وطني لإدارة مخاطر الكوارث من شأنه أن يوفر آلية دائمة لتمويل عمليات الإغاثة والتعويض وإعادة الإعمار، بدلاً من الاعتماد على الإجراءات المؤقتة التي يتم اللجوء إليها عقب كل أزمة.
ويضيف أن تمويل هذا الصندوق يمكن أن يتم من خلال مزيج من المساهمات الحكومية والدعم الدولي والتبرعات المجتمعية ومساهمات القطاع الخاص، إلى جانب إمكانية الاستفادة مستقبلاً من أدوات التأمين ضد الكوارث.
وينوه الجوهري إلى أن وجود مثل هذا الصندوق يمنح الحكومة قدرة أكبر على سرعة التدخل عند وقوع الكوارث، كما يعزز ثقة المواطنين بوجود منظومة مؤسسية قادرة على التعامل مع الأزمات بكفاءة واستدامة.
وعن آليات تحقيق العدالة والشفافية في تقدير الأضرار وتوزيع التعويضات، يشدد الجوهري على أهمية وضع معايير موحدة وواضحة لتقييم حجم الخسائر بعيداً عن أي اعتبارات شخصية أو إدارية، مع الاعتماد على لجان فنية مستقلة تضم خبراء في مجالات الزراعة والهندسة والإدارة المحلية.
ويؤكد أن استخدام التقنيات الحديثة، مثل صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والخرائط الرقمية، يسهم في توثيق الأضرار بدقة أكبر ويحد من الأخطاء أو التقديرات غير الواقعية.
كما يوضح أن إعلان نتائج حصر الأضرار وقوائم المستفيدين بصورة شفافة، وإتاحة آليات واضحة للتظلم والمراجعة، يضمن حصول جميع المتضررين على حقوقهم وفق معايير عادلة.
ويختتم الجوهري حديثه بالتأكيد على أن الشفافية في إدارة التعويضات لا تقل أهمية عن قيمة التعويضات نفسها، لأنها تعزز ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة وتضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر تضرراً من الكوارث الطبيعية.










